الحروب الإسرائيلية المتتالية على غزة خلفها حسابات ربحية واختبارات للأسلحة الجديدة

حجم الخط
3

الناصرة- “القدس العربي”:

يسّلط تقرير للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) الضوء على الاعتبارات الربحية، المتمثّلة بالصناعات الحربية لدى صناع القرار الإسرائيليين، في شن حملات متتالية على غزة (15 حملة عسكرية منذ 2007)، واعتبارها حقل تجارب للمنظومات الهجومية والدفاعية.

شلحت: الجوّ العام السائد في إسرائيل، عقب عدوان “درع وسهم”، هو التباهي بتنفيذ عملية عسكرية ناجحة، تمكنت إسرائيل بواسطتها أيضاً من إشهار قدرات استخباراتية.

يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطوان شلحت أنه يمكن القول إن الجوّ العام السائد في إسرائيل، عقب عدوان “درع وسهم”، هو التباهي بتنفيذ عملية عسكرية ناجحة، تمكنت إسرائيل بواسطتها أيضاً من إشهار قدرات استخباراتية وعملانية باهرة، وهو ما تثبته حقيقة إلحاق ضرر كبير بالقيادة الميدانية للحركة المذكورة. وينوه شلحت، في تقرير “مدار”، أنه فيما عدا ذلك هناك بين كل المحللين الإسرائيليين العسكريين والأمنيين والسياسيين، المحسوبين على الحكومة أو على المعارضة، إجماع على أنه لم يتغيّر أي شيء أساس خلال الأسبوع المنصرم تحت وطأة عملية عسكرية أخرى لن تكون الأخيرة، وهو إجماع مكرور بالنسبة إلى معظم العمليات العسكرية الشبيهة ضد قطاع غزة، ولا سيما منذ أواخر العام 2008. ويقول أيضاً إنه قد يكفي للاستدلال على هذا الإجماع قراءة الكلمات الصادرة عن المحلّل العسكري لصحيفة “يسرائيل هيوم”، يوآف ليمور، التي ورد فيها قوله: “إنّ مَن يثرثر في الجانب الإسرائيلي بشأن تغيير المعادلة (بين إسرائيل والقطاع) عليه أن يعود إلى البداية. فخلال الأعوام الثلاثة والنصف الماضية، هذه هي المرة الثالثة التي تكرّر فيها إسرائيل العملية عينها، ما يعني أن مفهوم انصياع حركة “الجهاد الإسلامي” للردع قصير، ويحتاج إلى تقوية دائمة. وينبه لقول ليمور إنه من دون أفق لحلّ أساس حيال “مشكلة غزة” (وحيال الموضوع الفلسطيني بصورة عامة) ستستمر إسرائيل في إدارة الوضع إزاء غزة، في هيئة معركة كل هدفها جولات قتالية قصيرة بقدر الممكن، بهدف الوصول إلى أطول فترة هدوء ممكنة بينهما. ويتعيّن على الحكومة الإسرائيلية، برأيه، أن تشرح منذ الآن هذه الحقيقة لسكان مستوطنات غلاف غزة، قبل أن ينهضوا بعد عدة أسابيع، أو ربما أيام، على صوت صافرات الإنذار المقبلة”.

الردع الإسرائيلي المزعوم

ويوضح شلحت أنه بالقدر ذاته يمكن قراءة تقييمات إسرائيلية أخرى من الصعب حصرها، وفي مقدمها تقييم “معهد أبحاث الأمن القومي”، التابع لجامعة تل أبيب، الذي كتب عددٌ من كبار

باحثيه أنه ما دام هذا هو النموذج القائم (السعي لتقوية الردع الإسرائيلي المزعوم فحسب) سنبقى مع السيمفونية عينها، ويبقى الموسيقيون هم أنفسهم وقائد الأوركسترا نفسه، وستبقى كل جولة فصلاً آخر من سيمفونية لا نهاية لها.

ليمور: من دون أفق لحلّ أساس حيال “مشكلة غزة” ستستمر إسرائيل في إدارة الوضع في هيئة معركة كل هدفها جولات قتالية قصيرة بقدر الممكن.

أما الجانب الآخر الذي ينبغي يلتفت له، عقب هذه العملية العسكرية الجديدة، فهو واقع وجود علاقة بين أغلب العمليات العسكرية والسياسة الإسرائيلية الداخلية، وهو ما تشير إليه بعض التحليلات الإسرائيلية، وجلّها في صحيفة “هآرتس” المعارضة للحكومة. وبموجب هذه التحليلات هناك كثير من الأسباب السياسية الجيدة للقيام بهذه العملية في هذا التوقيت بالذات، وأبرزها تحسين وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في استطلاعات الرأي العام، وتحسين علاقته بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وإزالة تهديد سقوط الحكومة، وتوحيد جماهير الشعب حول الوضع الأمني، وتحويل الانتباه عن خطة الانقلاب القضائي، وإعطاء الطيارين في الاحتياط ما ينشغلون به غير الاحتجاج على الخطة المذكورة، وتحويل الانتباه عن تردّي الأوضاع الاقتصادية.

وبخلاف تقديرات مراقبين آخرين يقللون من الاعتبارات والحسابات الإسرائيلية الداخلية خلف العدوان الأخير على غزة، ويشددّون على الدافع الأساس، المتمثل بمحاولة كسر إرادة غزة وإخضاعها ومنعها من تحدي إسرائيل، على مبدأ “جزّ العشب” تباعاً، منذ محاصرة غزة عام 2007، يضيف شلحت: “بحقّ أشارت الافتتاحية التي أنشأتها هآرتس من يوم 10 أيار 2023، إلى أنه فجأة ظهرت الحكومة اليمينية المتشددة بائسة من دون عضلات، بل أكثر ضعفاً من الحكومة التي سبقتها (حكومة بينيت- لبيد). ويبدو أن الذي سارع إلى فهم الضرر الخطِر الذي لحِق بصورة الحكومة، هو الوزير بن غفير الذي طالب ليس فقط بالمشاركة في الاستشارات الأمنية التي لم يُدعَ إليها، بل بالعمل بصورة عنيفة على تدمير مصطلح “احتواء”، وطالب بمهاجمة قادة التنظيمات “الإرهابية”.

وينوه شلحت أنه لم يكتفِ بن غفير بالكلام الإنشائي والخطابات، بل قاطع جلسات الكنيست والحكومة، وبهذه الطريقة هدّد سلامة الائتلاف، وربما بسقوط الحكومة التي تقترب من موعد التصويت على الميزانية العامة.

طلوع الفجر

ويشير إلى أن المقارنة بين الحكومة الإسرائيلية الحالية والحكومة السابقة في هذا الشأن تحديداً استندت إلى أن هذه الأخيرة كانت مسؤولة، خلال ولايتها القصيرة، عن عملية “مطلع الفجر” العسكرية التي قام الجيش الإسرائيلي بشنّها ضد حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطيني في قطاع غزة، واستمرت 55 ساعة (5- 7 آب 2022). ويقول إن تلك العملية لم تخلُ من العلاقة مع السياسة الإسرائيلية الداخلية، مثلما أشرنا في أكثر من مناسبة، بل تأثرت إلى حدّ كبير من واقع أن إسرائيل كانت ذاهبة في ذلك الوقت إلى انتخابات مبكرة أخرى، هي الخامسة خلال أقل من أربعة أعوام، وهذا ما أقرّت به عدة قراءات إسرائيلية أيضاً، أشارت إلى أن رئيس الحكومة السابقة (زعيم المعارضة الحالية) يائير لبيد أراد أن “يحصل على شهادة في إدارة المعارك العسكرية”، وبالتالي فلا شيء منعه من أن يحوّل الجيش الإسرائيلي وجنوده إلى أوراق في لعبة انتخابية. ويخلص شلحت للقول: “ما زالت بعض ردّات الفعل على أداء لبيد كـ “سيّد أمن” تتصادى إلى الوقت الحالي، ولعلّ أبرزها ردة الفعل التي ورد فيها: “لقد علّم بنيامين نتنياهو درساً لن ينساه؛ أن لبيد كذلك يعرف أن يقتل الفلسطينيين”.

الحروب تنطوي أيضاً على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تلعب دوراً حيوياً في استمرار الصراع.

الاقتصاد السياسي لحروب إسرائيل

في تقرير آخر بعنوان “الاقتصاد السياسي لحروب إسرائيل- غزة: من القبة الحديدية إلى مقلاع داود إلى الأسواق العالمية” توقف “مدار” عند الاقتصاد السياسي للحروب المتكررة على غزة، قيل فيه إنه، في العاشر من مايو/ أيار 2023، استخدمت إسرائيل بنجاح، وللمرة الأولى، منظومة الدفاع الجوي “مقلاع داود”، لإسقاط صاروخ متوسط المدى تم إطلاقه من قطاع غزة. ويقول إن منظومة “مقلاع داود” دخلت إلى الخدمة عام 2016، وتهدف إلى سد فجوة في منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات التي تستخدمها إسرائيل للتعامل مع هجمات صاروخية. في هذه المقالة يستعرض “مدار” منظومة الدفاع الجوي للاحتلال، والتي تشمل “درع الضوء”، “القبة الحديدية”، و”مقلاع داود”، وتشرح مزايا كل طبقة ودور رأس المال الذي ينشط في الصناعات الحربية الإسرائيلية فيها. مرّجحاً وجود استثمارات ومصالح اقتصادية لا يمكن الاستهانة بها، تشكل جزءاً لا يمكن إغفاله من حروب إسرائيل مع قطاع غزة. ويتساءل: من هي الأطراف الإسرائيلية المؤثرة التي لا ترغب بوضع حد للتهديدات الصاروخية من قطاع غزة.

منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات في إسرائيل

وحسب “مدار” فإنه في ما يخص منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، فإن لها هدفين أساسيين:

1) إضافة إلى دور الطيران الحربي الإسرائيلي في صد هجمات الطائرات المعادية، فإن منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات تعتبر خط الدفاع الأخير، بعد استنفاد محاولات الطيران، وتهدف إلى منع طائرات العدو من الوصول إلى أهدافها داخل المناطق الإسرائيلية.

2) لكن في حال كان الهجوم عبارة عن صواريخ (وليس طائرة حربية معادية)، فإن منظومة الدفاع الجوي تعتبر هنا خط الدفاع الأول- ولهذا يتم تفعيل هذه المنظومات عادة في أثناء الحروب مع غزة. وتتكون منظومة الدفاع الجوي متعددة الطبقات من أربع وحدات، هي:

تقرير: إنتاج “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” تحديداً، يضمن تدفقاً ثابتاً لإيرادات شركة رفائيل، كما أن التهديد المستمر من صواريخ غزة يساعد في الحفاظ على ارتفاع الطلب على منتجاتها عالمياً.

وحدة صواريخ أرض– جو،

وحدة صواريخ مضادة للصواريخ،

وحدة اختبار الصواريخ وتطويرها،

ووحدات تكتيكية.

الاقتصاد السياسي لحروب إسرائيل- غزة

ويوضح التقرير أنه عادة ما يتم النظر إلى الصدامات بين إسرائيل وغزة على أنها نتيجة صراع سياسي- قومي بين إسرائيل والفلسطينيين، ورغم صحة هذه النظرة، فإنها تغفل حقيقة أن هذه الحروب تنطوي أيضاً على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تلعب دوراً حيوياً في استمرار الصراع.

ويوضح أيضاً أن أحد اللاعبين الرئيسيين في هذه الديناميكية المعقدة هو شركة رفائيل، وهي شركة مملوكة للحكومة الإسرائيلية، متخصصة في تطوير تكنولوجيا الدفاع، مثل المنظومات التي تم استعراضها أعلاه. نمت شركة رفائيل منذ إنشائها في العام 1948، لتصبح حجر الزاوية في صناعة الدفاع الإسرائيلية، وقد حظي منتجها الأبرز- “منظومة القبة الحديدية للدفاع الصاروخي”- بالثناء في جميع أنحاء العالم، لفعاليته في اعتراض الصواريخ التي يتم إطلاقها من غزة. في العام 2021، وصلت مبيعات الشركة إلى نحو 3.3 مليار دولار، بينما أن ربحها الخالص في العام نفسه وصل إلى نحو 133 مليون دولار أمريكي.

في العام 1993، تم إعادة تأسيس الشركة وهيكلتها لتبدو أكثر ملاءمة لتسويق منتجاتها، من خلال الانتقال، على ما يبدو، من شركة تسد حاجة أمنية إسرائيلية إلى مشروع ربحي يسعى إلى الهيمنة على، أو احتلال مكانة مرموقة في سوق الصناعات الدفاعية في العالم. منذ تلك اللحظة، نجحت الشركة في إنشاء وتطوير العديد من الشركات ونظرة مسحية للشركات الاستثمارية التي تملكها رفائيل وتشرف عليها، من شأنها أن توسع فهم دور الشركة المؤثر عالمياً وإسرائيلياً.

في هذا السياق، فإن إنتاج وتطوير منظومتي “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” تحديداً، من بين تقنيات دفاعية أخرى، يضمن تدفقاً ثابتاً لإيرادات الشركة، كما أن التهديد المستمر من صواريخ غزة يساعد في الحفاظ على ارتفاع الطلب على منتجات رفائيل عالمياً.

يثير هذا الوضع سؤالاً نقديا حول مصلحة شركات مثل رفائيل في استمرار الصراع بين إسرائيل وغزة.  وبالنظر إلى الصورة الأوسع، تعتبر الصناعة العسكرية الإسرائيلية عنصرا أساسياً في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويستذكر التقرير أن إسرائيل ثامن أكبر مصدر للأسلحة في جميع أنحاء العالم في العام 2020، ولذلك، لا تساهم شركات مثل رفائيل في الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي فحسب، بل توفر أيضاً الآلاف من الوظائف ذات الأجور المرتفعة في أنحاء العالم (عدد موظفيها نحو 8000 موظف)، إذ يرتبط نمو صناعتها وازدهارها، بطريقة ما، بحالة الصراع الدائمة مع غزة.

ويشير تقرير “مدار” إلى أن العلاقة بين رفائيل وحكومة الاحتلال تتطلب أيضاً التدقيق، خصوصاً أن الشركة هي مشروع مملوك من قبل الدولة؛ بمعنى أن أرباح رفائيل تتدفق في نهاية المطاف إلى خزائن الحكومة الإسرائيلية. أما الحكومة، بدورها، فتخصص جزءاً كبيراً من ميزانيتها للإنفاق الدفاعي، وبالتالي إنشاء حلقة مفيدة للطرفين (السوق والدولة). ويضيف في هذا المضمار: “هذه العلاقة تحفز، بشكل أو بآخر، استمرار حالة من الصراع الدائم، حيث ستستفيد الشركة والحكومة اقتصادياً، بالطبع في حال حيدنا هذه الجزئية (صناعة الدفاعات ضد الصواريخ) عن باقي أجزاء اللوحة الأوسع للحرب. ويبقى أن نشير إلى أن قدرات إسرائيل التكنولوجية- العسكرية، المتمثلة في أنظمة الدفاع المتطورة لرفائيل، هي عنصر مهم في سياسة إسرائيل الخارجية حيث تحصل على الدعم من حلفائها الأقوياء مثل الولايات المتحدة.

أسئلة حساسة

ويخلص “مدار” للقول إن تقريره هذا يترك أسئلة حساسة، ليس من السهل الإجابة عليها، مثلاً؛

كيف يؤثر الاقتصاد السياسي لتطوير منظومات الدفاع ضد الصواريخ (وتحديداً لاعبين أساسيين في رأس المال الإسرائيلي والأمريكي والمنشغل في الصناعات الحربية) على قرارات الجيش الإسرائيلي في وضع نهاية حاسمة للتهديد الصاروخي القادم من غزة، في حال كان لدى الجيش الإسرائيلي هكذا خطط؟

كيف ساهمت شركات كبرى في الصناعات العسكرية بإعادة صياغة وعي الإسرائيليين حول مفاهيم أساسية مثل “التهديد الصاروخي”؟

وهل ساهمت هذه الشركات في تحويل الوعي الإسرائيلي تجاه صواريخ غزة إلى “حالة روتينية”، وإلى جزء أساس من الحياة الإسرائيلية، دون أن يعني الأمر قبولها؟

هل يشارك فنيو ومهندسو هذه الشركات في ميدان الحرب، وهل يساهمون في إطالة أيام المواجهة لإجراء تجارب لا غنى عنها؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية