الحرم القدسي الشريف… زيارة فعبادة.. فسيطرة تامة

حجم الخط
0

يصعد المستوطنون والمتطرفون اليهود من وتيرة الاعتداءات على الحرم القدسي الشريف، من خلال القيام بزيارات له تحت حماية رسمية، وفي بعض الأحيان يقوم هؤلاء بممارسة بعض الطقوس الدينية أثناء تجوالهم في ساحاته. وفيما يحاول أبناء القدس المرابطون التصدي لهذه الاعتداءات والاقتحامات، لا تجد وقفات المقدسيين ونداءات رموزهم من التفاعل والتواصل مع العالم العربي والاسلامي ما يوازي حجم هذه التعديات اليومية.
الأعياد اليهودية ‘الدينية’ كثيرة، ومنها عيد الفصح الذي يستمر نحو أسبوع، يتبعه عيد نزول التوراة. وتقع هذه الأعياد في أواسط فصل الربيع (بين شهري نيسان/ابريل وأيار/مايو)، وهناك عيد رأس السنة يتبعه يوم الغفران، ومن ثم عيد العرش الذي يستمر لاسبوع أيضاً في فصل الخريف، اضافة الى مناسبات سياسية أخرى ومنها عيد الاستقلال في شهر مايو، وذكرى توحيد مدينة القدس في شهر حزيران/يونيو من كل عام، إذ نشهد مسيرات سياسية كبيرة لتأكيد السيطرة الاسرائيلية على المدينة، وانها عاصمة موحدة للكيان الغاصب.
مؤسسات ومنظمات وجهات عدة تضع نصب أعينها السيطرة على الحرم القدسي الشريف، وفي مقدمة هذه المنظمات ‘أمناء الهيكل’ بقيادة غرشون سلمون التي وضعت مخططاً لاعادة بناء الهيكل المزعوم على أنقاض الحرم القدسي الشريف، وبالتحديد على أنقاض المسجد الاقصى، أي أن المخطط هو هدم المسجد الأقصى بأي سبب كان، سواء عبر زلزال طبيعي، أو عبر وضع متفجرات، أو نتيجة الحفريات المتواصلة تحته التي جعلته يقوم على أساسات ضعيفة.
وهذه المنظمات تلقى الدعم من الحركة الصهيونية في العالم كله، وهي التي تقوم بتوفير المال للمنظمات والجمعيات الاستيطانية لشراء ممتلكات وعقارات داخل القدس وحول الحرم القدسي الشريف، أو من خلال السيطرة على هذه الممتلكات بالقوة وبدعم من القضاء الاسرائيلي، كما تدعي الحكومات الاسرائيلية أنها توفر حرية العبادة والحماية، ولذلك فإن اجراءاتها تأتي لحماية المستوطنين، وكذلك من يوجد داخل الحرم، ويعني أنها توفر الحماية حتى لا تقع اشتباكات ومواجهات، مع أن الذي يخلقها ويحدثها هم المستوطنون من خلال زياراتهم واقتحاماتــهم للحرم القدسي الشريف.
‘العربدات’ و’الاعتداءات’ التي يقوم بها المتطرفون اليهود تأتي بمباركة رسمية اسرائيلية، لكنها لا تعدو بالون اختبار لاتخاذ قرار بالسيطرة على الحرم، أو جزء منه، ولعل من أولى هذه الأمور معرفة ردود الفعل لدى أبناء القدس، ومدى تفاعلهم مع هذا الوضع وطبيعة قوتهم في التصدي لذلك، والاجراءات الاسرائيلية الممكنة لوضع حد لهذا الرد أو اضعافه والقضاء عليه، كما يبرز عامل اختبار للقوى الوطنية والاسلامية، ومعرفة مدى قوتها الجماهيرية، وتفاعل هذه الجماهير معها، وكيفية شكل عمل هذه القوى السياسية والفصائلية، وكذلك الوقوف على رد الفعل الرسمي فلسطينياً وعربياً، وعلى المستوى الشعبي إزاء تلك التعديات اليومية واحتمال تقسيم السيطرة على المسجد الأقصى مع الجماعات اليهودية المتطرفة.
ما هو المطلوب للدفاع عن المسجد الأقصى، والحرم القدسي الكبير الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة بين أكنافه؟
المطلوب أمور عدة لا تقوم مقامها بيانات الشجب والإدانة والاستنكار ولا تكفي، في مقدمتها تعزيز التعاون بين الشعبين الأردني والفلسطيني لإسقاط أي محاولات للإيقاع بينهما بسبب التعديات الإسرائيلية المتواصلة على الحرم القدسي، وتحميل النظام الأردني مسؤولية عدم القيام بما يكفي من واجب الحماية والدفاع، بحكم كون الأماكن المقدسة في المدينة القديمة تحت الولاية الأردنية حتى اليوم.
كما تبرز أهمية زيادة عدد الحراس المرابطين في الأماكن المقدسة، وتشجيع الفلسطينيين والمقدسيين على نحو خاص، على الحضور المستمر داخل المسجد الأقصى وبقية الأماكن وبأعداد كبيرة، وتوفير زيارات لمسؤولين ودبلوماسيين، واطلاعهم على الأخطار التي يتعرض له المسجد الأقصى، والطلب من المنظمات الدولية، خاصة اليونسكو أداء مهامها في الحفاظ على هذا الصرح الديني الاثري الكبير، ودعوة الكيان الإسرائيلي الى الكف عن حفرياته تحت وحول الحرم القدسي الشريف، ومنع زيارة غير المسلم لهذا الصرح الديني، الا بالتنسيق مع دائرة الاوقاف، وسحب صلاحية الشرطة الاسرائيلية في السماح لمن تشاء من متطرفين لزيارته.
ومن المهم في هذا السياق توفير الدعم لأبناء القدس للحفاظ على عقاراتهم وممتلكاتهم المجاورة للحرم القدسي الشريف، ومساعدتهم للصمود وتحمل المشقة والمعاناة وعدم الاستسلام، ورفع مستوى الوعي السياسي والديني لدى الشباب والشعوب العربية، والتأكيد لهم على أهمية حماية هذا المكان المقدس من أي اعتداء قادم.
هي معركة وجود وبقاء يخوضها المقدسيون، ومن ورائهم الفلسطينيون بالنيابة عن بقية الأمة لحماية مقدساتهم والوقوف في مواجهة آلة التغول التهويدية، التي لم تترك حجراً إلا وعملت على نهبه ونسبته إلى تاريخ مزيف من الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة، وإلى أن يدرك العرب والمسلمون وبقية الشعوب ما يجري لتلك المقدسات والمحاولات الجارية للاستيلاء عليها، يظل العبء الأكبر ملقى على عاتق المقدسيين والفلسطينيين بشكل عام، وهي مسؤولية لا يتم بها تشريفهم إلا مع القيام بها على أكمل وجه، لكن ذلك لا ينتقص من مطالبهم تجاه توفير الحد الأدنى من الدعم المعنوي والمادي، وهو بالمقابل حق وواجب على أبناء العرب والمسلمين وليس تفضلاً أو تكرماً، فمسؤولية حماية أولى القبلتين وثالث المساجد المقدسة لدى المسلمين هي مسؤولية عامة ومشتركة، ولا يجوز التعويل فيها على ردات فعل أو تصرفات فردية، مهما كانت مهمة أو مؤثرة.

‘ كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية