الحرب والسلام

حجم الخط
0

«يهوديان ـ ثلاثة آراء»، يقول المثل الشائع، والذي تجسد ايضا في مشهد في فيلم «بريان نجم أعلى» لعصبة مونتي فايتون. وبالفعل، يبدو أنه على مدى الاجيال حرص اليهود على ان يكون لهم اكبر عدد ممكن من الاحزاب والمنظمات التي تتبنى جميعها الى هذا الحد او ذاك ذات المواقف، ولكنها تتجادل فيما بينها على كل حرف. في منظمات السلام في اسرائيل يبدو أنهم أخذوا هذا الميل خطوة واحدة اخرى الى الامام. على الورق معسكر السلام السياسي اصغر من أي وقت مضى، ولكن عدد المنظمات فيه لا ينتهي.
اما الان فيصبح هذا الانشقاق سخيفا على نحو خاص، قبيل الذكرى الـ 19 لاغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين. فمتى سينعقد المهرجان المركزي في ميدان رابين؟ وبالفعل، ثمة على هذا خلاف. في منتهى السبت القادم، 1 تشرين الثاني، سينعقد مهرجان السلام الذي تقوده منظمة «اسرائيل تبادر» للابن يوفال رابين بتعاون من جمعية «الرابع من تشرين الثاني». وستشارك فيه منظمات مثل «السلام الان»، «مبادرة جنيف»، «كتلة السلام»، «توجد حدود»، «يوجد قانون»، نساء يصنعن السلام»، «تحالف النساء للسلام»، «مستقبل أزرق – أبيض»، «مدينة شعبين»، «ابنة سلام»، «منتدى منظمات السلام»، «تحالف منظمات السلام». وهذه قائمة جزئية فقط، أليس كذلك؟.
بعد نحو اسبوع، في منتهى السبت 8 تشرين الثاني، سيعقد في نفس المكان مهرجان آخر، هو الاخر لذكرى اسحق رابين، وتنظمه حركات الشبيبة. وستشارك فيها حركة الكشافة «درور اسرائيل»، «ابني عكيفا»، «معسكرات المهاجرين»، «الشبيبة العاملة والمتعلمة»، حركة «ثقافة»، «الكيبوتس الديني»، «الشكر والعمل» ومجلس حركة الشبيبة الصهيونية. وهذه أيضا قائمة جزئية فقط. شقيقة يوفال رابين من المهرجان السابق، داليا رابين فيلسوف، ستشارك مع ابنائها نوعا روتمن ويونتان بن آرتسي في المهرجانين.
«الانشقاق قائم لان قسما من معسكر السلام استقال عمليا وقرر الحديث عن امور اخرى»، يقول اوري افنيري، من نشطاء السلام الاقدم، الذي سيشارك في المهرجان الاول. «هذا ظهر في المظاهرة في ذكرى رابين في عام 2011، عندما تحدثوا عن كل شيء باستثناء السلام. ثمة في هذا المعسكر هبوط في المعنويات. استسلام لليمين ويأس عام. في نظري لا صلة لهذا بما يحصل في العالم العربي، خلف الحدود. التطورات هي داخل اسرائيل نفسها. يوجد انعدام وسيلة لدى اليسار وميل لاجزاء كبيرة من الجمهور الذي كان ذات مرة يسارا، الاستمتاح بالحياة والاستقالة من الكفاح في سبيل الدولة. الادمان على الحاضر دون التفكير في المستقبل. هكذا رفعت اجزاء كبيرة من اليسار الايدي واصبحت ليكود ب او ليكود ج».

من يقود المركبة غير الموجودة

أحد اسباب الانشقاق، وان لم يكن المركزي، هو المال. قد لا يكون للاسرائيلي العادي اهتمام حقيقي هذه الايام بمحادثات السلام أو بمصير المفاوضات، ولكن في ارجاء العالم لا يزال السلام كلمة سحرية لتجنيد الاموال. «في نهاية المطاف حقيقة أنه يوجد هذا العدد الكبير من المنظمات – هي دليل على انهم جندوا ما يكفي من المال لغرض العمل»، يقول مسؤول كبير في احدى منظمات السلام. «لا أعتقد أن هذا بالضرورة سيء فقط، ولكن كان من الافضل لو كانت منظمتان أو ثلاث منظمات تجمع تحتها كل النشاط. ولاسفل يبدو ان هذا معتذر، لانه توجد الكثير من حروب الكبرياء بين المنظمات – يمكن أن نرى كيف أن كل واحدة تريد ان تقف على الرأس. في نظري يشبه الامر ابناء عائلة يتقاتلون من يقود المركبة وعمليا لا توجد مركبة ولا توجد امكانية لشراء مركبة كهذه في المدى المنظور».
هذا الانقسام الى مهرجانين هو مجرد عرض من أعراض مشكلة اعمق نشأت في معسكر اليسار، وبالاساس في اليسار السياسي، في اعقاب انهيار المفاوضات مع الفلسطينيين واليأس لدى الجمهور. وأحد مؤشرات هذا اليأس كان انقطاع رئيسة حزب العمل السابق، شيلي يحيموفيتش عن الموضوع السياسي في الايام ما قبل الانتخابات الاخيرة وتركيزها على المواضيع المدنية والاقتصادية.
ولكن حتى اليأس لا يشرح هذا الانقسام، الذي ادى الى أنه يوجد اليوم في اسرائيل بضع عشرات من منظمات السلام. «منظمات مع عمود فقري ايديولوجي ومبرر جماهيري هي المنظمات التي تنجو على مدى السنين»، هكذا يتنفس الصعداء يريف اوفينهايمر، امين عام حركة السلام الان. منظمات اخرى تنشأ وتسقط، واحد لا يتذكر جودها. ولكن يجب أن نتذكر بان النشطاء في هذه المنظمات لا يفعلون ذلك من أجل القراء. فلا يمكن الثراء من النشاط في منظمات اليسار. انهم يفعلون ذلك من اجل الروح. وعليه فكل نشيط يريد بالضبط المنظمة التي تناسبه ويعمل في النشاط الذي هو مهم له. وهكذا تنشأ جوقة: لكل واحد توجد آلة – وهم يعزفون معا. منظمة ما تعنى بالحواجز في المناطق. اخرى تعنى بالمبادرات السياسية. ثالثا بالتعليم. رابعة بحقوق الانسان. خامسة تكشف شهادات الجنون، وغيرها وغيرها. وللجميع يوجد مكان».
أرئيل دلومي، مدير عام معهد النقب ومن مؤسسي «الشبكة الاقليمية» التي تحاول تحقيق مبادرات مدنية بين اسرائيل وجيرانها بالذات في ظل التعاون مع منظمات اخرى، تتفق معها. وهو يدعي بانه «لكل منظمة مجالات عمل مختلفة بعض الشيء، ونحن نكمل الواحد الاخر. الوضع بين منظمات السلام لا يختلف عن مجالات اخرى يوجد فيها متطوعون مع الكثير من النية الطيبة. خذ مثلا المنظمات التي تعنى بالتصدي للحصانة النفسية والصدمة الوطنية. هناك ما لا يقل عن خمس منظمات وائتلافات في المجال اياه ايضا».ومن جهة اخرى، تحت السطح يتدفق نهر عكر، يتضمن تشهيرات متبادلة لغير الاقتباس – كي لا يخرج سيئا في هذه القصة – ولا سيما في المنظمات الاصغر. كما ان الاقتراحات لتشكيل مثابة «مجلس السلام» ليكون اتحادا لكل المنظمات ويشكل وزنا مضادا لمجلس «يشع» للمستوطنين «لا تتحقق ولا تتجسد، ولا سيماب سبب عدم القدرة للوصول الى اتفاقات. «اذا ما نشأت هيئة كهذ فستبدأ على الفور مناكفات داخلية»، هكذا يقولون في منظمات السلام، «لان الحديث يدور عن اناس ذوي رأي، لكل واحد توجد نقاط التشديد الخاصة به والافكار الهامة له وسيحاول أن يحققها ويشدد عليها قبل الاخرين».
في مثل هذا الوضع، يحتمل جدا بانه حتى لو جاء في يوم من الايام مسيح السلام، فانه قد يتشوش ويفر لينجو بروحه من رهبة الحروب لتبنيه. «هذه ليست النهاية»، يقول محافظا اوري افنيري على التفاؤل، ويأمل بان لعله من داخل الانشقاق سينمو الامل، «ستنشأ قوى جديدة وستبدأ الكفاح من جديد».

خطوة مغلوطة

في الانشقاق بين المهرجانين لذكرى رابين، قد تكون هناك حرب كبرياء بين المنظمات وقادتها، ولكن توجد ايضا على ما يبدو اسباب ايديولوجية. فأحد لا يعرف ما هو «ارث رابين»: في مهرجان 1 تشرين الثاني سيتحدثون عن «ارث رابين» تجاه الخارج: التطلع للسلام مع اعدائنا وجيراننا، والدعوة الى الاستئناف الفوري للمسيرة السياسية. وبالمقابل، بعد نحو اسبوع، في ذات الميدان الذي يحمل اسمه، سيتحدثون عن «ارث رابين» في موضوع المجتمع الديمقراطي بلا عنصرية، والذي يحل الخلافات بالوسائل غير العنيفة. وان شئتم، الارث تجاه الداخل.
في بداية الشهر توجه يوفال رابين برسالة مروسة من جمعية «اسرائيل تبادر» الى روعي يسود، امين عام حركة الشبيبة العاملة والمتعلمة. «لو كان ممكنا، بالطبع ان نقيم مهرجانا واحدا مشتركا، ولكني بالتأكيد أتفهم المنطق الذي في ابتعادكم عن قول واضح في صالح تسوية سياسية كي تتمكنوا من أن تجلبوا الى الميدان شبابا من طيف سياسي واسع»، كتب يقول. «بودي أن اوضح باني لا ارى في ذلك مانع. لو كان بوسعي لجئت الى مهرجانكم، ولكني لن استطيع ذلك بالتزامات مسبقة».
يسود، منسق الشبيبة العاملة والمتعلمة، رد على يوفال رابين فقال: «أنا اتماثل مع موقفك في أنه يوجد مجال لمهرجانين ذوي تشديد على مضامين وجماهير مختلفة. هناك مجال لاحياء الاغتيال المنكر في أوساط جماعات عديدة قدر الامكان. نحن سندعو مشاركينا للوصول ايضا الى مهرجان 1 تشرين الثاني. اشكرك اذا ما دعوت ايضا الجمهور للوصول الى مهرجان 8 تشرين الثاني».
وعدا عن المهرجانين، ستعقد مناسبات رسمية في ذكرى اسحق رابين: الاحتفال المركزي «شمعة اسحق» الذي ينظم بالتعاون مع مركز اسحق رابين في مقر الرئيس في القدس، احتفال في الكنيست، احتفال في الحكومة واحياء رسمي للذكرى في جبل هرتسل. كل واحد سيتم حسب قواعد منفصلة وتقاليد تبلورت على مدى الـ 19 سنة التي مرت منذ الاغتيال.
احدى المنظمات التي ستشارك في مهرجان السلام هي «مبادرة جنيف». ويقول غادي بلتيانسكي، مدير عام المبادرة ان «استبعاد السلام عن ارث رابين هو امر اشكالي. رابين كان رجلا واحدا، ارثه واحد، وهو يتضمن ايضا المسيرة السلمية انطلاقا من النية للوصول الى اتفاق مع جيراننا».
ينيف سغي هو الاخر، مدير عام حلقة بحث «جفعات حبيبا» احدى المنظمات المشاركة في المهرجان الاول يعتقد ان ليس صحيحا عقد مهرجانين. «لا يمكن قطع اغتيال رابين عن محاولته تحقيق السلام. توجد هنا رغبة في ان يجلب الى المهرجان الثاني جمهور يميني وكذا حركات متماثلة مع اليمين – ولكن هذه على اي حال لا تأتي الى الميدان. وهذا يلحق ضررا من خلال تقسيم ارث رابين الى مهرجانين. هذه خطوة مضللة، وموقف غير صحيح من اغتيال رئيس الوزراء في اسرائيل الذي اراد صنع السلام».
من فوق كل هذه القصة يحوم السؤال: اذا كانت منظمات السلام لا تنجح في تحقيق السلام فيما بينها، فكيف ستحقق السلام بيننا وبين العرب؟

يديعوت 28/10/201

موشيه رونين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية