منذ إندلاع الثورة الشعبية في تونس تركزت إهتمامات الباحثين والإعلامين والسياسين بتحليل ماذا يحدث وكيف يحدث وإلى أين ستصل وما هي النتائج ومن هي مراكز القوى التي تحرك ‘أدوات الثورة’. فأصبح لدينا مؤتمرات ومنتديات وحوارات مفتوحة ومغلقة لنقاش ما يدور في الوطن العربي وما هي أفاق التغيير وما هي مخرجات هذه التحركات/ الثورات. تابعت معظم التحليلات والمقالات الصحفية والتقارير وكنت كغيري من الناس الذي إهتموا بما يسمى ‘بالربيع العربي’، ودخلت بنقاشات حول ما يحدث وما سيحدث. ولكن لاحظت أن كل الأطروحات المتداوله بين الناس تنحصر ب بثلاث فئات: الأولى تعتبر أن الشعوب العربية بدأت تتحرر وتقف مع الشعوب ضد أنظمة الحكم. والفئة الثانية: إعتبرت أن هذا التغيير وهذه الثورات هي من صنيعة قوى خارجية تريد تمزيق الدول العربية ذات السيادة وإحداث فوضى في المنطقة العربية ككل لأن الرؤساء العرب لم يعد يلبوا مصالحهم في تلك المناطق. الفئة الثالثة: ترى بأن ما يحدث هو تصديق للتفسير الدين الإسلامي والمتعلق بعلامات يوم القيامة من خلال تحقيق المخطط الصهيوني اليهودي وهو بناء إسرائيل العظمى من البحر للنهر، وظهور قيادة الإسلام السياسي لبناء الدولة الإسلامية التي ستزحف لتحرير بيت المقدس. يهمني أن أحدد محاور التحليلات والتوقعات للواقع العربي سواءً من مختصين أو من الشعب والمراقبين، وذلك لكي أفهم نسق التفكير وطرق فهم التغيرات من وجهات النظر المتداولة عبر الإعلام عموماً. إن ما حدث في تونس إختلف عن ما حدث بليبيا ومصر واليمن وسوريا، هذا الإختلاف واضح للمهتمين وله أسبابه والتي لا أريد الخوض بها في هذا المقال، ولكن سأركز على الحدث الأبرز وهو ما يحدث بسوريا وما تتناقله وسائل الإعلام عن المجازر والقتل الذي يحدث هناك. إستفزتني تحليلات بعض الفئات التي تقول أن النظام السوري هو الشوكة الأخيرة في حلق الإستعمار، وما إلى ذلك من تفسيرات أخرى مشابهة.
وهنا أتساءل: كيف يمكن أن نقف إلى جانب نظام فاسد يشبه كل الأنظمة العربية الأخرى؟ من هو المسؤول عن تردي الوعي العربي والثقافي والعلمي؟ من هو المسؤول عن الفقر والجوع والفساد المستشري في البلاد العربية؟ أي دولة من الدول العربية وأي نظام عربي بنى نظاما إجتماعيا ودولة تحترم الفرد والإنسان وتؤسس للوعي النيِّر؟ أي نظام عربي حمل نموذجا تنمويا واضحا يمس الجميع ويحقق التنمية لجميع فئات المجتمع بدون تمييز على أساس عرقي/ ديني/ جهوي/ حزبي… إلخ؟ هل يكفي أن نعلق فشل هذه الأنظمة والمجتمعات على الإحتلال والإستعمار وعلى غيرنا؟ وهل الإستعمار يكون دائماً من الخارج؟ هل يكفي أن نقول أن هذا النظام أو ذاك يقف في وجه الإستعمار دون أن نقول ماذا فعل هذا النظام لشعبه أولاً؟ هل مؤسسات الدولة الوطنية العربية أنتجت نُظم وعي جديدة أم أعادت إنتاج نفس النظام التقليدي الجاهل المعيق للتنمية بمفهومها الشامل؟.
كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى تبحث بفكرة واحدة فقط مفادها: أن الإقصاء والتهميش الإجتماعي وسلب الوعي وإعادة إنتاج نفس الطبقات الحاكمة وتوريث الجهل والجشع والطمع كلها مجتمعةً السبب الرئيسي في تردي الأوضاع، والأنظمة العربية عبر التاريخ هي السبب المباشر في ذلك لأنها ‘ولي الأمر الشرعي للشعوب’. فعندما تزرع قمحاً تحصد قمحاً وعندما تزرع حباً تحصد حباً وعندما زرعت هذه الأنظمة جهلاً حصدت جهلاً ودماراً ونهباً وقتلاً. ما يحصل الآن هو حصاد أفعال القيادات التاريخية والسياسية العربية، وحصاد الأفكار التي أشبعت الشعوب قوالب ثقافية زائفه بالية تحمل في طياتها كل معاني الإقصاء والتهميش والتوريث. الأنظمة العربية لم تنتج فكراً يحتذى به في الحكم ولم تنتج تنميةً ولا تطوراً بالمعنى البنيوي، فحرية الفرد وبناء الثقة معه يحتاج لإحترامه وإعطاءه قيمته الإنسانية وليس إستعباده وجعله عبداً للقائد والرمز والملك والرئيس، وإعتباره أداه صمّاء تتحرك بأوامر وتابعة بالمطلق لجشع عائلي طبقي جهوي. إن الدماء التي تنزف من الشعوب العربية يتحمل مسؤوليتها كل عالِم محكتر وكل مسؤول أناني وكل قائد جائر وكل عائلة حاكمة وكل تاجر منافق وكل أكاديمي منظِّر وكل من يعتقد بأنه يحكم بإنسانية الشعوب ويحلل ويحرم. فالثورة هي ثورة الحرية التي ملّت من الخضوع والخنوع، والتحركات الشعبية هي جزء من الحراك الطبيعي الكامن في اللاوعي الثقافي والمعرض للإنفجار حال توفر الظروف. إن الشعوب التي ثارت ثارت لأن الحرية هي التي دفعتها سواءً بوعيهم أو بدون وعيهم. فالطبيعة البشرية والحقوق الطبيعية تدافع عن ذاتها لأنها لا تقبل أن تكون غير طبيعه إنسانية تحمل إرث الله وتستخلف ذاتها لأنها حقيقه من حقائق الخالق المطلقة. بسام عزت عورتاني