“الحزام والطريق” وأخواتها ومستقبل “ما بعد الغرب”: هل ستعيد الصين تعريف الحضارة؟

حجم الخط
2

“هذا انتصار للسلام”، قال الدبلوماسي الكبير فانغ يي بعد أن أشرف على توقيع اتفاق التطبيع بين إيران والسعودية في 10 آذار الماضي. أكد فانغ أن هذا النجاح يجب أن ينسب لسكرتير الحزب والرئيس الصيني شي جي بينغ و”مبادرة الدفاع الدولية” جي.اس.آي التي وضعها. نفس هذه المبادرة ذكرها أيضاً وزير خارجية الصين تشين قانغ كأساس محتمل لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وطرحها للمرة الثالثة في محادثة له مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في 17 نيسان في سياق النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين.

خلال العقد الأخير كانت مبادرة “الحزام والطريق” هي التي تحمل راية سياسة شي بينغ الخارجية. ولكن في السنوات الأخيرة أضيفت لمبادرة الحزام والطريق ثلاث مبادرات جديدة: الأولى مبادرة “التطوير العالمي”، التي كشف عنها شي بينغ في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول 2021، على خلفية تباطؤ النمو العالمي في ظل وباء كورونا، وكان هدفها العلني هو مساعدة المجتمع الدولي في تحقيق 17 هدفاً على أجندة العام 2030 للتطوير المستدام. في حزيران 2022 أعلنت الصين عن 32 خطوة عملية لتطبيقها، شملت مبادرات قائمة للصين وأضيفت لها أدوات ومصادر تمويل جديدة، منها إضافة مليار دولار لصندوق تطوير دول جنوب العالم وتدريب 100 ألف عامل.

المبادرة الثانية، جي.اس.آي، تم الكشف عنها في نيسان 2022 كاستكمال للمبادرة الأولى حسب الرؤية الماركسية، التي تقول بأن “الأمن شرط مسبق للنمو، والنمو رهينة للأمن”. في ورقة نظرية جي.اس.آي التي نشرت في شباط الماضي بمناسبة مرور سنة على الحرب في أوكرانيا، دعت الصين إلى أمن “مشترك، شامل، تعاوني وقابل للبقاء”، يحترم سيادة الدول ويتعامل مع تخوفاتها الأمنية. النظرية الأمنية التي تسوقها، توصف بأنها تخضع لميثاق الأمم المتحدة وستحل النزاعات بالطرق السلمية وستحافظ على أمن العالم بـ “أمن تقليدي” (هذه مجالات مرتبطة بالحروب واستخدام القوة)، وأمن “غير تقليدي” (مثل المناخ والاقتصاد والإنترنت والأوبئة).

في آذار الماضي، أضيفت لهذه المبادرات مبادرة “الحضارة العالمية” جي.سي.آي، التي ستركز كما يبدو على مجالات “ناعمة”، منها التعليم والثقافة. وزير خارجية الصين أوضح بأن هدف هذه المبادرة هو تطوير “الوحدة والانسجام والاحترام المتبادل والتفهم” بين جميع الثقافات والحضارات المختلفة، وتشجيع العلاقات بين الشعوب وتأييد “القيم الإنسانية المشتركة”.

       ما الفرق بين المبادرات الجديدة ومبادرة الحزام والطريق؟

في كانون الأول القادم ستحتفل بي.آر.آي (مبادرة الحزام والطريق) بذكراها العاشرة. نحو 13.500 مشروع في 150 دولة بمبلغ يصل إلى تريليون دولار ارتبط باسمها. ولكن إلى جانب المساعدات الاقتصادية التي تقدمها للدول المشاركة، تعاني المبادرة في السنوات الأخيرة من عدة مشكلات في الصورة، من بينها الفساد، والديون الخفية، والإضرار بالبيئة وبحقوق العمال (الادعاء السائد الذي يقول بأن الصين تنصب “شرك ديون” من أجل السيطرة على عقارات، لا أساس له من الأدلة). التحديات تفاقمت بسبب مشكلات في التمويل، في الداخل والخارج، وبسبب عدد من مبادرات التطوير المنافسة لـ “جي 7” والاتحاد الأوروبي والهند واليابان.

خلافاً للمبادرات الجديدة، فإن جذور “الحزام والطريق” مغروسة في مبادرات تطوير داخل الصين وتخرج منها. من جهة أخرى، المبادرات الجديدة، شبيهاً باسمها، هي عالمية من البداية وتدفع قدماً بمواضيع تتعرض لخطر عالمي كبير، حسب أقوال دبلوماسي صيني رفيع عن جي.دي.آي. “من الذي يمكنه معارضة التعاون في التطوير؟”. حصلت جي.دي.آي حتى نيسان الماضي على دعم أكثر من 100 دولة ومنظمة عالمية ومباركة السكرتير العام للأمم المتحدة، وانضم نحو 70 دولة لمجموعة أصدقاء جي.دي.آي في نيويورك.

عندما تولى شي (69 سنة) للمرة الثالثة وبدون أي وريث يلوح في الأفق، فإن عبادة الشخصية المرافقة للمبادرات (في وسائل الإعلام يسمون ذلك “حضارة شي”) استهدفت إعطاء الشرعية لسلطة الزعيم والحزب الذي يترأسه كـ “استراتيجي ماركسي مشهور”، الذي “يهتم بمصير الإنسانية”. إضافة إلى ذلك، هي تعكس تطور سياسة شي الخارجية من سلبية إلى نشطة، أو تعكس “روح النضال” التي يشجعها على خلفية “اضطرابات دولية غير مسبوقة منذ مئة سنة”، كما يقول. ولأن الصين أصبحت معتمدة أكثر على العالم وبالعكس، لا يكفي أن ترد على التغيرات بطريقة غير واضحة، فعلى بكين أن “تقترب أكثر من مركز المسرح الدولي” وتبادر من أجل أن تتلاءم التغيرات مع مصالحها وقيمها.

في نهاية المطاف، المبادرات الثلاث تعكس إيمان بكين الحقيقي في عدالة طريقها. بعد مرور أربعة عقود على النمو الذي يقترب من الرقمين، تحولت الصين من دولة فقيرة إلى دولة اقتصادية عظمى. وحسب رأي شي، فإن صعود الصين هو الصورة المعاكسة لأفول الولايات المتحدة والغرب، والدليل على تفوق “نموذج الصين”. المبادرات الثلاث تقف إلى جانب “الحزام والطريق” وليس كبديل عنها على اعتبار أنها الخطة الرئيسية” للنظام العالمي الجديد – مستقبل ما بعد الغرب الذي سيشهد “نهوض شعب الصين” وتحقق رؤية شي، مجتمع بشري مع مصير مشترك.

جي.دي.آي استهدفت وضع جدول أعمال لتطوير عالمي ووضعه تحت قيادة الصين. رؤية هذا التطوير تضع مصالح الدولة المتعلقة بالتطوير فوق حرية الفرد. خلافاً لـ “طريق الحرير” التي مركزها الصين، فأطر مثل “مجموعة أصدقاء جي.دي.آي” تنتظم برعاية الأمم المتحدة وتؤيد أهداف التطوير العالمي. هذه الحقيقة تعطي الشرعية الدولية وتساعد على “هضم الأفكار غير الليبرالية التي تسوقها”، مثل التعاون السيبراني تحت فكرة “سيادة الإنترنت” للصين – إنترنت مقطوع ومراقب. وحتى عندما تم الكشف عن جي.سي.آي، أعلن شي بأن نجاح نموذج التطوير الصيني يحطم الأسطورة التي تقول بأن التحديث يساوي قيمة الغربة. في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بإذكاء “تصادم الحضارات” فإن الصين تريد السماح لـ “جميع الورود في حديقة الحضارات بأن تتفتح”. الصين تستخدم بالنسبية الثقافية لإعادة تعريف قيم أساسية مثل “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” بأنها تتغير وفقاً لمعايير الدولة ذات السيادة (والمحافظة). هكذا، هي تسعى إلى صد “التدخل في الشؤون الداخلية” على خلفية هذه القيم “الدولية بالاسم والغربية بالاستخدام” التي تنتهكها.

       مغزى ذلك بالنسبة لإسرائيل

بما يشبه الحزام والطريق، فإن الصين لم تضع حتى الآن آلية ميزانيات للمبادرات الثلاث وجدول أعمال واضحاً. ويظهر أيضاً أن وساطة الصين بين إيران والسعودية تتعلق بـ جي.اس.آي فقط بأثر رجعي، بما يشبه الطريقة التي ربطت فيها الحزام والطريق عدة مشاريع بدأت قبل إطلاقها، أي أنه يجب عدم التعامل مع المبادرات الثلاث على أنها مغلفات فارغة. وحتى لو بقيت معظم الأفكار على الورق، فالمكان الرئيسي الذي تحتله في سياسة الصين الخارجية يقتضي من إسرائيل الوعي والمتابعة لتطورها.

في محادثة مع رئيس الدولة إسحق هرتسوغ في تشرين الثاني 2021 طلب شي من إسرائيل المشاركة فعلياً في جي.دي.آي. لكن إسرائيل لم ترد على هذا الطلب حتى الآن، أو أنها عبرت عن موقف من المبادرات الثلاث. ولكن إذا وافقت على الطلب بالإيجاب أو أن شخصيات إسرائيلية رفيعة عبرت عن دعمها فستنضم إلى عدة دول غير ليبرالية مع إعطاء إنجاز دعائي للصين ضد الغرب. وإذا انضمت ثم اضطرت إلى الانسحاب، فعلاقتها مع بكين ستتضرر بما يشبه تضرر العلاقة بين الصين وإيطاليا، الدولة الوحيدة في “جي 7” التي انضمت للحزام والطريق في 2019، وهي الآن تحاول التراجع. إن معارضة المبادرة من جهة أخرى ستعتبر استفزازاً وستضر بالعلاقات بين إسرائيل والصين. بناء على ذلك، فإن مصلحة إسرائيل بالنسبة لـ جي.دي.آي هي عدم الانضمام أو التعبير عن الدعم الشامل، وفي الوقت نفسه الاستمرار في التعاون على أساس المشروع. يجب عليها التعامل مع مركبات المبادرة بشكل منفصل مع الموازنة بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسة الخارجية والأمنية.

جي.سي.آي في المقابل، هدفت إلى تقويض الحضور الأمني للولايات المتحدة وأطر بقيادتها، بما في ذلك في الشرق الأوسط. وهي قد تضر باتفاقات إبراهيم ومجموعات أمنية إقليمية برعاية الولايات المتحدة والـ آي2 يو2، ما يتبلور بتعاون ناعم بين إسرائيل والولايات المتحدة والهند والإمارات. إضافة إلى الأخذ في الحسبان بأن بكين منحازة عقائدياً للفلسطينيين وتوفر لإيران شريان حياة اقتصادياً وشرعية دولية وحلولاً تكنولوجية لبقاء النظام، فإن دعم مبادرة الأمن العالمي يتعارض مع مصالح إسرائيل الاستراتيجية.

إلى جانب الموضوع الأمني، فإن الإشكالية التي في دعم إسرائيل لمبادرات الصين، تم التعبير عنها في المجالات المعيارية والقيمية. الدعم العلني لـ جي.اس.آي لميثاق الأمم المتحدة هو غطاء من الدخان يغطي على رفض الصين لإدانة الخرق الأكثر فظاظة للميثاق، وغزو روسيا لأوكرانيا، الذي تبرره بكين والكرملين كرد على الانضمام للناتو. بنفس الدرجة، فإن النوايا الحسنة التي تسوقها التعاونات من أجل “الازدهار المشترك” و”العلاقات بين الثقافات” في ظل جي.سي.آي، تعمل على تآكل القيم الأساسية العالمية الليبرالية التي تستند إليها دول ديمقراطية مثل إسرائيل. ومثلما أنه غير موصى به التوقيع على وثائق قبل قراءتها، فإن على إسرائيل عدم تبني أي مبادرات جديدة أو تؤيدها قبل فحص مضمونها وتداعياتها بعمق.

 طوبيا غرينغ

نظرة عليا 4/6/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية