الحسناء والعجوز

حجم الخط
0

كانت بجانب أختها حينما تلقت رسالة من إقامة باحوس العجوز. فتحتها وأصابعها ترتجف. قرأت بسرعة أن باحوس يطلب منها الحضور إلى إقامته من دون تأخير. تروعت، ومكثت لدقائق مأخوذة بالإعجاب الذي أبداه بالطلب المكتوب الذي وجهت إليه، وبالصورة الأنيقة التي أرفقت بطلبها. لم تستشر أحدا عندما اختارت من بين صورها واحدة تبدو فيها حسناء، وساحرة ، وهي تدرك أن السحر لا يوجد فقط في أناملها التي تعد الطعام بمهارة فائقة، لكنه يوجد أيضا في ملامحها المتألقة الآسرة. لذا، فإن العجوز، وأهله جميعا، ينتظرون قدومها، وهم يعدون دقات الساعة منذ تغادر بيتها إلى أن تدخل قاعة الاستقبال.
لم تدر ريهام ما تفعل. كانت ذاهلة، ولم تعرف حالة ذهول كهذه، ولاشك أنها لن تعرفها في حياتها أبدا. تملكها الارتياب، فتجمدت في مكانها لحظات، ثم فتحت الرسالة من جديد وجعلت تقرأ بتأن كما لو لتدفع عنها الشك. ولما انتهت تأكدت أن الأمر حق، وأن العجوز نفسه هو من دعاها إلى الحضور ووقع بخط يده في أسفل الرسالة. التفتت نحو أختها وتبادلتا نظرات طويلة. نوار أصغر منها سنا، وما تزال يافعة، ومع ذلك مالت نحوها وسألتها إن كان ما حصل حق، أم أنها تحيا لحظة وهم ستعبر كما تعبر سحابة بيضاء وتعود إلى الصواب.
ابتسمت الصبية برضا، ولم تخف يقينها في أن الرسالة كتبها العجوز بالفعل، ولا ريب في أن وجهها الأبيض المستدير قد ملكه، فقرر استدعاءها بلا تردد. واستغرقت تتأملها، ثم وضعت كفها على كتفها وقالت إن لها وجها مثل وجوه النساء اللواتي تطالعهن على أغلفة المجلات، وهن مشرقات وملامحهن عذبة، دافقة بالسحر، وهن بذلك يفتن الرجال. أخبرتها لتكون واثقة مما سمعت أنها قرأت حكاية عن سيدة تدعى هيلين طروادة، وهي حسناء فاتنة، وقع في حبها رجل، جن بحبها كما جن قيس بليلى، فرافقته وتركت بيتها دون أن تبالي بشيء. وأكدت لها أنها هي أيضا قادرة على أن تبهر رجلا وتفعل معه ما لا يخطر على بال أحد.
صمتت، وكان عليها أن تحدثها عن بعض تفاصيل الحكاية لكنها لم تفعل، ودعتها إلى أن تستعد للذهاب إلى إقامة العجوز. لاحت ريهام مطمئنة مبتهجة.
نهضت بسرعة. قامتها رشيقة خفيفة تسعفها على أن تتحرك بخفة. مضت إلى غرفتها. ثم عادت بعد دقائق أنيقة في تمام لياقتها. رفعت رأسها وتوجهت صوب نوار. حضنتها الصبية ودعت الله أن يحفظها. أمها كانت دائما تحذرها من عين السوء. كانت تدرك أنها حسناء وتخشى أن يلحقها أذى، وهي الآن صارت أكثر سحرا وأناقة. تزينت على نحو ما يلزم، وارتدت بنطالا قصيرا وقميصا مطرزا فتحت أزراره العليا.
لم تندم على تقديم طلبها. كانت يائسة تماما يوم أرسلته، ولم تتوقع أن تحظى برد من العجوز. غادرت بيتها وقد غمرتها أحاسيس لم تعتدها. دعوات نوار تلاحقها. كان صوتها دافئا كأصوات الطيور.
ارتجفت ساقاها حين خطت خارج الباب، لكنها تماسكت وراحت باتجاه محطة الحافلة. من يشك في أنها ذاهبة عند باحوس، العجوز الكريم، الذي لاينام، مثل ديك بدوي مثابر، يقضي وقتا وجيزا في سريره فينهض لتدبير شؤون حياته، وهو باسم، مرح، منبسط الملامح، لكن عينيه خادعتان مثل عيني ثعلب مهجور؟ كانت كلما رفعت بصرها يمينا أو شمالا رأت عيون الناس تلاحقها. هل علموا أنها تلقت رسالة من العجوز وأنها الآن متجهة صوب إقامته، تتعثر أحيانا، وأحيانا تبدو في تمام توازنها؟ لم تخنها قوتها، وتابعت بعزم إلى أن وصلت إلى المحطة وركبت الحافلة.
بعد وقت غير طويل كانت أمام المدخل الرئيسي لمبنى ضخم خلفه أشجار باسقة كثيفة. رفعت بصرها إلى أعلاه فبدت كأنما تنظر إلى قمة جبل. وجدته مفتوحا وعلى يمينه امرأة متوسطة العمر، سمراء وبدينة، تحمل بذراعها باقة زهور.
تسارعت أنفاسها وهي تستقبلها مرحبة، ثم تقدم لها الباقة وترافقها إلى قاعة الاستقبال. كانت لبقة. شفتاها غليظتان لكن صوتها رخيم رقيق. ارتجت ريهام بقوة وهي تدخل إلى القاعة. رأتها فسيحة شاسعة، جدرانها منقوشة ومزينة بالصور والتحف النادرة، مفروشة عن آخرها بأرائك جلدية رحبة. ورأت العجوز في لباس أنيق، متكئا على ظهره، وأمامه مائدة عريضة سطحها من زجاج سميك مصقول.
ارتكز على حافتها ونهض. مد يده إلى ريهام فتقدمت منه وجلة. حنت رأسها قليلا وحيته، ثم تراجعت. أخذت مكانها وهي تسمع عبارات إطراء غير متوقعة. احتست كأس عصير برتقال معطر، ولاذت بالصمت إلى أن قام العجوز وسار باتجاه غرفته. في هذه اللحظة دخل كلبه برأس ضخم وقوائم طويلة. قفز إلى عنقه وقبله. بعد برهة دخلت امرأة قصيرة مسنة وطلبت من الكلب أن يهدأ. أصاب ريهام الهلع حينما تأخرالعجوز خطوة وتقدمت المضيفة. فتحت لها الغرفة بهدوء. رأتها عالية السقف، ممتدة الأركان، في وسطها سرير واسع على يمينه كتب بأغلفة جلدية لامعة، تبدو مثل لوحة بخطوط وألوان منقوشة على الجدار بمهارة، وعلى يساره مجسمات صغيرة لكائنات مختلفة الأشكال. دارت ريهام بعينيها فبدا عليها الإحساس بأنها وقعت في أسر.
تكدر وجهها وخطت خلف المضيفة صوب حمام ملون الجدران، وأنصتت لها تحدثها عما عليها أن تفعل كلما نهض العجوز من نومه. أرتها آلة الحلاقة وعلب الصابون وأصناف العطور. ثم تحولت إلى المطبخ الذي يغص بالأواني المعدنية وعلب التوابل، وقالت لها إن العجوزحينما يعود في منتصف النهار يشتهي كل ألوان الأطعمة وأمامها كل ما يلزم لإعدادها. لم تقل كلمة. كانت عيناها تبرقان وهي تنظر حواليها بقلق كأنما تبحث عن منفذ لتفر منه. لكنها لم تقدر، وتابعت الإنصات لها وهي تخبرها أن العجوز قبل أن يشرع في تناول الطعام عليها أن تأتيه بالطاس الفضي الأبيض ليغسل يديه، ولما ينتهي تأتيه بهذا الطاس أيضا لينظف يديه وفمه. بعد ذلك ينام قليلا ثم يخرج لتدبير شؤون إقامته. وفي المساء لابد أن تغسل رجليه وتدلكهما وهو مسترخ فوق أريكة يتلذذ حركة أصابعها، وقد تدلك جسده كاملا إذا هو رغب. وحينما يتقدم الليل عليها أن تأتي إلى جواره لينظر في وجهها وتتبادل معه الحديث، أو تمزح معه إذا هو شاء إلى أن يشبع. وإذا شبع تركته ليتمدد فوق سريره ويستمتع بأحلامه الطويلة.
شهقت ريهام وضربت على صدرها كأنها ندمت، أو ارتكبت إثما.
كانوا ثلاثة ورابعهم كلبهم. تفرست في وجوههم بذعر، ثم تراجعت من غير أن تنطق بكلمة. لكنها لم تتمالك نفسها طويلا، فاهتزت فجأة واستدارت في حركة خاطفة، وانطلقت تعدو، ولم تتوقف إلى أن تلقتها أختها فاستسلمت لذراعيها حتى استعادت أنفاسها، وكان المساء قد حل، وأخذ الظلام في الانتشار،فشرعت تحكي لها عن شرك باخوس العجوز وما يضمره من حيل وأسرار.

الرباط/المغرب

محمد غرناط

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية