الحسيني في زمان الصخب

حجم الخط
0

عزت القمحاوي عرفت الصحافة المصرية خلال مسيرتها الطويلة شيوخا أجلاء كثرا، كانوا يتمتعون باحتراف الصحافة والحياة معا، قبل أن تسقط في أيدي الجهلاء بالصحافة وبالحياة، ولا يعرفون سوى مراكمة الرشاوى المقننة في قصور شاطئية وفيلات في الضواحي لا يجدون الوقت للعيش فيها!

ومصطفى الحسيني من القلة الباقية من الشيوخ الذين جمعوا في قلوبهم بين حب الصحافة والإخلاص لها ـ مما أهله ليكون علما في الصحافة القاهرية والبيروتية على مدى ستين عاما ـ وبين حب الحياة الذي جعله يعرف كيف ينتقي المطاعم الأطيب والسهرات الأجمل وأماكن العيش الأكثر أناقة وراحة، وبالطبع النساء الأحلى!

في السنوات الأخيرة كان الحسيني يرى القاهرة ـ عشقه الأول ـ تتباعد وتنأى عنه والعيب فيها وليس فيه.

القاهرة التي كانت بهجة للناظرين بدأت شوارعها تتنكر شيئا فشيئا للوظيفة الجمالية المفترضة في أي تجمع حضري مديني اكتفاء بوظيفتها كمعابر من مكان إلى مكان، لكنها في السنوات الأخيرة كفت حتى عن تأدية هذه الوظيفة البسيطة. تحولت شوارعها إلى كراجات مفتوحة نتيجة الإخفاق في التخطيط والإخفاق في صنع تنمية متوازنة بين أقاليم مصر المختلفة تقلل الضغط على العاصمة وتحولت سماؤها إلى خيمة من الغبار حتى عافها السياح وعافتها كاميرات السينما (كل الأفلام المصرية الجديدة تجري في الإسكندرية) ولم يبق فيها إلا أسرى الوظائف التي لا نظير لها في مكان آخر!

كل هذا جعل الحسيني عاشق الجمال متململا في إقامته بين يأسه من القاهرة وعدم القدرة على البعد عنها. جرب جبل لبنان واسطنبول والإسكندرية، وفي النهاية عاد الشيخ الفتى إلى القاهرة يتأمل حال مصر، ويكتب بالإشراق المعروف عنه ‘مصر على حافة المجهول’ الكتاب الجديد الذي صدر عن دار ميريت مؤخرا، في غلاف أسود بلون أيام مصر المجهولة. *** المجهول الذي رآه الحسيني ورأيناه، قبل الزلزال التونسي، وكنا نأمل أن يفيق النظام الماضي إلى حتفه بثبات؛ فالثورات ليست مطلبا. المطلب الحرية وكرامة الإنسان وآخر دواء الاستبداد الكي.

يعرف قدْر الرجل قدر مصر، ويقلقه قدَرها الذي تسير إليه من خلال استمرار تجريف قدراتها بأيدي من ورثوا الحكم فيها وبتخطيط من واشنطن التي تريد تحويل الطوق العربي حول الكيان الصهيوني أرضا يبابا، غزوا للبنان فالعراق وبينهما تسليط قوى الهدم على بلاد أخرى وإطلاق غول الاستهلاك فيها(هناك سبعون مليون هاتف محمول بأيدي شعب تعداده ثمانون مليونا!). ناهيك عن تدمير التعليم ونشر احتقار لغتها القومية من خلال التعليم الأجنبي، وصولا إلى ما أسميته هنا ذات مرة ضجة القطار ويسميه أستاذنا الحسيني ‘زمان الصخب’ حيث الصوت العالي الذي لا يمكن أن نميز فيه الحديث عن الصياح. صخب فارغ ومفتعل في كثير من الأحيان طرفاه معارضة تتكلم بآلاف الأصوات في الوقت ذاته ونظام كف عن الإنجاز وتخصص في إثارة الخوف من الأوبئة واحدا بعد الآخر؛ الخوف من الفتنة الطائفية التي غذاها ومن سقوط البلد في أيدي الإسلامويين الذين رباهم تحت جناحيه، إلى الخوف من الأوبئة مثل انفلونزا الطيور بآثارها الاقتصادية المدمرة إلى انفلونزا الخنازير التي تعدت حدود الاقتصاد إلى حافة الفتنة الطائفية، لأن رعونة إبادة الخنازير اتخذت شكل حرب الإبادة التي تتقنع بالخطر وفي الجوهر تبدو تشفيا في الأقباط.

ومن أزمة إلى أزمة لا يقتصر إخفاق النظام الفاشل ولا تخريب المافيات على المقدرات الاقتصادية فحسب، لكن الأمور تتشابك، وحرب الاقتصاد تقوض معها سلطة القانون وتنشر الفوضى إلى حد يهدد وجود البلد نفسه أو على الأقل يهدد المجتمع المدني الذي عاش الحسيني وكل المستنيرين من أجل الحفاظ عليه وعلى ما يسمى بـ ‘الوجدان الوطني العام’ القائم على وجود جماعة وطنية تجمعها ثوابت وأولويات عامة، وليست حشدا عشوائيا من البشر يفتقد الحس و الطموح المشترك.*** لا يؤمن الحسيني بمقولة الشعب الضحية، لكنه يعلن قلقه من ظاهرة استنامة المصريين إلى فكرة استقلال بلدهم منذ اندحار العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بينما الاستقلال يبنى يوما بيوم. ومن هذه الحقيقة البسيطة ينطلق إلى مناقشة الجدل المصري حول التغيير ومعوقاته وآفاقه والتوريث وخدامه من جهة أخرى.

يصف الحسيني طريقا للتطور السياسي الذي يستهدف تغيير مصر إلى الأفضل بطريقة تختلف تماما عن الوصفة التي تتبعها النخب السياسية حتى الآن، بالتركيز على التظاهر والكتابة طلبا للديمقراطية، معتبرا أن هذا يصلح في مجتمعات تتمتع بحد أدنى من الديمقراطية والعقلانية، لكن ما تحتاجه مصر الآن ليس مجرد تفعيل حكم القانون على نحو ما يحدث في الديمقراطيات العريقة وإنما من خلال تمكين الناس من السيطرة على مقومات حياتهم اليومية، وتقليص اعتمادهم على السلطة الغاشمة بدلا من تدعيم ذلك الاعتماد وتعويدهم عليه.

ويقترح الحسيني طريقا لمبادرات الأفراد بالتعاون في مشروعات إنتاج صغيرة استلهاما من نموذجها الأصغر والأكثر بدائية الموجود والمعروف في جمعيات الإقراض المنتشرة بين ربات البيوت، وليست هذه هي الطــــريقة الوحيدة؛ فالمجتــــمع المصري يعرف الكثير من وسائل التعاضد الاجتماعي في جمعيات دفن الموتى وتعاضد أبناء القرى في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة.

يستنكر الحسيني ضيق أفق الرؤية التي تتصور حتمية التغيير من أعلى فقط، سواء باستجداء السلطة أو الاحتجاج ضدها، وإنما من خلال المجتمع المدني وإعادة أربع من قيمه التي كانت مستقرة وهي روح التطوع، روح التبرع، روح العمل الخيري العام، وروح اعتزاز الناس بقدرتهم على المبادرة في خدمة أنفسهم، مستقلين عن الدولة.

وهناك أخيرا قيمة خامسة لم يذكرها الجرنالجي المخضرم والمفكر الواعي، هي قيمة وجوده في حياة أمثالنا من تلاميذه المصريين والعرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية