«الحريرة» تتعافى من حمى الطماطم على مشارف رمضان والمغاربة يستعدون للفرح الروحي بعيدا عن هواجس كورونا

عبد العزيز بعبو
حجم الخط
3

الرباط – «القدس العربي»: بدت ملامح التعافي جلية على «الحريرة»، الحساء المغربي الشهير، بعد أن شرعت حمى الطماطم بالانسحاب من جسدها شيئا فشيئا على مشارف شهر رمضان.
المسألة ليست مجرد أسعار خضروات ارتفعت، بل هي نجمة الشهر الفضيل التي بدونها لا وجود لـ «الحريرة» التي يشتهر المغاربة بها في شهر الصيام، هي العمود الفقري للمائدة المغربية وما عداها مجرد كماليات لبهجة العين والروح والبطن طبعا.
من خلال جولة خفيفة في بعض أسواق القرى في عدد من المدن المغربية، نجد سعر الطماطم قد شارف على العودة إلى قواعده السابقة، أي 6 دراهم (0,62 دولار) للكيلو غرام الواحد، عوض التحليق في علياء الزيادات ب 13 درهما (1,34 دولار) في وقت سابق.
سعر الطماطم الذي كان بمثابة كابوس حل مكان كابوس سابق، وهو الجائحة التي جعلت رمضان في المغرب وفي كل البلدان العربية الإسلامية يمر صامتا دون عاداته الموروثة. طرح المواطنون أسئلة عن السر في تراجعه، فكان جواب المحللين الاقتصاديين يتمثل في التوقف عن تصديرها بشكل كبير.

أخبار متداولة

وفي هذا الإطار، كانت أخبار متداولة في عدد من المنابر الاعلامية المغربية، تفيد بأن مسؤولين حكوميين وفاعلين اقتصاديين اجتمعوا وخرجوا بقرار حتى إشعار آخر، يقضي بجعل تصدير الطماطم مقتصرا فقط على المنتجين والمصدرين الذين تربطهم عقود قطعية مع شركائهم في الخارج، والتي لا يمكن الإخلال ببنودها.
مباشرة بعد أيام عن هذا القرار، كان وعد الحكومة على لسان الوزير الناطق الرسمي مصطفى بايتاس، بأن «الأسعار ستعود خلال اليومين المقبلين إلى الانخفاض».
وهو ما كان بالفعل، قرار حصر التصدير انعكس بشكل فوري على أسعار الطماطم، لتعلن «الحريرة» تعافيها من الحمى ونزول حرارتها والاستعداد لتزيين موائد المغاربة في شهر متوقع ان تعود فيه الحياة إلى طبيعتها تقريبا، مادام السيد «كوفيد» يصر على إطالة زيارته.
لكن، وهنا تصبح هذه الكلمة مبعث خوف، حين يقول المتتبعون للشأن الاقتصادي، إن قرار حصر التصدير على المصدرين الذين تربطهم عقود قطعية مع شركائهم في الخارج، والتي لا يمكن الإخلال ببنودها، هو قرار مؤقت فقط، لأن أسعار بيع الطماطم بالمغرب لا يمكنها أن تغطي الكلفة الحقيقية للإنتاج، وبالتالي فإن المنتجين سيتكبدون خسائر مالية مهمة، ستدفعهم إلى تغيير أنشطتهم الفلاحية إن امتد قرار المنع لأكثر من شهر، وبالتالي ستعود الأسعار للارتفاع أمام قلة المعروض.
بهذه «الخوارزمية» الاقتصادية إن جاز التعبير، يضع المغاربة أيديهم على قلوبهم خشية انقضاء شهر رمضان وبالتالي عودة أسعار الطماطم إلى سابق الارتفاع، والعهدة على رواة الاقتصاد الذين ادلوا برأيهم في هذه النازلة الحسائية.
نعود ادراجنا إلى ما قاله الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس قبل مدة قصيرة، حين كشف عن أسباب ارتفاع سعر الطماطم في الأسواق المغربية، قبل أن يستطرد بالقول إن «سعر هذه المادة الحيوية سيعود إلى الانخفاض خلال اليومين المقبلين».
الوزير بايتاس، اكد أنه «ليس هناك مشكل على مستوى إنتاج مادة الطماطم، حيث تم التقيد ببرنامج وزارة الفلاحة»، وأن «المنتَج متوفر وكاف جدا، ولم يكن مفروضا أن يرتفع ثمنه في السوق».
وفي خضم التفسيرات التي أعطاها الوزير نفسه لارتفاع اسعار الطماطم، قال إن «هناك طلبا كبيرا على هذه المادة على المستوى الدولي، حيث كان هناك توجه نحو التصدير». باختصار يريد أن يقول إن المشكل يكمن في التصدير، لكنه عاد ليشير إلى أن «السوق الداخلية غير معقلنة وتشوبها اختلالات بسبب تعدد الوسطاء»، ومنها مر الوزير إلى طمأنة المواطنين بأن «الأسعار ستعود، خلال اليومين المقبلين، إلى الانخفاض». تبدو حكاية الطماطم وعلاقتها برمضان مثل حكايات العشق والحب والهيام التي عاشها قيس وليلى وروميو وجولييت وغيرهما من عشاق الحب الممنوع، كذلك هو عشق المغاربة للطماطم و»الحريرة» في رمضان، لكن الفرق أن هذه وجبة أساسية بالنسبة للموائد، لذلك فالعشق هنا اضطراري.
الحكاية سارت في درب مواقع التواصل الاجتماعي بخطوات ساخرة في كثير من الاحيان، فبعضهم وصف الطماطم بعروسة رمضان وبعضهم التقط صورا مع نجمة الشهر الفضيل، والبعض الآخر اقترح الاستغناء عن «الحريرة»، هي هلوسات حمى الأسعار لا غير، لكنها تجد مبررها في الألم الذي يصيب الجيب قبل الرأس.
ليس المغاربة وحدهم من يعشقون الطماطم، فالبندورة كما يسميها الشاميون، يتهافت عليها الأوربيون بشكل كبير، مما جعل تصديرها صفقة تجارية رابحة جدا للمصدرين، بينما المنتجون من مزارعين وغيرهم يكتفون بهامش ربح عادي جدا يغطي مصاريفهم ويترك لهم فائض التعب.
بالحديث عن الطماطم، نلقي نظرة على هذه الزراعة التي تعتبر الأولى مغربيا من حيث حجم الصادرات بالنسبة للخضار، وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن انتاجها السنوي يصل ما يقارب 800 ألف طن، يكون جزء منه موجه للتصدير.

حجم تصدير الطماطم

وفي مجال الأرقام دائما، تفيد الاحصائيات أنه خلال الثمانية أشهر الأولى من عام 2020، بلغ حجم تصدير الطماطم حوالي 342 ألف طن، بقيمة فاقت سقف 4 مليارات درهم.
وحسب الاحصائيات نفسها، فقد سجلت صادرات الطماطم المغربية 567 ألف طن خلال الموسم 2019/2020، أما موسم 2020/2021 فقد تميز بوضعية تجارية ملائمة في الأسواق الدولية، إذ ارتفعت صادرات هذا المنتج بنحو 3%، لتبلغ 117 ألف و400 طن حتى 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، وارتفعت الصادرات إلى الدول الأوروبية بنسبة 12في المئة.
«الخضّار» كما يصف المغاربة بائع الخضر، يجلس اليوم في محله مرتاحا نوعا ما، فقد زال الجدل والنقاش المحتد والغضب، زبائنه راضون نوعا ما عن مستجدات أسعار الطماطم، والعودة إلى 6 دراهم كانت كافية لتسد باب جحيم الانتقاد. وإلى أن يهل هلال رمضان يتمنى المواطنون أن يبلغوه لا فاقدين ولا مفقودين، وأن تتواصل حالة التعافي لتشمل كل المواد الاستهلاكية التي عاث فيها المضاربون والوسطاء فسادا وغلوا تجاوز سقف ما يستطيعه المواطن البسيط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية