الحرمَانُ من المعْني
برنار نويـلترجمة محمد بنيسالحرمَانُ من المعْنيعياءٌ وتمرّدٌ، في الحقيقة سعار ضد العـياء عندما التمرّدُ يتعب. لقد وجدت السلطة الوسيلة الخفية لأن تحتلّ فينا أمكنة الدفاع بل وحتي أن نستنفد طاقتنا. ضعفٌ يأتي بدون مبرر، ولا يصبح مدركاً، علي نحو مفاجئ، إلا بالصدفة. عندها نخمن أن الحلم القديم المتسبـدّ آخذ في التحقق: حلم بالإخضاع دونما ضغط ظاهر ينتج عنه مفعول هجران. لكن لأيّ اكتساح استسلمنا حتي وصلنا إلي ما نحن عليه؟ لقد كان سبق لي منذ مدة طويلة، حتي أشرح هذه الظاهرة، أن صنعتُ كلمة “الرقابة علي المعني” من أجل التعبير عن الحرمان من المعني. ولا شك أن هذا الفقدان للمعني كان يؤدي إلي فقدان خطير يكفي للإخضاع دون أن يجعله قاراً إلي هذا الحد. كان أوْشكَ علي أن يخلق له فضاء مناسباً. إلا إذا كان اتساع الحرمان من المعني لا يفضي إلي غباوة بقدر ما هي مؤثرة لم تعد، بالنسبة لضحاياها، سوي عادة مرتبطة بشكل من الاستهلاك الذي أصبح طبيعيا. وقد يكون لهذا الحرمان علي المعني التأثير ذاته الذي لها عليه المخدراتُ وهي تغزو قدراتنا العقلية، وباستثناء ذلك لا أحد يتخيل القيام بالمقارنة ما دامت غير لائقة.. إن المشكل هو أننا لم نعد ندري كيف نعرّف بدقة أسباب الخسائر التي لا نفطن بها كما هي عليه لدرجة أن هذا اللا إدراك جزءٌ من خصائص الخسائر.إن العامل الأساسي اليوم في الحرمان من المعني هو التلفزيون. إنه العامل المباشر من خلال العدد الضخم من المتفرجين الذين تنتـفع التلفزة بهم، وهي تنتفع أيضاً بالسلوكات التي تحرّض عليها في السياسة والاقتصاد والترفيه. جمهورها المتفرج ضخم لأن التفرج لا يتطلب مجهودا آخر غير أن يجلس المرء أمام جهازه، ثم أن يشاهد، وينصت. لم توجد قط من قبل في التاريخ وسيلة للإعلام أو الثقافة تمنح بسهولة نفسها للاستهلاك. هذه السهولة بطبيعة الحال دالة في حدود أنها انبثقت بالتعارض مع القانون الأخلاقي البسيط الذي ينص علي أن لا شيء يمكن الحصول عليه بدون بذل مجهود. منذ ذاك، أصبح المشاهدُ، في كل وقت وبدون بذل أي مجهود، يحصل علي الأخبار والتسليات والأشرطة الوثائقية. لا يحتاج المرء للحصول علي ذلك لأكثر من أن يكون في وضعية سلبية ويترك نفسه تمتلئ بما يشاهد. كل شيء يُقـدَّم له في شكل استعراض للصور الناطقة، التي تتوالي في فضائه الذهني بقدر ما تتوالي أمام عينيه بسبب أن الفضاء البصري والفضاء الذهني مترابطان علي نحو دائم. يمكن لنا أن نستنتج بشكل معقول تماما أن هذا “الترابط” لن يكون بوسعه أن يكون محايـداً وأن نفـاذ الصور المعروضة، يوما بعد يوم، من خلال العينين، يستتبع كسل الشخص في أن يكوّن بنفسه تمثلات ذهنية شخصية، ومن ثمّ أن يكوّنَ بنفسه المعني.فالصور التلفزية هي من جهة أخري صورٌ لها في الغالب قالب موحّد، في جميع الميادين. وهي من ثم تدعـو إلي تكوين نظام للتمثل علي غرارها. من هنا مصدر إنهاك الأصالة بنوع من المتخيل يحظي بالقبول من طرف الجميع ومركّب لدي الكل من العناصر نفسها التي تنشئها مشاهدة البرامج نفسها. لربما كان من حسن السلوك أن يجد المرء هذا النوع من التحليل مبالغا فيه، لكن مدير القناة الفرنسية الأولي أبرز مؤخرا أنه تحليل معتدل وهو يُطمْئن (سأعود إلي ذلك) أن مهمته هي “أن يصنع أدمغة جاهزة” وبالتالي مفتوحة بالأساس علي إغراءات الإشهار.من الأفضل معرفة أن الحرمان من المعني مصمّم بطريقة وقحة. ذلك ما يجنبنا من واجب البرهنة عليه ويسمح بالتساؤل عن فقدان هو، فيما وراء المعني، يتعلق بالحيوية. يبدو من الطبيعي أن استخدام الفكر يمكن أن يُتهَم من خلال استعراض صور غير دالة تحل نفسها محل حركتها الطبيعية، لكن مفعول الغباوة الذي يسببه هذا الإحلال يذهب إلي ما هو أبعد. فهل الوقت الذي ينقضي في فعل شيء يؤدي إلي أن نرتهن قسطا مساويا له من حياتنا؟ ألأن القسط ، تبعا لذلك، من حياتنا التي تنقضي في عدم الممانعة من الاحتلال من طرف اللادلالة هو في نهاية التحليل إهدار قاتل؟ هنا يتفاقم الإحساس بأننا لا نمس الفضاء الذهني بدون أن نمس الجسد. وبأن الجسد في هذه المسألة مصاب علي نحو خطير.لا شك أن الحديث لم يكن من قبل ممكناً إلا عن “الزمن الضائع” بخصوص الوقت الذي يتم قضاؤه أمام شاشة التلفزة، لكن الزمن الضائع، عندما يصبح عادة يومية، يغير بالفعل الطبيعة البشرية. تقول الإحصائيات إن الفرنسيين لربما كانوا يقضون في المعدل ربع حياة يقظتهم أمام التلفزة. وأن نخص قسماً كهذا باللادلالة لا يمكن أن يكون من دون خسائر بالنسبة للمعني ما دام النشاط الذهني الذي يتوقف عليه المعني قد تم تعويضه بتوالي صور، هو معالجة باللاواقعية والامتثال. هذه اللاواقعية كاسحة لأنها لا تتوقف عند الفرجة التي تقع مشاهدتها في حميمية. فهي شيئا فشيئا تجعل المحيط علي نمطها لأن عليه أن يشبه الصور إن هو أراد أن يُقـنع ( عندما يتعلق الأمر بالعالم السياسي)، إن هو أراد أن ينال الإعجاب (عندما يتعلق الأمر بالمنتوجات والأشياء)، إن هو أراد أن يغري ( عندما يتعلق الأمر بالعلاقات). كل ذلك يحصل بفعل العدوي لأن الدعوة التي توجهها الصور تعود للانبهار وحده لا للتأمل. وهذه الصيرورة تتطابق مع صيرورة الاستهلاك، حيث مادة التغليف لها اعتبار أكبر مما يتم تغليفه من مواد، وبإمكان هذا التغليف أن يبقي كما هو ويبعث علي لذة رغبة جديدة شريطة أن يغير المظهر.إن المظهر، في لعبة الصور هذه، هو السلعة الأساسية : فهو يعمل علي شراء اللاشيء، لكنه يعمل أيضا علي الانخراط في اللاشيء من الفرجة السياسية أو من حب وضعيات عاطفبة أو جنسية شبقية. فالسعادة صورة والمستقبل نفسه صورة أخري. ثم الواقع بعد ذاك زائد. إنه ينسَي نفسه في النظرة التي نحملها عنه لأن النظرة تقتطع منه تشابها يكفينا. علي هذا النحو تكون معاملة الجسد ولكن من الداخل ما دام داخله هو الصالح أولاً كفضاء للفرجة، وهو في الحقيقة قناة، بل ومصب أقل من كونه فضاء. تجري فيه الصور دون استيعاب. إنها غير مبالية بمن يستقبلها: تنفذ وتمر. ما يهم هو الحركة، وأن تكون الحركة عابرة. معناها ليس سوي جهة، سوي نموّ، هو في الوقت نفسه الذي يمحو ما يعمل علي نموه في الجسد الذي يتم التعامل معه كمجرد أنبوب للاستقبال والاستفراغ. والأنبوب له الدماغ كمنفذ: دماغ أصبح بالفعل جاهزا بواسطة الحركة ولا يحتفظ بشيء، سوي الرسائل التي يحشر فيها أصحاب الدعاية قليلا من المعني. هذا المعني بطبيعة الحال يدل علي العبودية: إنه لم يعد يهدف إلا إلي الإضاءة بدلاً من تغذية الفكر، هدفه الوحيد هو أن يجعل المرء يستهلك هذا أو ذاك، وهو نفسه لم يعد غير منتوج محشور في مادة للتغليف تسمي “الرياضة” أو “أنباء مختصرة”. لكن معني النشرات الإخبارية المتلفزة أو البرامج السياسية ليس أقل عبودية من معني الإشهار الذي يصلح لها كنموذج. وما عدا بعض الاستثناءات، لا يتعلق الأمر بالإخبار، بل فقط باستهلاك رؤية للأحداث يقع عليها الإجماع أو رؤية شخصية ما أو حزب أو حدث. وصيرورة الاستهلاك تقود جميع الخطابات فيما هو الاستهلاك يعمل علي تطويع التعليـم والثقافة. هذه الوضعية كارثية لأن المستهلك لا يعتبر كمواطن مسؤول عن اختياراته، ولا هو حتي مشتر معقول: ثمة اهتمام فقط بتنمية عبودية لديه تنزع الحصانة عن وعيه وعن مقاومته أمام منتوج أو فرد يحمل قناع صورة مغرية. لقد شرعت العبودية في الاستقرار فعلا عندما اختزلت الفرجة المتفرج إلي حالة من السلبية بدلا من أن تحثه علي المشاركة. فالمتفرج السلبي أنبوبٌ بدون مصفاة، لا يفكر ولا يهضم ما يسمح له أن يكون قادرا بدون كلل علي الامتصاص. هذا المتفرج الذي يقبل البلع بدون احتراس هو النموذج الكامل للمستهلك، الخاضع، حسب الملصقات الخسيسة المعلقة هذه الأيام، لـ”واجب الشراء”.من البديهي أننا لا نستطيع معاملة جسدك كمجرد عضو للامتصاص لدرجة يحسن معها أن نلقمك صورا من غير أن تحتقره. هذا الجسد المستغل دفعة واحدة في وجوده الجسدي وفي وجوده النفسي ليس إلا ثقبا عضويا مغروزا فيك بهدف التشويش علي الجسد الحي وتحويله إلي مستهلك خضوع لما يعملون علي أن يبلع. المستهلك بمعني ما مُعَهَّرٌ بمثل هذه الطريقة عندما يستهلك. سيبدو هذا الوصف كاريكاتوريا. ولكنه وصف لا يعمل إلا علي أن يبسّط الأمر حتي نضعه أمام ما هو بديهي. بل ثمة، من جهة أخري، ما هو أسوأ في هذه الوضعية إن نحن انتبهنا إلي أن الحرمان من المعني المتصل بالاستهلاك السلبي يؤدي إلي إطعام الفراغ عبرالأنابيب ثم استقـرار هذا الفراغ (هذا العدم) في مجموع المشاهدين.إن الاختراع العبقري للنظام الإعلامي هو أن يرضينا حتي التخمة بالمظهر، وبعبارة أخري أن يحتلنا باللاشيء. ويستتبع ذلك نجاح غريب إن نحن فكرنا أن جميع المجموعات البشرية كانت علي امتداد التاريخ تعثر علي معناها في تقاسم الأفكار القوية بما يكفي حتي يتحد كل فرد بهيئة اجتماعية (أو صوفية) مع الإحساس بأنه يكتمل فيها. والنموذج المثالي لذلك تقدمه الأديان، التي كان لها همّ تزويد المؤمنين بحياة روحية تضبطها شعائر تشبع رغبتهم في المعني. وفرضت الأنظمة الشمولية إيديولوجيات، كان بوسعها أن تعمل وفق طريقة الأديان وهي تشيد بتقاسم فكرة مشتركة. وخوف الإيديولوجية من أن تقود ممارسة الفكر إلي الاحتجاج جمّدها بسرعة في قالب ووهم مثبط للعزيمة. والنجاح الغريب للمجتمع الإعلامي يكمن في إنتاج فكر وحيد دون تقديم شيء للتفكير. أصبح ذلك ممكناً بفضل احتلال الفضاء الذهني باستعراض يقلـد حركة الفكر. إن إحداث التقاسم دون أن نعطي التقاسم غير الفراغ هو بدون شك العملية الأكثر مردودية لعهد الاقتصاد. وهي عملية لا تتوقف عن تجويد نفسها ما دامت تعمل الآن علي استئصال التباينات لصالح الآراء الثنائية، تلك التي لا تقبل إلا قول نعم أو لا.والثابت الأكبر في السلوك الإنساني هو الميل إلي العبودية. ففي جميع الأزمنة، كانت الأغلبية مقموعة من طرف أقلية، ولم يكن لها أن تكون كذلك إلا برضاها. تأكيدا أن هناك انتفاضات، وأحداثاً، وتمردات بل وحتي ثورات، لكن القمع كان دائما يعود. وكان بصفة عامة يعود عن طريق عنف المحررين الذين كانت سلطتهم المضادة تسترجع وسائل السلطة: من مؤسسات وجيش وشرطة، ومن كل ما كان يرمز بالضبط إلي الأشياء التي يجب ضربها لتغيير النظام الاجتماعي. عند ذاك أصبح مجتمعنا، وقد تحول إلي مجتمع إعلامي، يسمح بالحلم بسلطة لها أن تقرر التخلي عن العنف لأنه لم يعد لازما للهيمنة، دون أن تخسر السلطة شيئا من طبيعتها القمعية. لم يعد القمع بالقوة ضروريا لأي إخضاع ما دام يكفي احتلال العينين لأجل شغل الرأس ومعه مكان الاحتجاح المحتمل. كانت الأنظمة القديمة تبذل كل عناء في المنع والرقابة والمراقبة دون أن تنجح في أن تتحكم في مكان التفكير، الذي كان دائما يعمل بهدوء ضدها. ويستطيع النظام الحالي أن يحتل مكان هذا التفكير دون أن يغامر بأي قدر ضئيل من الضغط. إذ يكفيه أن يترك الحرمان من المعني ساري المفعول. فالإنسان، عندما يحرم من المعني، ينزلق بطبيعة الحال نحو القبول بالعبودية.ووسائل المقاومة تابعة لأن علي المرء، من أجل المقاومة، أن يعرف بنفسه أنه معذب أو ضحية، ولأن من الصعب تنمية هذا الوعي عندما نكون نحن القامعين لذواتنا. ليس ثمة من شخص آخر غيرك يمكنه أن يكون فاعلا في الحرمان من المعني. وهذه وضعية تجعل من الصعب الوعي بمقدار الخسارات. حينا، نشتكي من الزمن الطويل الذي نقضيه أمام شاشة التلفزة، وحينا نسخر من غباوة برنامج ونحن نتحمله، وحينا نتباهي بالرفض المتحذلق، لكن كل هذه التحفظات نادرا ما تذهب أبعد من ذلك وهي بالأخص لا تتبصر المشكل الحقيقي، أي الاحتلال القمعي عن طريق تدفق الصور. والأسوأ هو أن برنامجاً حسناً يحتل الفضاء الذهني بالطريقة نفسها التي يحتله بها برنامج سيئ.إن مجتمع المتفرجين هو أيضا مجتمع ذو سرعتين، ونحن نري جيدا أن التنافس بين القنوات وهمَّ الحصول علي المتفرجين لا يقرر في اتجاه الجودة. الهمُّ الوحيد هو الإغراء علي أوسع نطاق حتي يثمن متفرج محتمل إلي أقصي حد دقيقة الإشهار. هذه “الغاية القصوي” تتطلب أن يعامل المتفرج، لا كمستمع أو كزبون كما قد يبدو عاديا، ولكن بنيّة أن يكون مطيعا للرسائل الإشهارية أو سواها. إنه الهدف الذي تقترحه علي نحو صريح القناة الأكثر شعـبية، وذلك يعني أن جمهورها، الذي يمثل ما يقرب من نصف مشاهدي التلفزة الفرنسيين، سيكون مخدوعا بمصالحه فيما هو سيعتقد أنه يلهو أو يستقي الأخبار.هذا التحويل، الذي يمر عبر عملية تزوير، يصلح لجمع متفرجين بهدف بيعهم علي نحو السرعة للمعلنين عن الإشهار. فالجمهور قطيع ونحن نقطع رؤوسه لكي نعرف ما عدده حتي يباع لنخّاس الإشهار. وقد عبّر السيد باتريك لُولايْ، الرئيس المدير العام للقناة التلفزية الأولي، بهذا الشأن، بطريقة وقحة يرجع لها الفضل في أنها تطرح الأشياء في النهاية بكل وضوح: ” حرفة القناة التلفزية الأولي، هي أن تساعد كوكاكولا، مثلا، علي بيع منتوجها. علي أنه لكي يتم إدراك هذا الرسالة يجب أن يكون دماغ المشاهد جاهزا. لبرامجنا ميلٌ لأن تجعل الدماغ جاهزا: أي أن نلهيه، نسليه لأجل تهييئه بين رسالتين. ما نبيعه لكوكاكولا، هو زمن دماغ الإنسان الجاهز…” لا يقول السيد لُولايْ ما “الدماغ الإنساني الجاهز” ما دامت هذه الحالة يجب أن تظهر له بطبيعة الحال ثابتة وقدرة التلفزيون علي إنتاجها بديهية. هذا التأكيد طريقة ضمنية لتذكيرنا أن التلفزة هي بالضبط الوسيلة الأسرع والأكثر فاعلية لإفراغ الدماغ حتي يستقبل “رسالة” كما كان يفكر فيها. ويشير السيد لُولايْ علي نحو عرضي، في مكان لاحق، إلي حجة هذه الفاعلية: ” التلفزة هي نشاط الذاكرة.” وبعبارة أخري لا تستخلص “الجاهزية” أيَّ درس مما تسجله في لحظة، وتظل بالتالي غير قابلة للإتلاف.تشاء السخرية – لكن بالنسبة لمن؟ – أن نذكر هنا بان السيد بْويغْ قدم في وقت خوصصة القناة التلفزية الأولي، سنة 1978، ذريعة “الأفضل لنقُلْ ثقافيا” حتي ينتصر علي منافسيه ويمتلك القناة. هذا “الثقافي” تحول إلي فن يجعل الدماغ البشري جاهزا، فن لم يعرف أي نظام شمولي لحد الآن أن يمارسه بمثل هذا التفوق. ويخفي هذا النجاح فاعليته خلف تجارة يبدو أنها لا تهم سوي مواد الاستهلاك، لأنه لن يكون من المفيد للسيد لُولايْ أن يشرح أن قناته التلفزية لها “ميل” أن تجعل دماغنا جاهزا- علي سبيل المثال- لأفكار السيد سركوزي. لا يجب علي الأخص تنبيه القطيع البشري علي المشتري الذي سنبيعه له إن نحن أردنا أن نستطيع تسليم القطيع ككل وبدون مشكل. سيكون علينا أن نفهم أن الجاهزية التي يعمل عليها السيد لُولايْ ببراغماتية تنال إعجاب جميع ” المقاولين” ليست إلا تجسيدا للعبودية القديمة. إن لمجتمع الاستهلاك حاجة بهذه العبودية حتي يجعلنا نعتقد أن اختياراتنا لا تعود إلا لإعلام حر، موضوعي ولا يبالي بشيء. شاعر وناقد فرنسي معروف0