مالك التريكي
أيا يكن الرأي في مسلسل ‘الحسن والحسين’، الذي أخل بما قر عليه رأي علماء الدين من تحريم تشخيص الصحابة وآل البيت، فإن من إيجابياته أنه يعطي للجمهور الواسع فكرة عن السياق الذي نشأت فيه ‘الفتنة الكبرى’ التي لا يزال المسلمون يقاسون امتداداتها ومضاعفاتها حتى اليوم. ذلك أن الفتنة الكبرى لم تكن أول حرب بين المسلمين فحسب بل إنها لا تزال، على مستوى الوعي، هي الحرب الوحيدة: الحرب التي لا تريد أن تضع أوزارها. لذلك فهي معاصرة لكل عصر سواء في شكل معارك طاحنة أم في شكل حرب أهلية باردة.
صحيح أن المسلسل يميل، على ما يبدو من الحلقات الأولى، إلى المبالغة في اعتماد نظرية المؤامرة بإرجاع جذر الخلاف إلى مكائد عبد الله بن سبأ الذي نسب له السيناريو القول بأنه كان يريد للمسلمين أن يختلفوا على حب الإمام علي بمثلما اختلفوا على كره الخليفة عثمان. لكن المسلسل، في ما بث حتى الآن من حلقات، لم يخرج في رواية الأحداث عما هو متعارف عليه في كتب قدامى الإخباريين من أهل السنة، أي أنه ينتهج الرواية المعتمدة لدى أغلبية المسلمين. ولعل أوضح تلخيص لهذه الرواية، في العصر الحديث، هو المتضمن في كتاب طه حسين بجزأيه ‘الفتنة الكبرى’ و’علي وبنوه’. بل إن أشهر عمل أكاديمي معاصر في هذا الشأن، أي كتاب هشام جعيط ‘الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر’، لا يورد ما ينقض هذه الرواية، علما أن من مزاياه أنه يفتح، بإثارة عميق القضايا، أفقا منهجيا لفهم تاريخي أمثل لحاضر المسلمين الثقافي والسياسي. ولا معنى هنا للاعتراض بأن مثل هذا المسلسل يمكن أن يثير النعرات المذهبية. أولا، لأن هذه النعرات ليست وليدة زمن التلفزيونات والمسلسلات، بل هي متأصلة منذ القديم في أساس التصور عن الذات عند الجماعات ذات الوعي المذهبي أو الطائفي. وثانيا، لأن هذا الكلام إنما يعني أنه محكوم على الأغلبية الإسلامية (أي على مئات الملايين من المسلمين) أن تمتنع عن تقديم روايتها الذاتية للتاريخ.
والطريف أنه قد قيل مثل هذا الكلام بالضبط في بداية رمضان الماضي عندما بثت قناتا ‘المنار’ و’ان بي ان’ اللبنانيتان الحلقة الأولى من مسلسل عن سيرة السيد المسيح، فاضطرت القناتان إلى وقف بثه ‘درءا للفتنة الطائفية’. لكن بصرف النظر عن القضية المبدئية المتعلقة بحق كل جماعة في تقديم رواياتها وتكريس سردياتها في أعمال أدائية وعروض فنية بمثلما يحصل عند جميع الأمم الحية، وبصرف النظر عن مسألة التشخيص جوازا أو تحريما، فإن الملاحظ أن الحلقات الأولى من مسلسل ‘الحسن والحسين’ قد نجحت من الناحية الدرامية في تصوير أجواء الاحتقان والغوغائية التي سادت الفترة الأخيرة من حكم الخليفة الثالث. حيث أن المتمردين على عثمان بن عفان كانوا يزايدون عليه في العلم بصحيح الدين وفي السير على نهج النبي الكريم! زايدوا.. حتى تجاسروا على منع الماء عن عثمان وأهله، ثم اقتحموا عليه بيته وقتلوه وهو يتلو كتاب الله.
إلا أن أهم ما قد يستنتج من المسلسل هو أن تحويل أي دعوة دينية إلى دين سياسي أمر شبه مستحيل. لقد صور المسلسل كيف أن الحاكم يمكن أن يكون في قمة الورع والاستقامة، ومع ذلك فإنه لا ينجح بالضرورة في الحصول على إجماع سياسي. فقد كان عثمان من أحب الصحابة إلى النبي. زوجه من ابنته رقية. فلما توفيت زوجه الرسول من أختها أم كلثوم. لذلك لقب بـ’ذي النورين’. هو من العشرة المبشرين بالجنة. كان ‘صواما قواما’. ومع ذلك أرجف عنه أقوام فقالوا إنه جانب العدل في بعض شؤون الحكم.
تلك هي قصة الإسلام مع السياسة وقصة نكبته بها: أقل من ثلاثين سنة من الخلافة الراشدة (التي لم تمنع اغتيال ثلاثة من أصل أربعة خلفاء!)، وأربعة عشر قرنا من ‘الملك العضوض’ (عسف وظلم ‘كأن الرعية تعض عضا’: أي قانون الغاب والمخلب والناب). ومع ذلك فإن الساحة السياسية العربية تعج اليوم بأحزاب ‘ذات مرجعية إسلامية’ تريد إقناع الرأي العام بأنها أصلح من غيرها للسياسة وبأنها ستنجح في إقامة العدل وستفلح في ما لم يفلح فيه أخيار الصدر الأول من الإسلام. هذا رغم أن ما هو معروف من ممارسات بعض قادة هذه الأحزاب وأتباعها لا يطمئن على صدق انتسابهم للدين، ناهيك عن صحة مزاعمهم في السياسة.