الحرية والصوفية في مربَّعات المقاومة لابن عروس المصري

ظهرت في مصر العديد من الفنون الأدبية الفلكلورية، ومن أكثرها شهرة فن المربَّعات، أو كما يُطلق عليه اسم فن الواو، الذي ظهر في صعيد مصر وابتدعه شاعر يُلقَّب ب»أحمد بن عروس» وهو شخصية تناقل خبرها أهل الصعيد وينسبون له أشعار شعبية، ولا توجد له دواوين مكتوبة، ولا يوجد دليل واضح على أنه من ألَّف مجموع الأشعار المنسوبة له. وفي سيرته العديد من المفارقات لكونها من التراث الشفاهي الذي تتناقله الأجيال، وليس تراثًا مكتوبًا، ولهذا تتعدد حوله الروايات، وإن اتَّفقت على أن شخصية الشاعر «ابن عروس» حقيقية، وأنه رائد الفلكلور المصري الأصيل المسمى «بفن الواو» أو المربَّعات.
والسبب في تسمية هذا اللون الأدبي من الأشعار بفنّ «الواو» أن الراوي كان يستهل روايته بقول «وقال الشَّاعر» وكذلك كانت تكثُر في سياق الشعر «واوات» العطف، مما جعل منها لازمة من الواجب قولها. أمَّا عن تسمية هذا اللون من الشعر الفلكلوري ب»المربَّعات» فالسبب أن الأشعار تأتي على شكل أربع شطرات، ويغزوها الجناس التام.
ومن المربَّعات الشهيرة التي قالها «ابن عروس»:
إوعى تقول للندل يا عم
وإن كان على السرج راكب
ولا حد خالي من الهم
حتى قلوع المراكب
وكذلك قوله:
جاني طبيبي مع العصر
وف إيده ماسك عصاية
أتاري طبيبي قليل الأصل
من خصمي جابلي الوصاية

ويلاحظ أن المربَّعات لها مبنى فريد؛ حيث إن الشطرين الأول والثالث لهما قافية موحَّدة، في حين أن الشطرين الثاني والرابع تتوحد أيضًا فيهما القافية. والمبنى المعروف لأي مربَّع هو أربع حركات وتسمى تبعًا لترتيب الشطرات: العتب والطرح ثم الشد والصيد. ويتكون المربَّع من بيتين من بحر «المجتث» «مستفعلن فاعلاتن» مرتين، لكن الشطرتين الأولى والثانية تنتهيان بحرف واحد كأنه قافية تختلف مع قافية البيتين المشتركة، فيبدو الأمر كأنه رباعية؛ لذا عُرفت أشعاره ب»مربعات ابن عروس». ويلاحظ أن المربعات تتميَّز بسهولة اللفظ وعُمق المعنى، وكثيرًا ما يلجأ الشاعر للتورية والكلام غير المباشر حتى يعبِّر بحرِّية عن رأيه ونقده لما يسود المجتمع من فوضى واستبداد.
ولقد ولد «ابن عروس» عام 1780م في مدينة قوص، بمحافظة قنا بصعيد مصر لأبوين فقيرين، ولمَّا اشتدّ عوده صار قوي البنيان وتميَّز بقوة بدنية ملحوظة، وزان ذلك منظره المهيب. ولقد نشأ في عصور التدهور بدولة المماليك، وغالبًا في عصر «مراد باشا». وحينذاك كانت الفوضى تعمّ البلاد، ويتفشَّى معها الظلم والجهل؛ كان المماليك يرفلون في النعيم ويستحلُّون استنزاف أموال البلاد، بينما أبناء البلد لا يجدون قوت يومهم. ولذلك، كوَّن عصابة إجرام فتَّاكة، يهاجم بها حتى موظفي الدولة، ويفرض الإتاوات على النَّاس بالصعيد، وأشاع الفوضى، لدرجة أن الحكَّام لم يصبحوا قادرين على ردعه.
وفي بداية الأمر، حاول الحكَّام كسر شوكته؛ لإجباره على الطَّاعة، لكنهم فشلوا. فما كان منهم الَّا التلطُّف معه والتقرُّب إليه؛ لاتِّقاء شره ولضمه حليفًا. وبفضل السلب والنهب، وما جباه من ضرائب وإتاوات، تضخَّمت ثروته وعظمت لأقصى حد. واستمرَّ إجرامه لمدَّة ثلاثين عامًا متوالية أذاق فيها النَّاس ألوانًا من الظُّلم والقهر.
ولقد تحوَّلت حياته لمنعطف آخر مناقض حينما وجد عروسًا في هودج عُرسها، وكان عمرها أقلّ من خمسة عشر عاما. فُتِن بها ذاك المجرِم العتيد، وقرر أن يتزوَّجها، وكان حينها قد بلغ العقد السادس من عمره. لكن العروس غافلته وهربت مع حبيبها. وبعد هروبها تبدَّلت أحواله؛ فتاب إلى الله، ووزع ثروته بأكملها على الفقراء، دون أن يستبقي لنفسه ولو القليل منها. ثمَّ، هام على وجهه في البلاد عبدًا متصوِّفًا ناسكًا يدعو للفضيلة، وينفِّر من الرذيلة ومغبَّتها، ويحضّ النَّاس على التمسُّك بمكارم الأخلاق، ولذلك استحدث هذا اللون الفريد من الأشعار ليجذب بها المستمعين. واستمر على ذلك الحال لأكثر من عشرين عامًا إلى أن توفَّاه الله في عمر الثمانين. ولقد اعتاد ترديد أن هجر عروسه له كان بمثابة مولد جديد له، ولذلك أُطلق عليه لقب «ابن عروس» علمًا بأن الباحثين لم يتوصَّلوا لمعرفة اسمه الحقيقي حتى الآن. ولقد ذهب البعض إلى الخلط بينه و»ابن عروس التونسي» لكن الفرق بينهما واضح؛ ف»ابن عروس التونسي» صوفي وشيخ طريقة، ويفصل بينهما 300 عامًا من الزمان. أضف إلى كل هذا، أشعار «ابن عروس المصري» باللهجة المصرية الخالصة وتعبر عن الواقع الثقافي لعصره.
ويلاحظ أن أشعار «ابن عروس» مكتوبة باللهجة العامية لأنه في سنوات الانحطاط، تدهورت مكانة اللغة العربية في عموم مصر بعد عصورٍ من الازدهار. بيد أنَّ الشاعر «ابن عروس» بموهبته الفطرية استحدث طريقة جديدة لقول الشعر تعتمد على التداخل الصوتي، ومن خلاله يعمل على تقطيع أو اتصال الشطرات الشعرية حتى يحافظ على القوافي المنطوقة، وليست المكتوبة. ومن خلال مشاهداته الحكيمة لأوضاع البلاد، أصبح «فن الواو» واحدًا ليس فقط من أشعار الموعظة والحكمة، بل أيضًا لونًا من أدب المقاومة والنقد اللاذع للظواهر السلبية بالمجتمع.
ويمكن نعت أشعار «ابن عروس» بأنها تضاهي في شهرتها في مصر قصائد «المتنبي»؛ فهي أشعار وحكم مازالت تتناقلها ألسنة العامة منذ مئات السنوات. فعلى سبيل المثال، يُشاع بين العامة قوله:
من حبنا حبناه
وصار متاعنا متاعه
ومن كرهنا كرهنا
يحرم علينا اجتماعه
وكذلك:
نصحتك ما انتصحت
والطبع فيك غالب
وديل الكلب لم ينعدل
لو حطوا فيه قالب

ولعل السبب في شهرتها ورواجها أن أشعاره احتوت جميع الإجابات الحكيمة على كل ما يدور في خاطر العامة من تساؤلات. فلقد أصبحت أشعاره بمثابة الأمثال الحكيمة والمرجع لكل معضلة تجابه المرء.
وتحظى أشعار «ابن عروس» بشعبية واسعة حضَّت صنَّاع الدراما على أن يجعلوا منها جزءًا أصيلا في أعمالهم أو حتى التَّغنِّي بها في «تترات» المسلسلات؛ فلا يمكن أن ينسى أحد «تتر» مسلسل «ذئاب الجبل» الذي أصبح خالدًا بفضل استهلاله بمربع «ابن عروس» القائل:
ولابد من يوم محتوم
تترد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم
أسود على كل ظالم
والأمثلة على أشعار «ابن عروس» المحفوظة فطريًا بين العامة في مصر لا تعد ولا تحصى. وأمَّا تأثيره، فلا يزال باقيًا ليس فقط بين البسطاء، بل امتد لمن تلقُّوا تعليمًا راقيًا مثل الصحافي «أحمد القوصي» (1860-1915) والشيخ «حسن عبد الرحيم الفرشوطي» (1883-1949) وغيرهم كثُر في كل الأجيال وصولا للعصر الحديث، ويعدّ الشاعر «عبد الستَّار سليم» أحد روَّاد فن المربَّعات في الوقت الحالي.
لقد استطاع «ابن عروس» بموهبة فطرية صادقة أن يصنع تيَّارًا فنِّيًا جعل الحكمة والبعد عن الابتذال مبدأه، ومقاومة السلبيات السائدة غايته.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية