رام الله ـ «القدس العربي»: حتى أكثر المتشائمين من المشهد الفلسطيني الداخلي لم يتوقعوا أن ينزلق ملف الحريات في الضفة الغربية إلى ما وصل إليه، حيث شهدت نهاية الأسبوع الماضي تطورات خطيرة في ملف الحريات في الضفة الغربية.
وعادة ما كان الجدل الفلسطيني الداخلي حول ما إذا كان هناك اعتقال سياسي أو لا يوجد اعتقال سياسي، لكن المسألة اليوم تجاوزت ذلك مع تزايد حالات الاعتقال وضمن مستويات أعلى وتيرة، لكن القمع الممارس ضد طالبات جامعة فلسطينية وبحق صحافيين يعملون في الميدان في أحداث نهاية الأسبوع الماضي دلل على تحول كبير في مسألة الحريات السياسية في الضفة الغربية عبر امتداده إلى مساحات تهدد السلم الأهلي والمجتمعي فعلا وليس قولا فقط.
فما شهدته جامعة الخليل (جنوب الضفة الغربية) من أحداث على إحدى بواباتها من اعتداء عناصر محسوبة على «الشبيبة» الفتحاوية على طالبات ينتمين للذراع الطلابي لحركة حماس في الجامعة وسرقة هواتفهن الشخصية أثناء وقفة احتجاجية على قمع أمن الجامعة لهن أثناء تأديتهن فعاليات الإرشاد الطلابي، وهو ما تطور إلى الاعتداء على صحافيين أثناء تغطيتهم للوقفة، كشف عن تصعيد في استهداف الممارسات السياسية وتحديدا الطلابية.
تطور المشهد المأساوي الذي ذكر بأحداث جامعة النجاح قبل أكثر من عام، والذي بدلا من أن يطالب الجميع بأن تقوم الشرطة الفلسطينية وجامعة الخليل بمحاسبة المعتدين على الطالبات إلى دخول عائلات وعشائر المدينة على المشهد السياسي والطلابي في محاولة لفرض توازن ما، وحفظ الحقوق مع تراجع حالة الثقة بالأجهزة الأمنية في تعاطيها مع هذا الملف.
وحسب ما صرحت به الكتلة الإسلامية فإن عناصر من الشبيبة ورئيس مجلس اتحاد الطلبة في ذات الجامعة أعاقوا نشاط الكتلة الإسلامية بمنع تقديم الهدايا للطلبة وبالاستيلاء على الأغراض ورمي الضيافة أرضا والاعتداء اللفظي على الطالبات، فيما قامت إدارة الجامعة بفصل الطالب الذي حاول الدفاع عن الطالبات.
وطالبت عائلات وعشائر في الخليل باستنكار اعتداءات عناصر الشبيبة وأمهلت عوائل المعتدين للاعتذار وإصلاح الموقف حسب الأعراف والتقاليد الراسخة في المدينة ذات التوجه المحافظ.
وفي بيان لعائلة سلهب التميمي جاء أن طالبة جامعية من العائلة تعرضت للضرب وسرقة أجهزتها الخليوية على يد شخصين حددت اسم كل منهما في البيان، معتبرة أنهما «مطرودان ومطلوبان» للعائلة وشبابها «إلى أن يأتي ممثل عائلتيهما ويدفع الحق المترتب على هذا الاعتداء».
كما دعت العائلة الأجهزة الأمنية والشرطة إلى «القيام بواجبها وإلقاء القبض على أفراد هذه العصابة (…) والضرب بيد من حديد كل خارج عن القانون، ووضع حد للفلتان الأمني المنتشر في الخليل».
وهو ذات الموقف الصادر عن «رابطة شباب أبو سنينة» التي وصفت الاعتداء بـ «المخزي الذي قامت به مجموعة من المرتزقة».
ووفقًا لوصف البيان، قالت إنها «تضع المجالس العائلية في محافظة الخليل تحت مسؤوليتها في صَون وحماية هذه المحافظة من الأعمال الطائشة التي تمس عادات المحافظة وتقاليدها».
وحمل البيان صيغة غاضبة ومهددة حيث جاء فيه: «سنكسر العُنق الذي يلتف إلى الفتيات بِنظرة سوء» و«يُمنع حتى إشعارٍ آخر دخول أشباه الرجال المأفونين الذين اعتدوا على أخواتنا إلى مدينة الخليل وشوارعها وإلا فإنهم سيواجهون شرور أعمالهم».
أسير محرر
وأعلنت أيضا عائلة السلايمة عائلة أبو شخيدم امريش وعائلة مسك وآل قنيبي نفس الموقف، أما عائلة النتشة، التي تعرض ابنها الصحافي نضال النتشة للاعتداء أثناء تغطيته الوقفة الطلابية، فأكدت أن نجلها هو «أسير محرر وصحافي خلوق يشهد له زملاؤه وكل من عرفه بذلك، وكان يؤدي عمله بمهنية».
ورأت عائلة النتشة في تبريرات الاعتداء على ابنها بإنها «مجرد ادعاءات واهية لا تقنع الأطفال الصغار».
كذلك «شجبت واستنكرت» الاعتداء، واصفة منفذيه بأنهم «بلطجية وخارجون عن القانون» معتبرة الاعتداء «تطورًا خطيرًا وغير مسبوق، وتجاوزًا لكل الخطوط الحمراء».
ووصفت آل قنيبي في بيان الاعتداء بأنه «عربدة من خلال بعض الحثالة والقذرين لا تمت لهم الرجولة بصلة» مطالبة محافظ الخليل ورجال الإصلاح والعشائر والأجهزة الأمنية بالتدخل والضرب بيد من حديد واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار ذلك.
ووثقت فيديوهات لمواطنين وصحافيين لحظة الاعتداء على طالبات في الكتلة الإسلامية بجامعة الخليل، بعد وقفة احتجاجيّة رافضة لاعتداءات طالت طالبات الكتلة في وقت سابق.
وأظهرت الفيديوهات عملية اعتداء، وضرب، ورش غاز الفلفل، ومصادرة كاميرا، وسحل للصحافي نضال النتشة، واعتداء على الصحافيين ساري جرادات وعبد المحسن شلالده ولؤي عمرو.
وقال الصحافي نضال النتشة في حديث صحافي أنه تم الاعتداء على الصحافيين من عناصر الشبيبة الفتحاوية بالضرب ورش الغاز ومصادرة الكاميرا خلال عملهم الصحافي أمام جامعة الخليل، كما وحمل المسؤولية للأجهزة الأمنية وإدارة الجامعة وطالب بمحاسبة المعتدين.
حرية التنظيم والعمل
وعقب رئيس لجنة الحريات العامة في الضفة الغربية مصطفى البرغوثي حيث طالب بضرورة الإفراج عن جميع الطلبة المعتقلين في الخليل وإعطاء حرية التنظيم والعمل لكل القوى في الجامعات الفلسطينية.
ورفض البرغوثي وهو الأمين العام للمبادرة الفلسطينية «أي اعتداء على الطلاب أو قمع لحرية الرأي والتعبير في كل مكان».
وفي ذات السياق أعلنت الكتلة الإسلامية وجبهة العمل التقدمي في جامعة الخليل، الدخول في اعتصام مفتوح داخل الحرم الجامعي رفضاً للاعتقال السياسي والاعتداء على الطالبات، وذلك وسط انتشار مكثف للأجهزة الأمنية في محيط الجامعة.
واستنكرت الكتلتان الطلابيتان، في مؤتمر صحافي لهما، من داخل الجامعة «اعتداء الشبيبة الطلابية على طالبات الكتلة الإسلامية، وعدم احترامها للعرف» مؤكدتان على الحق في العمل الطلابي والنقابي.
ملف الاعتقال السياسي
على الجانب الآخر، وبعيدا عن ملف الاعتقالات في صفوف طلبة الجامعات ما يزال ملف الاعتقال السياسي في صفوف المقاومين المحسوبين على مجموعات المقاومة في جنين ونابلس الملف الأكثر حضورا، فقد اندلعت اشتباكات قبل أيام بين مقاتلين في مخيم جنين، وعناصر أجهزة الأمن الفلسطينية رفضًا لاستمرار اعتقال الأمن لخالد عرعراوي، وهو والد أحد الجرحى وعم أحد شهداء المقاومة في جنين، منذ ما يزيد عن أسبوعين.
وقال أحد عناصر كتيبة جنين في مقطع فيديو مصور، إن السلطة اعتقلت خالد عرعراوي، والد الجريح الذي فقد البصر كمال عرعراوي، وعم الشهيد مجد عرعراوي، على خلفية «تهم باطلة» وحتى الآن ما يزال مصيره وحتى مكان اعتقاله غير معلوم.
وقال المتحدث، إن عناصر المقاومة توجهت لأكثر من جهة لإطلاق سراحه «ولكن كل منهم يرمي على الطرف الآخر» مضيفًا: «من هنا من مخيم جنين نطالب بالإفراج عنه للحفاظ على وحدة الدم وعلى ما تبقى بيننا».
وطالب السلطة بالكف عن عناصر المقاومة وترك المقاومة وحدها «لا نريد أن تقاتلوا بدلاً عنا وإنما تركنا وشأننا ووقف الاعتقالات السياسية».
وتواصل أجهزة الأمن حملة ملاحقة واعتقال لعدد من كوادر ومحرري حركة الجهاد الإسلامي، طالت كلاً من خالد ومراد ملايشة ومحمد براهمة لليوم الـ31 على التوالي، رغم قرار المحكمة بالإفراج الفوري عنهم. كما تواصل اعتقال خمسة نشطاء من بلدة جبع وهم: عيد محمد حمامرة، ومحمد سليم علاونة، ومحمد فايز ملايشة، ومؤمن عدنان فشافشة، وعماد محمد خليلية، لليوم الـ18 على التوالي.
وكانت حركة الجهاد الإسلامي رفضت المشاركة في اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية في القاهرة من دون إطلاق سراح المعتقلين السياسيين لدى الأجهزة الأمنية.
ومن قطاع غزة نظمت حركة الجهاد الإسلامي مسيرة جماهيرية دعت إلى تهيئة الأجواء الإيجابية للوحدة بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين بالضفة وفي مقدمتهم قادة كتيبة جبع مراد ملايشه، ومحمد براهمة.
وجاء في كلمة عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، خالد البطش، أن الاختلاف في الموقف حول الاعتقالات السياسية بالضفة لا يعني دخول الحركة في صراع أو مناكفة أو افتراق مع حركة فتح ورجالها رفاق درب المقاومين.
اعتقال على خلفية الرأي
وفي سياق متصل، أعلنت «مجموعة محامون من أجل العدالة» تصاعد حملة الاعتقالات السياسية وارتفاع وتيرة القمع التي تمارسها الاجهزة الأمنية منذ مطلع الشهر الجاري؛ حيث تابعت المجموعة تزايدا في حالات الاعتقال على خلفية استخدام حرية الرأي والتعبير إلى جانب الاعتقالات في صفوف مقاومين ومطلوبين للاحتلال.
ووثقت المجموعة خلال الشهر الجاري اعتقال جهاز الأمن الوقائي ثلاثة مواطنين بسبب ممارسة حرية الرأي والتعبير، منهم الصحافي عقيل عواودة والمواطن محمد حريبات والشيخ مصطفى أبو عرة قبل ان يتم الإفراج عنهم لاحقاً بالكفالات.
وكانت النيابة العامة قد وجهت للمذكورين تهما متفاوتة ما بين الذم الواقع على السلطة وإثارة النعرات العنصرية وإطالة اللسان على الرئيس استناداً لقانون العقوبات، وقرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية، وهي ذات التهم التي ترفع في وجه المعارضين للسلطة الفلسطينية.
وجاء في بيان «محامون من أجل العدالة» أنها تنظر لهذه الاعتقالات باعتبارها تعسفية لا تستند إلى قانون، كونها تخالف القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتطالب المجموعة بضرورة وقف هذه الاعتقالات والكف عن ملاحقة المواطنين على هذه الخلفية.
وطالبت المجموعة بضرورة إلغاء القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية رقم 4 لسنة 2018 الذي أقرته السلطة التنفيذية بهدف تكميم الأفواه والحد من النقد المشروع على وسائل التواصل الاجتماعي، سيمّا وأن كافة القضايا التي يتم إحالتها على خلفية هذا القانون ضمن حرية الرأي والتعبير تحصل على أحكام قضائية بالبراءة.
وترى المجموعة أن اللجوء إلى مصادرة الحرية واحتجاز المواطنين على خلفية ممارسة حرية الرأي والتعبير على وسائل التواصل الاجتماعي يدخل ضمن باب الانحراف والتعسف في استعمال السلطة لأهداف سياسية لا تنسجم بالمطلق مع القانون الأساسي الفلسطيني.
خطأ فاحش
بدوره طالب الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي بالإفراج عن جميع الطلبة المعتقلين في الخليل وإعطاء حرية التنظيم والعمل لكل القوى في الجامعات الفلسطينية، ورفض أي اعتداء على الطلاب أو قمع لحرية الرأي والتعبير في كل مكان.
وأقر البرغوثي رئيس لجنة الحريات في الضفة الغربية حالة تدهور الحريات في الضفة الغربية تحديدا، وكذلك قطاع غزة، ورأى أنه كلما تأزمت العلاقة ما بين السلطة والشعب الفلسطيني فإن منسوب القمع والاعتقال السياسي يتضاعف.
ورأى أن أمام تدهور حالة القمع لم يعد هناك من يريد استمرار هذا النهج، فـ»طريق أوسلو أوصلنا إلى ما نحن فيه، وهو دليل على صحة موقف المبادرة التي رفضت الاتفاقية، واليوم نرى أن الشعب يبحث عن خيار استراتيجي يقاوم الاحتلال من خلاله، وهو أمر يعمق أزمة العلاقة بين السلطة والشعب الفلسطيني».
وأظهر استطلاع مسحي في شهر حزيران/يونيو من عام 2023 أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن أغلبية الفلسطينيين يؤيدون تشكيل المجموعات المسلحة لمقاومة الاحتلال، ويرفضون ملاحقة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لها.
وحسب نتائج الاستطلاع، فإن 71 في المئة من الجمهور يؤيدون تشكيل مجموعات مسلحة مثل «عرين الأسود» و«كتيبة جنين» و86 في المئة يعتقدون أنه لا يحق للسلطة الفلسطينية ملاحقة أفراد هذه المجموعات، كما أن 80 في المئة يعارضون تسليم أفراد هذه المجموعات أنفسهم للأجهزة الأمنية لحمايتهم من الاغتيالات. وأظهر الاستطلاع أيضًا، أن 55 في المئة من المستطلعة آراؤهم أعربوا عن خشيتهم من أن يؤدي تشكيل هذه المجموعات لاشتباكات مسلحة بين أفرادها من جهة وقوى الأمن الفلسطينية من جهة أخرى.
وأكد البرغوثي في حديث خاص لـ«القدس العربي» على ضرورة تجريم كل أشكال الاعتقالات السياسية ووقف حالة قمع الحريات، في ظل توسع حالات الاعتقال التي أصبحت تترافق مع اعتقال المقاومين، والنشطاء من طلبة الجامعات، والنشطاء الذين يعبرون عن وجهات نظرهم عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وطالب البرغوثي بإحياء لجنة الحريات التي كان لها دور فاعل بعد عام 2011 حيث كان هناك تعاون في تلك الفترة مع الجهات الأمنية والفصائل الفلسطينية ومن خلالها تم حل مجموعة كبيرة من حالات الاعتقال السياسي.
وشدد على ضرورة إحياء اللجنة التي انبثقت عن اجتماع الأمناء العامين، إلى جانب منحها الصلاحيات ليكون لها الدور الإيجابي في وقف التعديات.
ورأى البرغوثي أن ما يجري في الضفة الغربية من تصاعد الاعتقالات وحالات القمع بإنه يحقق ما يريده الاحتلال، فهو يسعى إلى تعميق اختلاف الفلسطينيين وشق صفوفهم.
واعتبر ما حدث في مدينة الخليل بإنه خطأ فاحش، وهو يعني انتقال ملف الاعتقال السياسي إلى بعد أعمق حيث الاعتداء على الفتيات وطالبات الجامعة أمام بوابات الحرم الجامعي، وهو أمر أدى إلى تدهور الأمور وخروجها عن السيطرة باتجاه تدخل العشائر والعائلات.