احتفى المنجز الشعري (الحرف والغراب) للشاعر العراقي المغترب أديب كمال الدين الصادر عن منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون،لبنان 2013 ـ بمجموعة قصائد ذات مضامين متنوعة،تم اختيار عينة منها لاجل الوقوف على البعد البنائي للنص في ضوء قراءة تاؤيلية ..
ابتدأ أديب كمال الدين ديوانه بقصيدة (الغراب والحمامة ) والتي جاء عنوانها من حيث انتهى العنوان الرئيس للمجموعة (الحرف والغراب) وهذا يجعل القارئ يتساءل حول ترتيب القصائد بهذا الشكل فكان من المفترض منطقيا ان يضع قصيدة (قال الحرف: ما معنى النقطة) في بداية المجموعة الا ان ما يبدو من هذه المخالفة هو هدم للتسلسل المنطقي كي يعي القارئ بدءاً ان المجموعة تخضع لعنصر المفاجأة،وتشظية التصورات الاولية كي تصنع فضاء فوضويا لكل ما يقدم عليه القارئ …
حين طارَ الغرابُ ولم يرجعْ
صرخَ الناسُ وسط سفينة نوح مرعوبين.
بدأ الشاعر قصيدته (الغراب والحمامة) بهذا المقطع وهو يكرس مفهوم الزمن للدلالة على وجود ترابط بين الاحداث ،وكأن الاجراء والفعل لا ينتج الا عن فعل مقارب له في الزمن/ حين طار الغراب/ صرخ الناس/ بالاضافة الى ان التفاعل يتم بتعاقب وتوالي وليس بانبثاق عرضي كي يدخل الشاعر العنصر التاريخي في انتاج النص /حين عادت الحمامة/صرخ الناس/، كما وانه يؤثث فكرة الفهم الكلي بجعلها تنفتح على عالم الاشخاص الفرديين ،حيث يصيّره انتقال واعادة معايشة للعالم كما يجده شخص اخر في الخبرة المعاشة نفسها ] ينظر: فهم الفهم،مدخل الى الهرمنيوطيقا،د عادل مصطفى، دار رؤية ص143[ حيث يقول :
وحدي وقد كنتُ طفلاً صغيراً-
رأيتُ جناحَ الغراب،
أعني رأيتُ سوادَ الجناح،
تفترض القراءة ان ديوان (الحرف والغراب) لأديب كمال الدين يشتمل على عنصرين رئيسين (الرؤية، والاجراء) و تكرس هذان العنصران جراء تجربة الشاعر الطويلة، تمثل العنصر الاول بين قراءاته و تأمله، والاخر جرّاء تزاحم واحتدام خارجي تتجلى انعكاساته المحزنة والمفرحة على حد سواء في افق الذات الشاعرة ،ما دعا أديب كمال الدين ان يتحرك شعرياً ازاء بناء نص تتراكم فيه الوحدات القيمية على انها امثول لفعل خارجي هادف تارة وعبثي تارة اخرى
ضميرُنا المُستتر،
ضميرُنا السكرانُ ليلَ نهار،
ضميرُنا الذي يصحو
كي يواصلَ فوراً سكرَه وشتائمه
وفكاهاته التي تشبهُ طيوراً ميّتة،
حتّى ينام في آخر الليل
سعيداً كيتيمٍ طُرِدَ من الملجأ
مفترشاً الرصيفَ أو الحديقةَ العامّة،
وقنينةُ الخمرةِ قربَ رأسه
تحرسُه بشخيرِها العميقِ من الكوابيس
في الوقت الذي ينطوي النص على بناء فكري فوضوي اقرب منه الى بناء منطقي متراتب حيث اديب كمال الدين نأى بقصائده عن النمط التراتيبي التقليدي للافكار والرؤى وسعى الى خلق مسافات متناقضة ومتباينة في النص،
ينتظرُ حبلَ الموت
كي يلتفَّ على الرقبة،
بهَلْوَسَته الحكيمةِ وبحكمته المُهَلْوِسة،
قَتَلني رمياً بالرصاص
وأنا في سنِّ العشرين!
كما ان صياغة الاحداث تتم بسرعة تتناسب ومجريات الواقع الخارجي المزدحم بتتابع الاحداث واندماجها، وكذلك عمل الشاعر على تبئية الثقافة المغايرة بادراج النصوص التي تحمل سمة الخروج عن السائد الاخلاقي والديني والثقافي في سياق يلغي الفهوم والاسقاطات الاولية فتتحول الى رؤية او مُثل فاقدة للاجراء وبالتالي لا تعدو كونها افكارا كلية تنساب مع واقعيات متنوعة ومختلفة وباجرائها يتحدد قبولها او رفضها مقاربة مع الانتظام واللاانتظام او الالتزام واللالتزام ،
ستحكين الحكاياتِ – ما أجملها!-
إلى شهريار المحدّقِ في شفتيّكِ مدهوشاً.
ستدّعين أنَّ حروباً عظيمةً نشبتْ،
وسفناً محمّلةً بالذهب
غرقتْ في أعالي البحار،
وملوكاً صُلِبوا ثُمَّ قاموا من الصلب،
وشطّاراً حكموا أزقّةَ بغداد،
وعشّاقاً جنّوا من العشقِ والحبّ،
ونساءً مارسنَ السحرَ والجنس
وبذا يسعى أديب كمال الدين نحو ايجاد ثابت نصي مقارنة بالمتغير الاجرائي الذي حدا به الى منطقة التلقي والقراءة كي يشتغل القارئ على تقطيع وتقسيم الانبساط الحاصل في المعنى ويجعله ماثلاً بصورة جزئية غير قارة تتبدل وتتحول مع كل فعل قرائي جديد بالاضافة الى انه يترك في النص امكانية مقاربة ما ينجز مع ما يعيشه الشاعر نفسه ،وعلى هذا يمكن ان نصف نص اديب كمال الدين على انه يتموقع بين مستويين من الرؤية التأويلية، اولها تعمد على تجاوز حرفية الواقع الخارجي وشخصنة المعنى الى حيث المحاكاة بنمط كلي عام لا يشير الى المؤلف على الاطلاق بل الى الحياة ذاتها بكل ما تتصف به من تاريخية وزمانية ] ينظر: فهم الفهم،مدخل الى الهرمنيوطيقا،د عادل مصطفى، دار رؤية ص140[ ، وثمة رؤية مغايرة تستند في تخومها على نزعة سيكلوجية تجعل من المؤلف جزءاً رئيساً في عملية الفهم والتاويل، فبين هاتين الرؤيتين يتجاذب نص اديب كمال الدين، فلا يغادر تجربته المعاشة مطلقا ولا يعمد الى انحباس النص داخل تلك التجربة، وهذا التواشج بين الرؤيتين يتشكل عبر القدرة الكتابية للشاعر وامكانيته في خلق سياق مغاير يتحول التناص عنده الى انتاجية جديدة
سيزوركَ هذا الصديقُ كاللصّ
في آخر الليلِ والبرد
وهو يحملُ موتاً خَفيّاً بين أضلاعه.
ستقولُ له كلَّ نون
وستسحرُه بالحروفِ وأسرارها
وستدهشُه بكهيعص ويس وطسم وألم.
ستنتابُه الحيرةُ وقتاً طويلاً
وسيذكرُ في لحظةِ صدقٍ أثيرة
أنّه قد رأى ذاتَ يومٍ سفينةَ نوح،
من جانب اخر تجد الشاعر يضمن التناص في شعره أدوات التشبيه والتي لا تقتصر وظيفتها على المستوى النحوي والبلاغي في التقريب او المماثلة بل تعمد الى تحويل وفصل النص عن مرجعياته الأم ..
سيبكي عليكَ، إذنْ، أخوتُك:
أخوةُ يوسف
مثلما سيبكي الشيخُ الكبير
والمرأةُ التي جُنّتْ بحبّك
والنساءُ اللواتي قطّعنَ أيدهنّ.
حتّى الذئب سيبكي عليك!
*كاتب من العراق