اشتكى من ‘سوء تعامل’ إدارة التلفزيون المغربي مع أعماله الرباط ـ ‘القدس العربي’: اشتكى الفنان المغربي الساخر الحسين بنياز من ‘الإقصاء’ الذي قال إن إدارة التلفزيون المغربي تمارسه في حقه. واعتبر أن مدير القناة الأولى عمل على تغييبه من الشاشة الصغيرة لمدة ستة سنوات، وبعدها أخذ يتعامل مع أعماله إما بعدم برمجتها في أوقات ذروة المشاهدة، أو بعدم بث حلقاتها كاملة، أو بعدم توفير الدعاية التلفزيونية لها. وقال بنياز في حديث لـ’القدس العربي’ إنه مصر على مواصلة المعركة المشروعة لاسترداد حقه كفنان، مطالبا بضرورة التعامل على قدم المساواة وتكافؤ الفرص، سواء بين الفنانين أو بين الشركات الفنية.ـ ما سبب هذا الغياب عن جمهور التلفزيون، هل يعود ذلك إلى اعتبارات شخصية أم موضوعية؟ـ إنه ليس غيابا بل تغييبا، وسببه يعود إلى عام 2002، حيث كنت صورت عملا تلفزيونيا مدته ساعة و15 دقيقة، وهو عبارة عن سهرة ذات طابع فكاهي، تطرقت فيها إلى مجموعة من المواقف الاجتماعية بطريقة ساخرة. استقبلني آنذاك فيصل العرايشي (وكان مديرا للقناة الأولى قبل أن يصبح فيما بعد مديرا عاما)، ورحب بي، قائلا إن التلفزيون مفتوح لجميع الفنانين المغاربة. حين انتهيت من تسجيل العمل، انتظرت برمجته وتهييئه للبث، لكن ذلك لم يحصل. وقد برّر لي أحد المكلفين بالبرمجة بأن ذلك التاريخ (مايو 2002) يتزامن وقتها مع مباريات كأس العالم لكرة القدم، وطلبوا مني انتظار انتهاء هذا الحدث الرياضي. لكنني أوضحت لهم أنه إذا تأخر بث العمل، فستكون المواقف والأفكار المعبر عنها فيه متجاوزة وأصبح أنا أضحوكة للناس. لم أجد بدا من الصبر، إلى أن تمت برمجة عملي الساخر ذات أربعاء من شهر تموز (يوليو) من نفس السنة في حدود الساعة العاشرة إلا عشر دقائق ليلا. تم الإعلان عن العمل في الصحف وفي وصلة دعائية تلفزيونية. وكانت المفاجأة أنه ما إن شرع التلفزيون في تقديم السهرة لحوالي عشر دقائق، حتى تم إيقاف بثها بشكل غريب. اتصلت بأحد المكلفين بالإرسال، فأسرّ لي بأن فيصل العرايشي هو من أمر بإيقاف بث العمل. في اليوم الموالي، اتصلت بإدارة التلفزيون هاتفيا طالبا مقابلة المدير، فحددوا لي موعدا يوم الجمعة في الرابعة بعد الزوال. حضرت في الموعد، وبقيت أنتظر مدة ثلاث ساعات بالتمام والكمال، إلى أن جاء عندي أحد الموظفين، وقال لي: ‘لا داعي للقلق؛ لا يمكن لفيصل العرايشي أن يستقبلك.’ طبعا، تملكني الغضب، وقلت للموظف: ‘اذهب عند العرايشي، واسأله متى يمكنه أن أقابله، فمن الضروري أن ألتقيه لأعرف سبب إيقاف بث العمل المذكور.’ أجابني باستحالة الأمر، ملتمسا مني ترك رقم هاتفي لديه. بدأت أصرخ محتجاًّ على هذا النوع من التعامل، معتبراً أن مسؤول التلفزيون مطالب باستقبال الفنانين والاستماع إليهم. حينها، نادى الموظف على أحد رجال الأمن الموجود في باب مبنى التلفزيون، فقام بتوجيه لكمة إلي وإخراجي من الإدارة بطريقة عنيفة. إذّاك، خرج فيصل العرايشي وطلب من رجل الأمن إخلاء سبيلي. قلت له: ‘فات الأوان يا سي فيصل… عار أن أُهان في هذه المؤسسة التي قدّمت فيها أعمالي خلال حوالي أربعين سنة.’ ثم انسحبت وتوجهت إلى عيادة أحد الأطباء حيث أنجزت شهادة طبية، وقدمت شكاية لدى المحكمة. ونُشر الخبر في الجرائد، ونقل الصحافيون تصريحاتي التي تحدثت فيها عن الإهانة والظلم اللذين لحقا بي.تنفس الحسين بنياز الصعداء، وأضاف قائلا:تزامنت هذه الواقعة مع حدث وطني بارز، حيث اتصل بي المدير العام للأمن الوطني آنذاك حفيظ بنهاشم، واستقبلني في مكتبه، وشرحت له الأمر، مؤكدا على الضرر الجسدي والنفسي الذي لحق بي. طلب مني إيقاف الحملة الصحافية وسحب الشكاية من المحكمة، واعدا إياي بالتدخل لحل مشكلي؛ وهو ما قمت به. ومع ذلك، استمر حصار إدارة التلفزيون لي ورفضها لأعمالي من سنة 2002 حتى سنة 2008.في تلك السنة، اتصلت بي شركة للإنتاج كانت تتعامل مع التلفزيون المغربي، حيث صوّرنا سلسلة تلفزيونية من ثلاثين حلقة بعنوان ‘خفيف ظريف’، مدة كل واحدة منها ست دقائق. ورغم أن السلسلة كانت جاهزة للبث قبل رمضان 2008 بثلاثة شهور، فإن إدارة التلفزيون لم تبرمجها لهذا الشهر الكريم. فلم أجد بدا من طلب لقاء حفيظ بنهاشم مجددا، بعدما تولّى إدارة السجون. وأوضحت له أنه رغم تدخله لحل مشكل فيصل العرايشي معي، فإن هذا الأخير ما يزال يعرقل أعمالي. فاتصل به هاتفيا لينتهي اللقاء بوعد بحل المشكل. بعد ذلك، علمتُ عن طريق شركة الإنتاج المكلفة بالعمل، أنه تمت برمجة السلسلة خلال النصف الثاني من شهر رمضان، واختير لها وقت عدم المشاهدة وليس وقت الإفطار.تابع بنياز: ـ صوّرتُ للقناة الثانية عام 2009 عملا بعنوان ‘سعدي ببناتي’، ولم يُبرمج سوى عام 2010 في الساعة الواحدة ليلا. والكل يعرف علاقة فيصل العرايشي بالإدارة الحالية للقناة الثانية.وفي عام 2011، صورتُ الجزء الثاني من سلسلة ‘خفيف ظريف’، وتم بثها في القناة الأولى خلال شهر تموز (يوليو) قبل رمضان، بعد أخبار الظهيرة، أي في الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال، مما يعني عدم إمكانية مشاهدة العمل، فالوقت وقت عطلة، والكثير من الأسر موجودون في الشواطئ وأماكن الاصطياف. الأدهى من ذلك، أن القناة الأولى اكتفت بتقديم 15 حلقة فقط من السلسلة المذكورة، وحجبت باقي الحلقات.في عام 2012، وضعت لدى إدارة التلفزيون عملا جديدا، لكنه قوبل بالرفض. وما إن لجأت إلى الصحافة متشكيا من هذا الحيف، حتى طُلب مني الاجتماع مجددا بفيصل العرايشي. سألني: ‘ما المشكل؟’ فأجبته: ‘أنت حرمتني من العمل لمدة عشر سنوات (من 2002 إلى 2012)، وحتى إذا قبلتَ عملا ما فأنت تبرمجه في وقت عدم المشاهدة التلفزيونية. والحال أن ما يهمني هو أن يشاهدني الناس خلال أوقات الذروة، فهذا الأمر هو ما يفيدني في أعمالي الفنية الخاصة لمدة عامين أو ثلاث سنوات. وحين ترفض عملا ما، فهذا ضياع لي وللتلفزيون. كما أنك ترفض شركتي وتجبرني على التعامل مع شركات أخرى، وهو ما يجعل نسبة الاستفادة لدي ضئيلة جدا، حيث أتقاضى أجري فقط عن أدائي كممثل وكذا عن مواضيع الأعمال، ولا أستفيد كصاحب شركة فنية.’ سألني: ‘ماذا تطلب الآن؟’، فاقترحت عليه عملا ليدمج في شبكة رمضان. رفض ذلك، واقترح علي إمكانية برمجة العمل في رمضان 2013. قلت له: ‘طيب، وماذا أعمل طيلة هذه المدة؟’. حصل ذلك، خلال أيار (مايو) من العام الحالي؛ علماً بأنني أعرف أن إدارة القناة تعاقدت مع منتجين على أعمال لم تكن مكتوبة آنئذ، وتم الاتفاق على بثها خلال رمضان، ولم يكن خلال ذلك الشهر قد شُرِع في تصويرها بعد. قال لي العرايشي: ‘ليس من صالحك أن يقدم عملك خلال وقت الإفطار، حينها تنزل عليك معاول النقد’، قلت له: ‘دعني أنال نصيبي أنا أيضا من النقد.’ لم نصل إلى اتفاق لا معه ولا مع مدير البرمجة الذي التقيته فيما بعد. فاضطررت إلى طلب محضر استجواب يوجه قضائيا إلى مدير التلفزيون. ورفضته المحكمة بذريعة أن المدير العام معين بظهير ملكي، ولكن هناك اجتهاد للمجلس الأعلى للقضاء يجيز تطبيق محضر استجواب مع أي مسؤول. ولذلك، فالطلب يوجد في مرحلة النقض والإبرام، وأنا أنتظر الجواب.ـ حسنا، ما سبب هذا النوع من التعامل معك من طرف مسؤولي التلفزيون؟ أهو شخصي أم مرتبط بطبيعة الإبداع الذي تقدمه؟ـ إنه مشكل شخصي ناتج عن موقف لدى فيصل العرايشي مني شخصياً. إنه يريد أن يرغم أنفي التراب، لأنني وجهت شكاية ضده إلى المحكمة عام 2002. يريد أن يعطي الآخرين العبرة بي، حتى لا تسول لهم أنفسهم نهج نفس التعامل معه. والحق أقول، إنني لا أدري لحد اليوم، سبب قطع بث عملي خلال تموز (يوليو) 2002. ألمْ يطلع فيصل العرايشي على الشريط؟ هل فوجئ ببرمجة العمل ربما في فترة غيابه خارج المغرب؟لقد تعامل مع القضية بطريقة تصفية حسابات شخصية. والمطلوب منه أن يعامل كل الفنانين على قدم المساواة وأن يتيح لهم المجال لتقديم إنتاجاتهم أمام الجمهور. إذا كان العرايشي يشعر بوجود مشكل بيني وبينه، فأنا مستعد للجلوس إلى طاولة الحوار والتفاهم. أنا أريد العمل، وهو يحرمني من زرقي، وكما يقال ‘قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق’، وليس من حقه ذلك. فهذا تلفزيون عمومي، ومن حقي المشاركة فيه بأعمالي. ولا يعقل أن تتكرر نفس الوجوه ونفس الأعمال ونفس الشركات خلال رمضان منذ تولي العرايشي إدارة المؤسسة.ـ هل تتوصل بملاحظات حول أعمالك من طرف لجان القراءة بالتلفزيون؟ـ أبدا، أعمالي تُسلم مكتوبة إلى إدارة التلفزيون، وتقرأها اللجان وتقبلها، ونوقع على العقدة، ونسلم الإنتاج في الوقت المحدد المتفق عليه في العقدة. ويكون مصير العمل إما أن يُقدّم في وقت عدم المشاهدة، أو يُقدّم نصفه ويحجب النصف المتبقي، أو لا يتم الإعلان عنه من خلال وصلات دعاية تلفزيونية كما يحصل مع إنتاجات أخرى.ولذلك، أود أن أؤكد من خلال هذا المنبر المحترم أنني سأواصل نضالي هذا لأخذ حقي المشروع، ولو بقي فيّ عرق واحد، لأن الموضوع موضوع تكافؤ الفرص والحق في ولوج التلفزيون بالنسبة لكل الفنانين. أما السيد فيصل العرايشي، فأريد أن أوجه إليه نصيحة: لا تثق في المخزن كثيرا، لأنه كما يقول المثل المغربي: ‘لا تثق أبدا في النار، والبحر، والمخزن’. ـ عموما، ما المطلوب لتحقيق الوضع الاعتباري للفنانين المغاربة؟ـ على الحكومة أن ترد الاعتبار للفنانين، وأن تهتم بالفن لأنه كما يقال اعطني مسرحا أعطك شعبا واعيا. فنحن الفنانين نعيش الذل. وخلافا لما هو موجود في باقي الدول التي تعطي الأسبقية لفنانيها، لدينا عقدة الأجنبي. ومؤخرا، جاء إلى المغرب فكاهي غير معروف في بلاده فوضعت بين يديه جميع الإمكانيات. وهناك فكاهيان في فرنسا يجنيان الملايير، ويحضران إلى المغرب لمضايقة الفنانين المغاربة في أرزاقهم، ويعودان إلى هناك محملين بالعملة الصعبة دون أن يدفعوا أية ضريبة.