بيروت- «القدس العربي» : قبل ساعات على بدء الاستشارات النيابية الملزمة في قصر بعبدا لتسمية الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة حصلت مفاجأة أطاحت بموعد الاستشارات وبالتكليف المرتقب للرئيس سعد الحريري. هذه المفاجأة تمثّلت بموقف حزب القوات اللبنانية بعد اجتماع «تكتل الجمهورية القوية» الذي يضم 15 نائباً مسيحياً والذي قرّر عدم تسمية الحريري ما يجعل الحريري ينطلق من رقم 57 صوتاً في استشارات التكليف أي أقلّ من نصف عدد أعضاء مجلس النواب المحدّد ب64 نائباً ويفقده كذلك الغطاء المسيحي في ظل امتناع «تكتل لبنان القوي» برئاسة الوزير جبران باسيل عن التصويت للحريري شريكه السابق في التسوية الرئاسية.
وبناء على هذا التطور، اتصل الرئيس الحريري صباح الاثنين برئيس مجلس النواب نبيه بري طالباً إليه التمني على رئيس الجمهورية ميشال عون تأجيل الاستشارات، وأتبعه باتصال مماثل بالرئيس عون متمنياً تأجيل الاستشارات لأسبوع، فتجاوب عون لكنه اكتفى بالتأجيل 3 أيام كي لا يصادف الموعد المقترح من الحريري مع عيد الميلاد، وعلى هذا الأساس صدر البيان عن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية بتحديد موعد جديد للاستشارات يوم الخميس في 19 كانون الأول الحالي.
تيار المستقبل ينتفض: لا ننتظر تكليفاً من التيار الحر أو من القوات ولن نكون رهينة عند أحد
وفي انتظار يوم الخميس تُطرح علامات استفهام حول الموقف الذي سيتخذه الحريري «هل يستمر في مشواره الحكومي أم يتنحّى لشخصية أخرى يسمّيها؟ وإذا رغب بمواصلة مسيرته الحكومية كيف سيؤمّن المزيد من الأصوات لتكليفه؟ وهل سيتمكّن من إقناع القوات اللبنانية بالتصويت له أم سيرضخ لشروط الوزير باسيل للحصول على أصوات تكتله؟
مكتب الحريري
وأوضح بيان صادر عن مكتب الرئيس سعد الحريري أسباب طلبه التأجيل بالقول «في اطار الاتصالات السياسية قبل موعد الاستشارات النيابية الذي كان محدداً اليوم (أمس)، إتضح أن كتلة التيار الوطني الحر كانت بصدد ايداع أصواتها فخامة رئيس الجمهورية ليتصرّف بها كما يشاء. وهذه مناسبة للتنبيه من تكرار الخرق الدستوري الذي سبق أن واجهه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في عهد الرئيس اميل لحود، وللتأكيد أن الرئيس الحريري لا يمكن أن يغطي مثل هذه المخالفة الدستورية الجسيمة أياً كانت وجهة استعمالها، في تسمية أي رئيس مكلف. وفي اطار الاتصالات نفسها، تبلّغ الرئيس الحريري فجر اليوم (أمس) بقرار حزب القوات اللبنانية الامتناع عن التسمية أو المشاركة في تسمية أحد في الاستشارات النيابية، الأمر الذي كان من شأنه أن ينتج تسمية من دون مشاركة أي كتلة مسيحية وازنة فيها، خلافاً لحرص الرئيس الحريري الدائم على مقتضيات الوفاق الوطني. وبناء عليه، تداول الرئيس الحريري مع دولة الرئيس نبيه بري، الذي وافقه الرأي، وتوافقا على أن يتصل كل منهما بفخامة رئيس الجمهورية للتمني على فخامته تأجيل الاستشارات أياماً معدودة تفادياً لإضافة مشاكل دستورية ووطنية إلى الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والمالية الكبيرة التي يواجهها بلدنا، والتي يرى الرئيس الحريري أن التركيز يجب أن يكون كاملاً على معالجتها حفاظاً على مصالح اللبنانيين ومعيشتهم وأمانهم».
تيار المستقبل
وما لم يقله بيان الحريري، أعلنه «تيار المستقبل» في بيان عالي النبرة جاء فيه «تقف البلاد أمام منعطف مصيري، ينذر بأوخم العواقب نتيجة التسابق على تسجيل النقاط السياسية في هذه الخانة أو تلك .وقد كان من المثير للريبة في هذه المرحلة وقبيل ساعات من بدء الاستشارات النيابية الملزمة، ما صدر عن بعض الكتل النيابية بالامتناع عن تسمية اي شخصية لتكليفها تأليف الحكومة، وما يحيط الاستشارات من غموض والتباسات ومحاولات التفاف، تسعى إلى محاصرة موقع رئاسة الحكومة والخروج على القواعد الدستورية في تسمية رؤساء الحكومات». ورأى أن «هناك تقاطعاً للمصالح جرى ترجمته في الموقف الذي صدر عن «التيار الوطني الحر» قبل أيّام وقضى بإعلان التحاقه بالساحات والانضمام إلى صفوف المعارضة، وبين الموقف الذي صدر بعد منتصف الليلة الماضية عن كتلة «القوات اللبنانية» وقضى بالامتناع عن تسمية أحد في الاستشارات. وفي الترجمة السياسية لهذين الموقفين أنهما توافقا على عدم تسمية الرئيس سعد الحريري، واجتمعا على حكومة لا يكون سعد الحريري رئيساً لها».
وقال تيار المستقبل «من المؤسف ان يأتي ذلك في ضوء معلومات وتسريبات من مصادر عدة بأن كتلة «التيار الوطني الحر» كانت بصدد ايداع أصواتها فخامة رئيس الجمهورية ليتصرّف بها كما يشاء.وهذه مناسبة كي نحذّر من تكرار الخرق الدستوري الذي سبق أن واجهه الرئس الشهيد رفيق الحريري في عهد الرئيس إميل لحود». وأضاف «هناك جهات اشتغلت طوال شهرين على انكار ما يحصل بعد 17 تشرين لتعلن بعد ذلك انها جزء لا يتجزأ من الحراك الشعبي والثورة، وهناك آخرون يرون الفرصة مؤاتية ليعملوا فيها تشي غيفارا كي يبقوا في الشارع لغايات في نفوس أصحابها. وهناك من قرّر ان يقلب الطاولة على نفسه ويركض وراء تركيب خيمة في ساحة الشهداء بحثاً عن مقاعد متقدمة في صفوف الثورة».
وختم بأن «تيار المستقبل ينأى بنفسه عن هذه السياسات، وهو في المقابل وبكل وضوح لا ينتظر تكليفاً من «التيار الوطني» ولا من «القوات» للرئيس الحريري، ولا يقبل ان يتحوّل موقع رئاسة الحكومة إلى طابة تتقاذفها بعض التيارات والأحزاب. موقع رئاسة الحكومة اكبر من كل هذه الهرطقات، ولن تكون رهينة عند احد مهما علا كعبه .فالرئيس الحريري قدّم استقالته ليفتح باباً امام حل يحاكي مطالب الناس، لكن يبدو ان بعض المصالح تقاطعت على تعطيل تأليف حكومة.والرئيس الحريري و»تيار المستقبل» لن يدخلوا بألاعيب الانتقام ولا بأي مشروع لتخريب البلد والوقوع بالفتنة. وإذا كانت هناك فرصة لتلبية مطالب الساحات فليكن. واذا كانت هناك فرصة لتسمية شخصية سنية بمستوى الموقع … فليكن ايضاً. المهم ألا يعتقد أحد انه قادر على أخذ البلد للخراب، لان نار الخراب ستكوي الجميع، واولّهم الاحزاب ورجال السياسية الذين يتلطون خلف الثورة ويعتبرون انفسهم ابطال هذا الزمن.زمن البطولات انتهى، زمن العضلات السياسية انتهى. هذا الزمن لمن يتحمّل المسؤولية ولمن يفتح اذناه لصرخات الشباب والصبايا وليس للمتاجرة بآلام اللبنانين واوجاعهم وركوب موجات القلق والتذمر في الشارع.
كلمة اخيرة لجمهور «تيار المستقبل» وكل من يحب الرئيس سعد الحريري. ممنوع الانجرار لأي تحرك أو استفزاز بالشارع. نحن خط الدفاع عن الدولة والمؤسسات لكننا قبل أي شي نحن خط الدفاع عن السلم الاهلي والعيش المشترك وأمن الناس وسلمية التحركات الشعبية. مسؤوليتنا ان نحمي البلد وان نحافظ على وحدتنا لنقف سداً منيعاً في وجه الذين يريدون الدستور على قياس مصالحهم واحلامهم وكل الذين يعتبرون جرّ البلاد إلى الفتنة هدفاً وطنياً بامتياز».
التيار العوني
اما «التيار الوطني الحر» فجاء في بيان صادر عن لجنته المركزية للاعلام أنه «للمرة الثانية يستجيب رئيس الجمهورية لطلب رئيس تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري، بتأجيل موعد الاستشارات النيابية الملزمة لأسباب متعلّقة به .إن التيار الوطني الحر اذ يقدّر تعاطي الرئيس ميشال عون، ضامن التوازنات، بحكمة مع الموضوع، وادراكاً من التيّار لعمق المأزق وخطورة الوضع، يدعو بكلّ ايجابية إلى التوقّف عن اضاعة الوقت والموافقة على اقتراح «تكتل لبنان القوي» بولادة حكومة إنقاذ فاعلة مؤلّفة من أهل الجدارة والنزاهة رئيساً ووزراء، لتبدأ فوراً بمواجهة الأزمة الحادة تفادياً لتعميق الانهيار الذي يهدّد بضرب الاستقرار.
وعليه يجدّد التيار طرحه بأن يقدم الرئيس الحريري من موقعه الميثاقي على العمل سريعاً لاختيار اسم يتوافق على جدارته وموثوقيّته لتولي رئاسة الحكومة بحيث يقوم بالتشاور مع رئيس الجمهورية وبمساعدة ودعم الكتل البرلمانية بتأليف حكومة تضم وزراء لا تشوبهم شائبة فساد ويتمتعون بالكفاءة والجدارة، كما يشارك فيها أهل الجدارة من بين الحراك ليتحمّل مسؤوليته في عملية الانقاذ بدل أن يواصل اهل السياسة استغلاله قمعاً او تشجيعاً حسب مصالحهم». واضاف «ان التيار الوطني الحر يؤكد استعداده للمساهمة بولادة هكذا حكومة تجمع الميثاقية بالجدارة، لأن الهدف الأوّل للتيّار ليس المشاركة فيها بل نجاحها في تحقيق مطالب الناس ووقف الانهيار وانقاذ البلاد، وبخلاف ذلك فإن التيّار غير معني بالبحث بأي حكومة عنوانها الفشل لأنه ليس جلياً ومضموناً انّها ستعمل على تغيير السياسات المالية والاقتصادية، ومحاربة الفساد، وتنفيذ الاصلاحات البنيوية، والخطط القطاعيّة؛ بل سيبقى خارجها عاملاً على تحقيق برنامجه ومطالب الناس بالاصلاح.»
القوات اللبنانية
وكانت «القوات اللبنانية» في بيان صدر قرابة الساعة الثانية من فجر الاحد وتلقّت « القدس العربي « نسخة عنه أكدت بعد اجتماع التكتل أنها «تتمسك بالتحالف على المستوى الاستراتيجي الذي يجمعها مع تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري، هذا التحالف الذي حقق انجازات عدة في طليعتها الدفاع عن مشروع السيادة والاستقلال ولبنان اولاً والتوازن الوطني، وبالتالي هذا التحالف الذي انطلق مع انتفاضة الاستقلال ما زال مستمراً، وسيبقى على هذا النحو حتى قيام دولة فعلية في لبنان».وأشار البيان إلى أن «القوات اللبنانية دأبت ومنذ 2 أيلول الماضي، في اجتماع بعبدا الاقتصادي على المناداة بتغيير الممارسة والمسار من خلال استقالة الحكومة والمطالبة بتشكيل حكومة من اختصاصيين مستقلين، وقد أتت انتفاضة 17 تشرين الأول لتعزز طرح حكومة المستقلين بشكل كبير». وأضاف: «عليه، تعتبر القوات أن لا شيء يعلو على تشكيل حكومة إنقاذ تشكل حاجة ماسة للبنان واللبنانيين في هذه الأيام، كما تعتبر بأنه يجب التوقف جدياً عند مطلب الناس بحكومة اختصاصيين مستقلين».
وختم « لذلك، فإن القوات اللبنانية لن تسمي أحداً في استشارات يوم الاثنين في 16 كانون الأول/ديسمبر 2019، على أن تعطي الثقة للحكومة في حال كانت مؤلفة من اختصاصيين مستقلين يتمتعون بثقة الناس ويلبون طموحات ومطالب اللبنانيين».