كان هذا أسبوعاً مجنوناً حتى بتعابير الأخبار التاريخية لإسرائيل. أسبوع بدأ مع هدوء في غزة، واستمر في عملية كان بينها وبين الخلل الاستراتيجي خطوة واحدة، وتدحرج إلى تبادل للضربات توقف خطفاً في صالح هدوء متجدد وأدى إلى استقالة وزير الدفاع، وربما إلى تقديم موعد الانتخابات للكنيست.
الرابح الأساس من هذا الأسبوع هو بلا شك حماس. فبخلاف الإحساس الغريزي لكل إسرائيل، فقد تلقت حماس ضربات أكثر مما أوقعت من ضربات. وكما هو الحال، من الأفضل للمرء أن يكون في غلاف غزة المتعرضة للاعتداء من أن يكون في غزة المتعرضة للقصف. ولكن ما منحته جولة القتال للمنظمة هو أسبوع من المجد هو الأبرز مما كان لها منذ زمن بعيد. مشكوك أن يكون هذا من حيث الوضع الاقتصادي في غزة يعطيها هواء للتنفس، ولكن في الشرق الأوسط فإن للصورة أهمية أيضاً. وفي المعركة على الصورة انتصرت حماس. وليس صدفة أن نشرت حماس في وسائل إعلامها شعاراً بالعبرية جاء فيه «الكورنت انتصر على الكابنت». إن الإنجاز الأكثر أهمية لحماس هو استقالة ليبرمان. فالمدة الزمنية القصيرة بين وقف القتال ومغادرته وزارة الدفاع لم تترك مجالاً للشك حول الصلة بين الفعل (وفي هذه الحالة غياب الفعل) والنتيجة. على أي حال، فإن ليبرمان نفسه ربط استقالته بالسياسة في القطاع ـ السياسة التي كان شريكاً لها حتى وقت أخير مضى.
ليس واضحاً متى انقلب ليبرمان. فهل حصل هذا بسبب استطلاعات قرأها أم أن ليبرمانه انقلب عليه. سبعة أشهر ونصف استمرت الفوضى في غزة. وفي معظم الوقت كان وزير الدفاع هو المحامي الأكبر للسياسة الإسرائيلية العاقلة والمعتدلة. فقد شرح لكل سامعيه لماذا يحظر الجنون والانجرار إلى معركة لن تعطي شيئاً، ولمإذا يجب الحفاظ على جنوب هادئ لتركيز الاهتمام على الشمال.
في الأسابيع الأخيرة، غير وزير الدفاع المنصرف نبرته. فلم يبدأ فقط في تأييد رد أكثر حدة بل وسوق آراءه بوحشية. فالمعارك مع نفتالي بينيت على من هو أقوى حيال حماس كانت دليلاً واحداً فقط على التغيير. كما أن بياناته عن أنه لم يؤيد القرارات التي اتخذت في الكابنت أوضحت بأنه أصبح مناكفاً لرئيس الوزراء ولسياسة الحكومة.
وزير الدفاع لا يمكنه أن يوجد في مثل هذه الوضعية لزمن طويل. فالكل حوله مدربون على شم الدماء. العسكريون فهموا بأنه لم يعد ذا صلة وعملوا مع رئيس الوزراء. الوزراء شعروا بأنه هش، وهاجموه في وسائل الإعلام. أما هو فشعر بأنه يفقد السيطرة بسرعة، ومثلما في الكازينو قرر الانسحاب منعاً للخسائر.
مشكوك في أن يكون ليبرمان فهم حجم الهدية التي منحها لحماس. حزب الله بعث إلى بيته وزير دفاع ورئيس أركان في حرب لبنان الثانية. ولكن هذا حصل بعد 35 يوماً من القتال و 144 قتيلاً. وليس فوراً. أما هذه المرة فقد حصل هذا بعد أقل من يومين وقتيلين، واحد هو ضابط في عملية بادر إليها الجيش والثاني فلسطيني قتل بصاروخ في عسقلان.
في النهاية… المال يتكلم
العملية التي قتل فيها المقدم م. كانت الإنجاز الثاني لحماس هذا الأسبوع. كان يمكن لهذا أن يكون أسوأ بكثير. مع عدد أعلى من القتلى أو المخطوفين، منع بفضل يقظة القوة التي أنقذت نفسها بجسارة استثنائية ـ ولا يزال، فإنها عملية سرية انكشفت، وفي نهايتها قتيل وجريح، لا يمكن أن تعتبر نجاحاً. صحيح أن حماس فقدت قائد كتيبة وضابطين آخرين، ولكنها أوقعت بالجيش الإسرائيلي إخفاقاً لاذعاً، وتلقت بالأساس الشرعية للعربدة لأن إسرائيل هي التي خرقت الهدوء الذي تحقق قبل يومين فقط بكد شديد. حقيقة أن حماس اختارت العربدة جزئياً تشهد بأنها لا تريد حربًا شاملًا. صحيح أنها أطلقت النار بجنون من ناحية الكمية ـ نحو 500 صاروخ في يومين ـ ولكنها حرصت على أن لا تخرج عن حدود الغلاف. وحتى الصاروخ على باص الجنود (إنجاز آخر لحماس) كان محسوباً جداً. فتحليل الحدث في الجيش يفيد بأن المنظمة اختارت عن قصد إطلاق صاروخ الكورنيت بعد أن نزل الجنود منه وامتنعت عن إطلاق مزيد من الصواريخ على مركبات أخرى في القافلة، وذلك بهدف نقل رسالة دون إلحاق عدد كبير من الإصابات يؤدي إلى رد إسرائيلي قاسٍ.
الضرر الذي لحق بها أكبر بكثير من 15 مليون دولار تلقتها قبل أيام من ذلك
بالمقابل، هاجم الجيش الإسرائيلي نحو 150 هدفاً في القطاع، بينها أربعة أهداف نوعية بالنسبة لحماس (بما في ذلك تدمير ارشيفات تجمعت فيها معلومات اسخبارية وعملياتية كثيرة). صحيح أن الجيش امتنع عن قتل الكثير من الفلسطينيين كي لا يعطي مبرراً لحماس لتوسيع القتال، ولكن الضرر الذي لحق بالمنظمة أكبر بكثير من الـ 15 مليون دولار التي حصلت عليها قبل بضعة أيام من ذلك فقط لصالح أحياء نسيج الحياة في غزة.
موضوع المال أقلق حماس كثيراً. ففي نظر الكثير من الفلسطينيين، اعتبرت وكأن المال اشتري بسعر بخس. صور الحقائب وفيها المال النقدي، والتي وصلت من قطر لعبت دور النجم في وسائل الإعلام العربية. وكانت الرسالة أن اليهود يتحكمون بالمنظمة بواسطة المال العربي. وجاء القتال ليسمح لقيادة حماس بشطب هذه المشاعر واستعادتها بعض المجد لمقاتلي التحرير. ولكن درءاً للخطأ، فإن هذا لن يستمر طويلاً. ففي الشهر القادم ستيعين عليهم في غزة أن يدفعوا الرواتب.
العودة إلى اختبار الجدار
الأبطال الحقيقيون هم سكان الجنوب. فقد كانت لهم 14 سنة من اللظى حتى حملة الجرف الصامد التي حققت لهم 44 شهراً من الهدوء المبارك الذي سمح لهم بالازدهار والتفتح. كان يكفي أن نرى زخم البناء في سديروت أو الطلب المتزايد على السكن في الكيبوتسات كي نفهم بأن شيئاً جيداً يحصل في الغلاف.
كل هذا تشوش في نهاية آذار عندما بدأت التظاهرات الأسبوعية ومعها البالونات والحرائق وجولات القتال التي أعادت الصافرات. وعادت الحياة في الغلاف إلى أن تكون متلظية وإن لم يكن كل شيء محروقاً، ولكن من الصعب تربية الأطفال وخوض حياة عادية عندما لا تكون لديك أي فكرة عندما يحصل هذا مرة أخرى. أدارت إسرائيل حيال كل هذا سياسة محسوبة. وسيقول المعارضون سياسة مترددة. وكان الفهم أن خيراً لن يأتي من حملة أخرى من غزة، وستنتهي في أفضل الأحوال مثل سابقتها بتعادل حامض، وفي أسوأ الأحوال بشكل أسوأ. وحتى الوزراء الذين تحدثوا في وسائل الإعلام عن الحسم لم يؤيدوا ذلك في المداولات الداخلية، لمعرفتهم ثمن العملية الواسعة في القطاع. واتفق الوزراء على أن الوضع القائم هو أهون الشرور: إدارة محسوبة للنزاعات.
هناك منطق في خط عمل كهذا إذا كان يترافق وتفكيراً استراتيجياً واسعاً. وكانت الفكرة هي الدخول إلى خطوة واسعة تؤدي إلى عملية إعادة تأهيل عميقة للقطاع يرافقها الهدوء. يمكن عمل ذلك مع حماس، مع أبو مازن، مع المصريين والعالم أو بتداخل من عدة أطراف. أما حكومة إسرائيل فاختارت ألا تفعل، وفضلت إدارة أزمة متواصلة لعلمها بأنها ستواصل انشغالها بإطفاء الحرائق التي تتسع في كل مرة.
ولا يزال التحدي حتى اليوم. فحماس لن توقف المتظاهرين والجيش لن يقتل الكثير منهم خشية أن تستأنف النار.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 16/11/2018