تسفي برئيل
لنفترض أن تنشأ لجنة تحقيق برلمانية، تنبش في أوراق منظمات حقوق الانسان للتعرف على هوية المتبرعين لها، وهذا عمل من حق مسجل الجمعيات فعله في كل لحظة أصلا ولنفترض أن تكشف عن أن بعضها حصل زمنا ما على تبرعات لا بأس بها من حماس وحزب الله وايران و’المسار البرّاق’. فماذا يكون معنى ذلك؟ أي مخالفة بالضبط يمكن محاكمتها عنها؟ إن الجمعيات في اسرائيل غير مقيدة في كل ما يتعلق بمصدر تلقي التبرعات. عليها أن تُدير كتبا وأن تُبلغ عن كل تبرع من ‘كيان سياسي اجنبي’ يزيد على 20 ألف دولار، وأن تصرح بهدفها. يستطيع محمود احمدي نجاد من جهة قانونية أن يتبرع بمليون دولار لجمعية ‘دعوا الحيوانات تحيا’، من اجل بناء ملاجئ ذرية لقطط الشوارع. وتُحاكَم جمعية لاتصالها بدولة عدو، لكن لا لمجرد تلقي تبرع. وكان يمكن ايضا محاكمة الجمعية لو استعملت المال لأهداف لا يشتمل دستورها عليها مثل أن تقرر استعمال التبرع الايراني لشراء ارض في الضفة من اجل مستوطنين. هذه هي المفارقة في القانون الاسرائيلي.
لكن ليس الحفاظ على القانون هو الذي يهم الحرس الثوري الذي يشبه نظم الطغيان في الكنيست. لو أن زعران القانون كانوا يُشفقون حقا من ‘سيطرة معادية’ لدول وجهات اجنبية على الخطاب العام في اسرائيل، أو ممن يريدون نقش اسم اسرائيل السيئ في جدران العالم، لاستطاعوا تبني قانون الجمعيات المصري الذي يقضي بأنه ‘يجب عدم تلقي تبرعات من جهات اجنبية سواء كانت مصرية أم لا بغير موافقة الوزير المسؤول’. ومصر لا تسير في ضلال. كل هذا مريب ولا سيما اذا كان يريد تشجيع النضال عن حقوق المواطن، وكما في اسرائيل، كل جمعية لحقوق الانسان هي جهة معادية هدفها كله أن تبرهن على أن الدولة فاشلة. والقانون في الاردن أشد صرامة ويوجب على الجمعيات ان تحصل على موافقة من ‘الحكومة’ على تلقي تبرع اجنبي لا من الوزير المسؤول فقط.
لكن اسرائيل ليست الاردن أو مصر، ومن المؤكد انها ليست لبنان حيث لا توجد قاعدة تحريم الحصول على تبرعات اجنبية. انها اسوأ منها. لا يريد الكنيست أن يبدو مثل برلمانات في الدول العربية، لكنه لا يريد التخلي عن سلطة التصرف مثلها. يريد ان يعمل وكأنه يوجد قانون يعارض الحصول على تبرعات من الاجانب من غير أن يُجهد نفسه في سنّه وتحقير نفسه. يريد في الحاصل العام أن ‘يحقق’، أي أن يلصق ملصقة مُريب بتلك الجمعيات من غير أن يضطر الى التحاكم معها الى المحكمة. يريد أن يخلع سراويله على الملأ وأن يُجري تفتيشا لها ويُفرج عنها حتى التفتيش التالي. وتستطيع اللجنة الجليلة في تلك الاثناء ايضا ان تُرسل رسائل الى المتبرعين وأن تحذرهم أن الجمعية تلك التي يتبرعون لها طوال سنين تقع تحت التحقيق. انها مُريبة. ومن ذا يريد أن يتبرع لجمعية يتم التحقيق معها؟
والمتهمات كالمتوقع هي ‘المتهمات المُعتادة’: مركز حماية الفرد، ويوجد قانون، ومدينة الشعوب (عير عاميم)، و’في المكان’ (بماكوم)، واللجنة العامة لمعارضة التعذيب في اسرائيل، وعدالة، واللجنة الاسرائيلية لمقاومة هدم البيوت، واطباء من اجل حقوق الانسان، وغيشه، ومساواة، ورقابة الحواجز، ومركز المعلومات البديلة. فكلها كما تعلمون تُضر بسمعة اسرائيل الحسنة. كان القانون المصري يستطيع المساعدة هنا ايضا. فـ ‘المس بصورة مصر في العالم’ جناية في مصر حوكم عليها وجُرِّم عالم الاجتماع ونشيط حقوق الانسان البروفيسور سعد الدين ابراهيم. وتحمي قوانين مشابهة صور دول اخرى في المنطقة، وباعتبار الكنيست برلمان دولة أخذت تندمج جيدا في الشرق الاوسط فستُحسن الصنع اذا تبنت ايضا هذا القانون وطبقته على جميع مواطني الدولة، لأن مواطنين أفرادا لا جمعيات فقط يستطيعون هدم صورة اسرائيل النقية.
ويمكن محاولة حل بسيط آخر وهو أن يسن الكنيست قانون تمويل الجمعيات الذي يمول كامل نشاطاتها ويُحرم الحصول على أي تبرع من جهة اجنبية. وبه يراقب الكنيست انفاق الاموال ويحدد أهداف الجمعيات. تنفق الحكومة على ‘لتيت’ وعلى ‘اطباء بلا حدود’ وتكتب الشيكات لعدالة. تكون كلها مكبلة بقيودها وتستطيع وحدها أن تُملي مضمون وتكوين المجتمع المدني في اسرائيل. أهذا حل داحض؟ أهو غير ديمقراطي؟ لكن هذا الكنيست قد اختص بذلك.
هآرتس 9/1/2011