الحروب حين تأكل قماشة اللوحة

حجم الخط
0

على الرغم من إقامته أكثر من معرض في العراق، بين البصرة وبغداد، ومن ثم في بعض الدول العربية، إلا أن الفنان العراقي صدام الجميلي يحاول في كل مرّة الخروج على نفسه، وارتداء أقنعة متعددة. بدأ الجميلي العمل على بعض اللوحات بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة، ودراسته الماجستير في النقد التشكيلي، فقدّم أعمالاً مميزة اشتغل فيها على اللون والتجريد بشكل ملحوظ، وهو ما تميز به في لوحاته التي عرضت في قاعة مينا بمدينة البصرة، لينتقل بعد ذلك لمرحلة جديدة من خلال معرضه الذي أقامه في العاصمة الأردنية؛ عمّان، بعنوان ‘أغنيات منزلية’ الذي سعى فيه للمزج بين أكثر من مدرسة تشكيلية، مقارباً فيها من روحه وفلسفته الخاصة ببناء العمل التشكيلي، فكانت تلك الأغنيات تمثّل انتقاله واضحة في تجربته الفنية. لكن تجربته هذه لم تمكث طويلاً لينتقل بعد ذلك إلى المرحلة الأهم، وهي معرضه الأخير ‘حياة يومية’ الذي عبّر من خلاله عن رؤيته في حياة المواطن العراقي، والتحولات التي طرأت عليه، ومن ثم التشوّه الذي لحق بكل شيء، بدءاً من الشكل الخارجي، مروراً بالتناقضات الداخلية، وصولاً إلى مسخ كل ما يمكن أن يحيط به، من حيوانات وأثاث وطبيعة وبيئة. لكن التحولات التي مرّ بها عبر تجاربه المتعددة كان يريد من خلالها الاستمرار والتطور، فيرى؛ في حوار خاص أجريته معه، ‘إن إنتاج الصورة بالطريقة ذاتها عبر قوالب فنية، يعيد الفن إلى منطقة الحرفة، الحرفة بكل تكرارها وبرودها.
إن إيماني بمعنى أن يكون الفن سلوكاً تجريبياً، سلوكاً ننتظر منه ردة فعل بوصفه كائناً حيَّاً ينمو ويتفاعل. لا أريد لعملي الفني أن يكون جثة باردة بلا ردة فعل. الفن هو أن نترك للعمل أن يقترح وينتج مع الفنان، أن يقدم مقترحاته أيضاً. وبعيداً عن أية فلسفة، من المفترض أن تتجاوز اللوحة أو العمل الفني نفسه ليكون له قيمة الفرادة والخصوصية’، مؤكداً أنه ليس صانع كلائش، ‘أنا صانع نصوص حية. ربما تبدو الأعمال الفنية الأخيرة لي أكثر عنفاً وشدة، أكثر مباغتة وتبرُّما، أكثر سخرية، لأنها نتاج تفكير بأن الرسم لم يعد سلوكاً لصناعة لوحة ننام بجوارها، أو نزيِّن بها حمَّاماً أو غرفة، الفن لا يختلف عن الأدب في قدرته على الفلسفة.
الرسم لا يعود إلى قائمة الأثاث، وليس صورة لتسجيل حدث أو واقع. الفن سلوك يجعلنا نفكر ونتساءل، والرسم لا يختلف عن الفنون الأخرى في إمكانيته على التساؤل. ومن الغريب أن المجتمع استطاع تقبل الأدب بكل غرائبه، ولم يستطع الكثير، حتى من المثقفين، أن يستجيبوا للتفكير بالرسم ومن خلاله. الرسم سلوك إنساني أعمق من قطعة أثاث’.
الجميلي المولود في مدينة البصرة في العام 1974، لم يكن فناناً؛ بالمعنى الحرفي، في تجربته الأخيرة، بل كان رائياً وشاهداً على الجروح التي طرأت على وجوهنا، لكنه في الوقت نفسه لم يشأ أن يضع على هذه الجروح مرهماً أو ماكياجاً ليغطيها، بل حاول أن يقدمها مثلما هي، مثلما يراها ويتلمس حوافها، ويرسمها تماماً كما حاول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي الحديث عن طبيعة الشخصية العراقية من دون أن ينمّق كلماته أو يُلمِّع الجميل فيها فقط، إنما طرح واقع هذه الشخصية وتناقضاتها والأزمات النفسية التي تعانيها. الجميلي فعل الأمر نفسه، لكن من خلال مجموعة من الأعمال التشكيلية التي رسمت هذا المواطن في بيته حيناً، وفي الشارع حيناً آخر، في تكامله مرّة، وفي فقدانه أجزاءً من جسده مرّة أخرى.
في تصريحه عن أعماله الأخيرة، يقول الجميلي ‘ما الذي أودُّ فعله: لن اسحبَ الفكرةَ من ياقتها لكي أضعها في إطار، أترك بابَ الحديقةِ مفتوحاً لكي تأتي أيُّ فكرةٍ جائعةٍ وتقضم العشب بحب، ستكون حينها حياة مضيئة في إطار، سترتاح وتنام تحت شجرةٍ، لن أقهر الرسم لمجرد أن أفكر. الفكرة بصورتها العامة حاضرةٌ مثل حجرٍ ملقىً على الرصيف، ثمة فكرةٌ أعمق تبدو مثل نجمةٍ يافعةٍ، إنها فكرةُ الرسم نفسه، الرسمُ فكرةٌ، الرسمُ كائنٌ لا يمكن أن نركب على ظهره مثل حصان، إنه أكثر قداسة: أكثر حضوراً بنا، أوسع حلماً وخيالاً’.
هذه الفكرة التي لم يقف الجميلي إزاءها حائراً، بل مشى في الشوارع لكي يشكل الإنسان الذي يراه، جمع عيناً من هنا، وفماً من هناك، ورجلاً ويداً وجسداً بعد كل انفجار رآه، ليخرج لنا بكائن غريب وعجيب في الآن ذاته، مثلما فعل فرانكشتاين حينما أراد أن ينتج إنساناً مختلفاً بعدما جمّع أعضاءه من بشر مختلفين.
في لوحات الجميلي تقرأ الحرب بحذافيرها، الشظايا تهشم جسد اللوحة، والأعضاء المتناثرة، واليد المبتورة، والعين المقلوعة، والأطراف التي تباع في مزادات علنية للباحثين عن أطرافهم الضائعة.
لذا فإن لوحاته معنية بالأنساق التعبيرية، التجريب قاعدة أساسية لها، مستحضراً بعض الأساليب الخاصة به، ليبنيها جمالياً ودلالياً، متكئاً على العين التي ترى وتحس بالألم وتشم الروائح، ناقلاً كل هذا عبر فرشاته التي كانت طيعة جداً في اختياراته اللونية المميزة أولاً، إذ منح تفصيلاته ألواناً جاءت متطابقة مع تفاصيل لوحاته وأفكارها، فاشتغل على الألوان الرمادية الكالحة أو البيضاء الناصعة أو السوداء الفاحمة أو الحمراء الحادة، فضلاً عن اللون الأصفر أو البرتقالي، وغالباً ما تعبّر ألوان لوحاته عن القلق الذي يعتمر حياتنا، وهو يتنقل بين أكثر من مدينة، ليستقر بعدها في عمّان، التي كان ينظر منها إلى البصرة وبغداد بعينٍ واعية، لمس من خلالها المسوخ التي تلبَّستنا من دون أن نعلن ذلك بصراحة. وثانياً تقنيات المونتاج التي برع فيها.
فنرى في بعض الأعمال قطعاً من صور فوتوغرافية ممزقة، وفي أخرى بقايا صناديق عتاد خرجت من حرب طويلة، أو خرقة بدلة عسكرية لم يبق من صاحبها سوى شاهدة قبرٍ ضاعت في مقبرة ما زالت أبوابها مشرعة.
لكن المميز في مشروعه هذا بروز الجانب الحيواني في لا وعي الإنسان إلى هذه الدرجة الفظيعة الذي ينم عن تحطم القيم الإنسانية التي يعيشها الفرد الذي تعرض إلى مجموعة من التجارب الرهيبة. الحيوان الذي يتكرر في لوحات الجميلي مسخ وقبيح إلى درجة الاشمئزاز بما يجعله كابوساً مريراً لا يمكن الفكاك منه دون خسائر عاطفية وجسدية باهظة، حسب رأي الكاتب صلاح حسن.
الجميلي أخرج مخلوقاته العجيبة إلى فضاء آخر، في تجربة موازية، عبر منحوتات لشخوص أكلتهم الحرب، فعاشوا بين الأنقاض، أو حشروا في وديان خانقة، فضلاً عن حيوانات حوَّلها الواقع إلى وحوش، على الرغم من سعيها للحفاظ على طبيعتها المسالمة.
مثلت تلك المنحوتات مرحلة جديدة في أعمال الجميلي، فجاءت إضافة مهمة لأعماله التشكيلية، والمثير في الأمر أنه أخرج تلك المنحوتات من قلب اللوحات، فجاءت وكأنها تفصيلات مضافة، أو تجسيدات للأفكار التي طرحها في البينية اللونية الملساء التي شكّل من خلالها قماشته البيضاء، لكنه في الوقت نفسه لم ينقل الواقع بحذافيره، فالحياة داخل اللوحة تبقى فناً، فيرى أن الكثيرين يمزجون بين الواقع والعمل الفني، وكأن العمل الفني يأخذ دور غيره، فـ’يتصور البعض أن رسم زرافة يحيل المنزل إلى غابة. وأذكر ما قاله ماتيس لإحدى النساء وهي تسأله عن المرأة التي رسمها في لوحته، حينما قالت له: من هذه المرأة؟ فقال لها هذه لوحة وليست امرأة.
والقصد هنا أن العمل الفني لا يصوّر أشياءً بقدر ما يضيف أشياءً، فهو كائن جديد لا علاقة له بما صوّره إلا بحدود الدوافع والمؤثرات. فصورة امرأة لا تعني امرأة إطلاقاً. لذا لا يجب أن نتصور اللوحة التي تحمل كائناً غريباً بأنها كائن غريب يعيش معنا، فهو ما يزال شيئاً آخر’.
‘ شاعر وفوتوغرافي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية