الحروب الابادية وتحليل لقصة أسير القفقاس :

حجم الخط
0

الحروب الابادية وتحليل لقصة أسير القفقاس :

الحروب القديمة كانت رياضة ومع الغربيين تحولت اسلوب حياة.. وصارت قاعدة لا استثناءتولستوي صور ابناء القوقازيين وحوشاً.. تصرفاتهم حيوانية.. وبذلك قدم مبررا لقتلهم وابادتهمالحروب الابادية وتحليل لقصة أسير القفقاس :د. ثائر دوري أصدرت دار قدمس للنشر كتاباً قيماً اسمه الطرد والابادة وهو من تأليف جستن مكارثي وقام بترجمته الي العربية فريد الغزي. يتناول هذا الكتاب موضوع الابادة الذي تعرض لها المسلمون العثمانيون خلال قرن من الزمان من 1820 ـ 1920 في كل من البلقان والقوقاز وشرق الأناضول.و أهمية هذا الكتاب أنه يتناول موضوعاً تم التعتيم عليه باتفاق ضمني بين كل الأطراف بما فيهم أبناء الضحايا.فبينما جري التركيز علي عذابات الطرف الآخر سواء في البلقان أم في شرق الأناضول أم في القوقاز جري تجاهل مصير المسلمين في تلك المناطق. يورد الكاتب تفاصيل تاريخية دقيقة عما تعرض له العثمانيون المسلمون من طرد وابادة في تلك المناطق التي كانوا يشكلون أكثرية في كثير من مناطقها فاذ بهم يتحولون الي أقلية هامشية بسب الطرد والابادة. ويركز الكاتب علي أن ذلك كان سياسة منهجية وليس كنتاج ثانوي للحروب التي اندلعت.لقد كانت سياسة تطهير عرقي للمسلمين مصممة بدقة وعناية.أعادني هذا الكتاب الي هوامش كنت قد كتبتها علي متن قصة للكاتب الروسي ليف تولستوي وعنوانها أسير القفقاس يومها دهشت وأنا أقرأ تلك القصة أن تولستوي، هذا الكاتب الانساني الذي اتخذ موقفاً مناوئاً لحرب القفقاس، حتي أنه كثيراً ما وصف الجرائم التي قام الروس بها هناك.ينقل عنه الكاتب جستن مكارثي وصفه لهجوم الروس علي القري القوقازية.فيقول : جرت العادة أن تهاجم القري في أثناء الليل، عندما بسبب المباغتة، لا يتسني الوقت للنساء والأطفال الفرار، وكان الرعب الذي تلا تحت جنح الظلام حين اقتحم الروس البيوت بمجموعات مؤلفة من اثنين وثلاثة شديداً الي حد لم يجرؤ أي معلق رسمي علي وصفه ص58أدهشني أن هذا الكاتب الكبير وقع ضحية للأفكار لسائدة في عصره فاذ به يرسم في تلك القصة صورة نمطية للآخر تخرجه عن اطار الحياة الانسانية وتجعله أقرب للحيوانات، ويتغني عبر شخصية البطل بالدور التمديني للروس بين القوقازيين الهمج المتخلفين.لقد رسم صورة نمطية للآخر تجرده من كل انسانيته فأظهره شراً مطلقاً يجب استعباده أو طرده او ابادته.و هو أمر طالما اتبعه الغزاة الأنغلو ساكسون في وصفهم الهنود الحمر في أمريكا تمهيدا لطردهم وابادتهم.تدور هذه القصة في القفقاس وقد أطلق عليها الكاتب اسماً أساسياً أسير القفقاس وعنواناً فرعياً قصة حقيقية . تدور هذه القصة حول ضابط روسي اسمه جيلين له أم عجوز تتمني أن تزوجه قبل أن تموت وترسل له رسالة: وجدت لك عروساً عاقلة، حلوة، ولها ضيعة أيضاً. وقد تعجبك، فتتزوج، وتبقي عندنا نهائياً يقرر جيلين بعد هذه الرسالة أن يطلب اجازة ليذهب لأمه.يعيش الروس في القفقاس وسط بيئة معادية في قلاع وحصون ولا يتحركون الا بقوافل. يقول الكاتب: كانت الحرب ناشبة في القفقاس آنذاك، لا حركة علي الطرق لا في الليل ولا في النهار. والروسي ما يكاد يبتعد عن القلعة راكباً أو ماشياً حتي يقتله التتار، أو يأخذوه الي الجبال.و قد جرت العادة أن يخرج جنود مرافقون من قلعة الي قلعة مرتين في الأسبوع. يسير الجنود في المقدمة وفي الخلف، والناس في الوسط . كمين للتتاريقع جيلين في كمين للتتار بعد أن يبتعد عن القافلة، يفكر جيلين في نفسه: أنا أعرفكم أيها الشياطين اذا أمسكتم أحدا حياً، حبستموه في حفرة، وهرأتم جلده بالسوط، فلن أستسلم حيا ومن هذا المقطع يبدأ اللا وعي الباطن المشتق من ايديولوجيا العصر الغربي الابادي. يبدأ هذا اللاوعي برسم صورة نمطية للعدو تدمجه بالشيطان. فالتتريان اللذان ينقضا علي جيلين منتنين ويتكرر وصف منتن مرة أخري بعد قليل.وفي الأسر يتعرف الأسير علي الفتاة دينا ذات الثانية عشر ربيعاً.و هنا نري النظرة للآخر التي لا تنظر ليه كبشر وانما كشيء خارج حدود الحياة البشرية وهذا أمر ضروري من أجل قتله أو طرده وتصفيته. فـ الفتاة تقفز كالماعز البرية والجامع كنيستهم ذات البرج . يطلب التتار منه أن يرسل لأهله ليدفعوا ثلاثة آلاف روبل كفدية له. لكنه يرفض ويقرر أن يهاجمهم. وهنا يصور الكاتب الضابط الروسي شجاعاً حتي وهو في الأسر، فيقول جيلين لنفسه: آه الجبن معهم يجعل الأمر أسوأ ويثب علي قدميه، ويقول: ولكن قل لهذا الكلب ـ لن أدفع فلساً واحداً اذا كانا يريدان أن يرهباني، بل ولن أكتب لأهلي، أنا لم أخف، ولن أخاف منكم يا كلاب .هنا يتراجع التتار ويرضون بألف روبل فدية.وفي هذا المقطع نلاحظ انقلاب الأدوار فالتتاري الذي يدافع عن أرضه يصور جشعاً لا يهمه سوي المال. أما الروسي المحتل المعتدي فهو الشجاع وكأنه صاحب قضية نبيلة. وهو أمر شبيه بما اتبعته هوليوود أثناء تصويرها الهندي الأحمر، حيث صورته كمتوحش يسلخ جلد فروة رأس الأبيض ويعتدي علي قطارات البيض المسالمين وعلي قوافلهم في حين أن العكس هو الصحيح !!يقول منير العكش محللاً آلية التفكير الابادية هذه: ان اغتصاب أراضي الهنود وابادتهم فضيلة انسانية. أما مقاومة ذلك الاغتصاب وتلك الابادة فوحشية وشر وجريمة عقابها الموت . ومع تقدم الزمن صارت شيطانية الهندي ووحشيته بديهية لا تحتاج الي دليل مثلما أن انكليزية الله وتفوق شعبه من البديهيات التي لا تحتاج الي دليل .يصر جيلين أنه لن يدفع الا خمسمئة روبل فدية فيوافق التتار أخيرا علي ذلك.خلال القصة يرسم تولستوي صورة للضابط الروسي مليئة بالثقة فقد رأينا كيف شتمهم وهو واثق من أنه سيهرب. ويبدأ بتمضية وقته بصنع أشياء حضرية تبهر التتار المتخلفين، حسب الرواية السائدة في ذلك الوقت، فيصنع دمية فتركض ابنة مالكه، دينا، وتخطفها وتهرب بها. ودينا هي الطفلة التي لم تشوه بعد بثقافة أهلها المتوحشين. فقط لأنها طفلة: ويتطلع في اليوم التالي، فيري دينا تخرج علي عتبة بيتها عند الفجر، تحمل الدمية، وقد زينتها بالخرق الحمراء، وتهدهدها كالطفلة وتترنم لها بلغتهم.خرجت أمها العجوز، وشرعت تقرعها، واختطفت الدمية وحطمتها، وأرسلت دينا في شغل .لكن الروسي المتحضر لا ييأس فيحاول مرة أخري نشر الحضارة بين هؤلاء المتوحشين لذلك يصنع دمية أخري ويعطيها لدينا. فتبدأ الصغيرة بالتعاطف معه، فتحضر له الحليب مرة بعد مرة وتكتشف أنه لطيف ثم جلبت له لحماً. ويبدأ الروسي باظهار مهاراته الحضارية فيبهرهم بالدمي التي يصنعها ويصلح لهم الساعات والمسدسات ويصبح محور حياة القرية والجوار، وعندما مرض تتري دعوه ليشفيه: مرض تتري ذات مرة. وجاءوا الي جيلين يدعونه لعلاجه. وجيلين لا يعرف كيف يعالج المرضي. ويفكر قائلا لنفسه أظنه سيشفي لحاله عاد الي السقيفة. تناول شيئاً من الماء، والرمل، وخلطهما. وقال بعض الكلمات علي الماء بحضور التتار، وأعطاه ليشربه المريض. وشفي المريض لحسن حظه. والفضول العلمي وحب الاكتشاف لا ينقطع عند جيلين حتي في أسره. وقد عرضه ذلك للقتل. لم أرد أن أمسه بسوء. أردت أن أري كيف يعيش . ثم يهرب جيلين فيلقي التتار القبض عليه ويضعونه في حفرة. لكنه يصنع من الطين دمية لدينا. التي تحضر بعد حين لتخبره أن أهلها سيقتلونه لأن الروس قريبون. ثم تساعده علي الخروج من الحفرة عبر جلب عصا له ليستعملها في الخروج. وبعد ذلك يطلب من دينا أن تعيدها الي مكانها كي لا يضربوها، فحتي في أصعب الظروف لا ينسي انسانيته. وتساعده دينا بفك القيد. وقبل أن يغادرها لا ينسي أن يذكرها بفضله عليها يا عاقلة من يصنع لك الدمي بعدي ـ ومسد علي رأسها . وتبكي دينا، حاجبة وجهها بيديها، وركضت علي الجبل، قافزة كالعنزة .في هذه القصة توجد كل العناصر الأساسية، التي استند لها الاباديون الغربيون أثناء تصويرهم شعوب آسيا وافريقيا، خاصة في أمريكا. فهم متوحشون يقتربون من الحيوانات في سلوكهم وتصرفاتهم، واذا وجد طيب بينهم فهو من الأطفال الذين لم يتلوثوا بثقافة أهلهم، أو ممن يساعدون المحتل علي الخروج من ورطته عبر خيانة أهلهم. وفي هذه القصة يتجسد بشخصية دينا فهي طفلة وتساعد الغازي. لتكون طيباً بالنسبة للغزاة يجب أن تكون طفلاً أو خائناً !!!ليس الهدف من الاشارة الي هذه القصة هو محاكمة كاتب عظيم كتولستوي. بل ان الهدف هو الاشارة الي أي مدي يمكن أن ينغمس المرء، حتي دون أن يشعر، في علاقات عصره وان كان يرفضها في وعيه. وهذا أمر دعا البعض الي الجزم بأن الحرية وهم، لأن الانسان منذ ولادته موضوع بين خيارات محدودة وان توهم أنه حر الاختيار. لكنه بطريقة أو بأخري يستمد خياراته وأفكاره ومفاهيمه من تلك السائدة في عصره، فاما أن يتماثل معها، أو يرفضها. وفي الحالتين تكون مفاهيم عصره قد صاغته وحددت طريقة تفكيره وربما تسربت الي عقله الباطن دون أن يشعر ونفس الأمر ينطبق علي الشعوب. لقد تلوثت كل الأمم والشعوب، بدرجات متفاوتة، بروح العصر الغربي الذي انطلق قبل خمسمئة عام ويسميه المفكر تشومسكي رايخ الخمسمئة عام وهو ينهض علي الابادة والاستعباد فيلخص العلاقات بين البشر والشعوب بعلاقة سيد ـ عبد . واضعاً الشعوب بين خيارين، اما أن تكون قاتلة أو تصير مقتولة، اما ظالمة أو مظلومة.ان المسؤول الأول عن الجرائم التي جرت خلال القرون الخمسة الماضية في كل أنحاء العالم، وبغض النظر عن اليد التي ارتكبتها، هي العقلية الغربية الابادية التي حولت الحرب الي طريقة حياة، وحولت الشعوب الي قاتلة أو مقتولة، ولم تترك فرصة كي يحل السلام علي سطح الأرض. ان فهم هذه النقطة يجعل الشعوب والأفراد أكثر قدرة علي التعامل مع مآسيها الخاصة، ويحول التجارب المريرة التي تعرضت لها علي يد الآخرين الي رصيد ايجابي يخدم الانسانية اذا ما صبت هذه الشعوب حقدها علي منظري هذا العصر وبٌناته بدل أن تفرغها في أحقاد ثانوية ضد من تتوهم أنهم سبب مأساتها، والذين لا يزيدون عن كونهم أدوات تنفيذ، أو روبوتاً ينفذ الأوامر التي تمت برمجته بها. وبهذه الطريقة تصبح دماء وعذابات الذين قتلوا في العصر الامبريالي الراهن، لا سيما في القرنين الماضيين، ذات قيمة انسانية عظيمة ويجري استثمارها لصالح البشرية جمعاء. لكن للأسف ما يجري حتي الآن هو تحول هذه العذابات التي ارتكبت بتأثير عقيدة العصر الابادي الي عامل ترسيخ عداوات وروح انتقام بين الشعوب بما يخدم مصلحة سادة العصر الابادي أنفسهم. فكثيراً ما رأينا في هذا العصر كيف يتمرد العبيد علي سادتهم وبدل أن يدفعوا الحياة الانسانية الي الأمام عبر بناء عالم خال من العبودية فاذ بهم يتحولون الي تجار عبيد، وهو أسوأ ما يمكن أن يطرأ علي المرء من تبدل، أي أن يتحول المرء من عبد الي تاجر عبيد. كما شاهدنا شعوباً مقموعة مظلومة لكن عند أول فرصة سنحت لها تقمصت سلوك ساداتها وتحولت الي ظالمة قامعة.لقد تلوثت كل الشعوب والأمم، خاصة في القرنين الأخيرين، بالعقلية الغربية الابادية. فكل شعب من الشعوب حاول أن يبني دولة علي الطريقة الغربية، أي دولة قومية تستعبد الآخرين ويكون لها مجالاً حيوياً تنهبه. بعض الأمم فشلت وبعضها نجح. من فشل صب جام غضبه علي من نجح واتخذ سحنة المظلوم وبدأ يبكي عذاباته. لكن لو أتاح التاريخ له أن ينتصر لفعل مثل ما فعل المنتصرون الذين يلومهم.ان المذنب في كل ذلك هو الأسس التي قام عليها النظام العالمي. وان من يحتاج الي الهزيمة هي الفكرة، فكرة الابادة والطرد والاستعباد، فكرة النظر للآخر علي أنه شيطان، علي أنه الشر المطلق، مما يفتح الطريق لاحقاً أمام ابادته أو استعباده. وان النضال يكون مجدياً ويكون له قيمة انسانية كبري حينما نسعي لبناء عالم يجد الجميع مكاناً لهم فيه بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو اللغوي أو الجهوي. لا يعني ذلك الغاء الفروقات الدينية واللغوية والعرقية وانما أن تتحول الي عوامل اغناء للحياة البشرية بدل أن تكون صواعق لتفجير الصراعات، كما هي في عالم اليوم. الاستيطان في امريكا والاستيطان في القفقاساذا وضعنا النقاط السابقة أمامنا ونحن ندرس التجربة الروسية الابادية في القفقاس يمكننا فهم ما جري بشكل أفضل يقول مؤلف كتاب الطرد والابادة واصفا السياسة الروسية في القفقاس : حرروا المناطق التي أخضعوها من المسلمين واستبدلوا المسيحين بهم. لم تكن تلك السياسة استثنائية للروس، ففي الوقت الذي كان الروس يقومون فيه بأفعالهم ضد المسلمين علي سيل المثال، كان المستوطنون الأوربيون في أمريكا الشمالية يفرضون سياسة مشابهة علي الأمريكيين الأصليين .فالدب الروسي الذي استيقظ متأخراً تعلم الدرس الغربي سريعاً وبدأ يحاول بناء دولة قومية علي الطراز الغربي، والخطوة الأولي في هذا الطريق هي الاستحواذ علي مستعمرات. واكتملت القضية في عهد بطرس الأكبر الذي تقول كتب التاريخ انه كان شخصاً ماجناً سكيراً، فقد قرب منه الأجانب واللوثريين في بلد أرثوذكسي محافظ.ويقال انه كان يحتقر كل ما هو روسي وكان معجباً بالغرب وبكل تفاصيل حياته. لقد كان سلفاً نموذجياً لقادة العالم الثالث في القرن العشرين عبر انبهارهم بالغرب وتبنيهم حضارة الغرب بكل تفاصيلها واحتقارهم لكل ما هو موروث وأصيل في أوطانهم، والنموذج الأشهر لهؤلاء هو أتاتورك والأتاتوركية. ويصل التشابه الي حده الأقصي بين هذين الشخصين فقد تبني أتاتورك مرسوماً أجبر بموجبه الأتراك علي ارتداء ملابس غربية، وكذلك فعل بطرس الأكبر. يشير مرسوم الثياب الذي فرضه بطرس الأكبر الي ما يجب أن يرتديه المواطنون: بدلات سكسونية وفرنسية وتحتها قمصان وسراويل، والجزمات والأحذية والقبعات ألمانية الطراز . ان هذا الافتتان بالغرب ومحاولة تقليده في كل شيء يعني أول ما يعني علي الصعيد السياسي الرغبة بالتحول الي دولة نهب، أي دولة لها مستعمرات. هذا هو جوهر التحديث الذي قام به بطرس الأكبر .كان الوضع السياسي المعقد داخل أوربا يمنع الدولة الروسية من التوسع هناك وامتلاك مستعمرات، لذلك اندفعت روسيا جنوباً حيث الدولة العثمانية والعالم العربي ـ الاسلامي، وكان القوقاز مسرح هذه الاندفاعة الروسية. لقد كان نجاح حلم بطرس الأكبر الاستعماري مرتبطاً بشكل وثيق بالوصول الي منافذ بحرية تحقق الصلة بأوربا. وكانت الخيارات أمامه هي التالية: بحر الشمال، وبحر البلطيق والبحر الأسود. أما بحر قزوين فلم يدخل في الحسابات لأنه رغم سعته بحيرة داخلية مغلقة. وجد بطرس أن بحر الشمال بعيد وغير مناسب للتجارة وللعلاقات الثقافية مع الغرب. وفي تسعينات القرن السابع عشر قرر تأجيل موضوع بحر البلطيق بسبب ظروف أوربا السياسية، فتفرغ للبحر الأسود , الذي كان بحيرة عثمانية بالكامل من سيباستول في الشمال الي مضيق البوسفور. وهنا كان الدخول الروسي الي القوقاز.القوقازيمتد أقليم القوقاز من البحر الأسود الي بحر قزوين وكان يشكل الحد الفاصل بين الدولة العثمانية وقياصرة روسية. ومنذ اللحظة الأولي كان لدي الروس خطة استعمارية متكاملة للسيطرة علي القوقاز الذي سيفتح لهم أبواب البحر الأسود، فقد كانوا ينشئون القلاع والطرق والمباني العسكرية والتحصينات تمهيداً للدخول الي عمق القفقاس. وفي القرن التاسع عشر لخص الجنرال ديليالينوف خطة استعمار القفقاس بالتالي:1ـ اقامة تحصينات في المناطق المهمة طبوغرافياً .2ـ أخذ الأراضي من الجبليين بسرعة واسكان القوقاز في محطات علي هذه الأراضي.3ـ تخريب الحقول ومصادرة الأراضي .أي أن الخطة هي مزيج من سياسة الاستيطان والأرض المحروقة والتهجير. كتبت صحيفة القفقاس الرسمية: كان جنرالات الروس يقومون بحملات في الجبال ويطلقون النار علي كل شيء ويقتلون السكان بالحراب والنار ويأخذون كل شيء ويسرقون الماشية،و كانوا يعاقبون الناس بتدمير قري بأكملها .و يمكننا أن نلخص بعض المحطات الأساسية في تاريخ القفقاس. فقد استولي بطرس الأكبر علي دربند وباكو في عامي 1722 ـ 1723 لكن نادر شاه استرجعهما. وعاد الروس ثانية الي المنطقة عام 1812 والي جورجيا عام 1873، حيث أصبحت دافعة للجزية.و في عام 1836 اندلعت ثورة شامل، الذي هزم 1859. وفي عام 1864 كانت السيطرة الروسية علي القفقاس شبه تامة.لقد طبق الروس سياسة التهجير والنزوح القسري عبر تدمير البيوت والحقول فلم يتركوا خياراً سوي الموت جوعاً أو الفرار. لكن الحرب لا تدور علي الأرض فقط وانما في العقول والكلمات. فكي يسهل علي الجنود قتل العدو يجب أن ترسم للعدو صورة تخرجه خارج الحياة الانسانية الراقية المتحضرة. فطريقة التفكير الابادية التي رسخها الغربيون في العالم المعاصر وتلوثت بها الشعوب، كما ذكرنا، تقول ان كل طريقة حياة أو تفكير مختلفة عن طريقة تفكيرنا هي همجية وغير متحضرة، فمن واجبنا أن نحضّر الأغيار فاذا لم يقبلوا التحضر فلا مانع من طردهم أو ابادتهم.و خلال ذلك تنعكس المفاهيم فيصبح دفاع الآخرين عن أراضيهم وممتلكاتهم عدوانا علي حضارتنا.وقد رأينا ذلك واضحاً في القصة السابقة، فالطفلة تقفز كالماعز البري، والتتار متخلفون يحاول الأسير أن يعلمهم الحضارة لكنهم يقاومون وهم قتلة جشعون لا يهمهم سوي الحصول علي المال من والدة الأسير الفقيرة. عن تسامح الاتراكفي الختام ملاحظة أخيرة هناك من يقول ان هذه الصراعات التي تنتج عنها الابادة ممتدة عبر التاريخ البشري وهي موجودة علي طول التاريخ وهذا أمر غير صحيح علي الاطلاق، فقبل صعود الغربيين علي مسرح التاريخ كانت هناك حروب وصراعات لكن لم تجر ابادات، كانت الحروب، كما يقول تشومسكي، أشبه بالرياضة، أما مع الغربيين فقد تحولت الي طريقة حياة. كان السلم هو القاعدة والحرب هي الاستثناء. أما مع الغربيين فقد صارت الحرب هي القاعدة والسلم هو الاستثناء. ويدرك الكاتب جستن مكارتي الفرق الجوهري بين القيم التي كانت تحكم العالم قبل صعود الغربيين وبعد ذلك فيقول مقارناً: كانت معاناة تلك المجتمعات، من سخرية القدر، اذ لو كان الأتراك في أيام قوتهم قوميين من النوع اليوناني، لكان المسيحيون هم الذين طردوا تاركين وراءهم أراضي كانت تركية مسلمة بكل معني الكلمة، بدلا من ذلك، عاني العثمانيون وبقي المسيحيون.كثيراً ما كانوا يحصلون علي معاملة حسنة وفي أحيان كثيرة علي نحو رديء، لكنهم سمحوا لهم بأن يستمروا بالبقاء وأن يحافظوا علي لغاتهم وعلي تقاليدهم ودياناتهم، كانوا علي حق حين فعلوا ذلك. لكن لو أن أتراك القرن الخامس عشر لم يكونوا متسامحين لبقي أتراك القرن التاسع عشر علي قيد الحياة في بيوتهم .ہ كاتب وباحث عراقي.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية