الناقد والروائي الفلسطيني يوسف أبوالعز:
الاردن ـ “القدس العربي” ـ من اياد كنعان: ولد يوسف ابو العز متأخرا ثلاث سنوات عن النكبة الفلسطينية، درس الادب الانكليزي والمسرح في بغداد، وعمل في التلفزيون العراقي، أخرج عدة افلام سينمائية، قبل انتقاله الي مدينة جدة السعودية وعمله محررا ثقافيا في صحيفة الرياض، الشرق الاوسط، ثم رئيسا لتحرير مجلة فن التي صدرت عن غاليري روشان في مدينة جدة السعودية قبل توقفها وعودته الي عمان، صدرت له رواية (فضائح الحنون) عام 1999، وهو مكب الان علي كتابة روايته الثانية، هنا حوار معه: انطوي عنوان روايتك(فضائح الحنون) علي (تناقض) غريب! فكيف للحنون، هذه الزهور البرية، ان يكون لها فضائح! ينطوي العنوان علي مفارقة، هذا صحيح، كما ينطوي علي غموض غير متعمد، عندما فكرت في العنوان، كنت أسعي للتعبير عن فضائح العالم الذي ارتهنته القوي العظمي، فعاثت به فسادا، كنت أسعي لادانة الحرب بل الحروب القذرة، التي جرت وما زالت تجري في العالم، تحت مسميات مختلفة، كنت أشهد علي اللامعقول، علي العبث بمقدرات شعب بريء، ينتزع من أرضه لتحل محله مجموعة من البشر لملمت من مختلف أصقاع العالم، بقوة السلاح، وقوة التآمر الخبيث، وخيانات الانذال، باختصار كنت أشهد علي موت الانسان بعد أن تحول الي وحش قاتل، كنت أشهد علي الخراب، يتكرر لفرض ارادات قوي همجية، تلبس ثيابا أنيقة وتشرب دماء البشر، وتتبجح بالقانون والعدالة والديمقراطية.
وفي مقابل كل ذلك، كنت أري كيف يطلع الحنون في أراضي طولكرم، حتي في حواري المخيم البائس، بكل عنفوان كان يطلع، متعطشا للحياة، باثا روائحه وألوانه وتكويناته البديعة، ليذكر بروعة الحياة وجمالها، لكن أدوات الدمار لا تتعلم منه قوة الحب بل تقصفه بالموت والخراب، حتي رأيت أن ظهور الحنون في هكذا زمن، زمن الاحتلال وتشريعه، زمن (الدعارة) المشين، زمن التواطؤ والاستسلام، لم يكن الا فضيحة، خاصة وأن احمرار الحنون الصارخ يغيظ القتلة بسبب روعته وجماله، فأي مكان للجمال في زمن القبح؟ ولا شك أن هذا لا يؤخذ بمعناه الحرفي، بل بما يحتويه من سخرية، وبما يوحي من ردة فعل رافضة. أنت تهدي روايتك الي حشد كبير من الناس المعاصرين لنا، ومن وجدوا في التاريخ عبر العصور، فماذا يعني لك كل الذين أهديتهم روايتك ابتداء من أبوطالب مرورا بآرنستو تشي غيفارا، الي جيروم بوش؟ أجد في هؤلاء عائلتي، أسلافي علي صعيد البشرية، أجد أن كلا منهم لعب دورا في تكويني، سواء كان مباشرا أو غير مباشر، أجد فيهم خط الانسانية المستقيم، أجد لكل منهم خلية أو خلايا في جسدي وروحي، أجد فيهم جينات الابداع الذي ألهمني كي أقول شيئا، أجد في كل منهم أثرا في نفسي عميقاً، أجدهم يعيشون بي، أجد عند كل منهم ثورة من نوع ما، أجد فيهم رموز لغتي، أجدهم عنوان ثقافتي، أجدني مسكونا بهم دوما. نوهت في بداية روايتك بأن أحداث الرواية هي محض خيال، وليس لها علاقة بالواقع، فالي أي مدي تعتبر هذا التنويه (واقعيا)، والي أي مدي تطابقت أحداث الرواية مع سيرتك الذاتية؟ هذا تقليد دأب علي اتباعه العديد من كتاب القصص والروايات تجنبا لأي مقاضاة قد يلجأ اليها شخص يري نفسه في أحد شخصيات الرواية فيحتج، والواقع أنني قد استهللت روايتي بعكس ذلك، أي أنني نوهت الي أن هذه الرواية ليس فيها شيء من خيال أو ابتكار، لكن الواقع في كثير من الاحيان قد يبدو اكثر غرابة من الخيال، ان الشخصيات الواردة فيها حقيقية، وان بدلتُ في أسماء بعضها فلغايات محض فنية، ولكني نُصحتُ بالتغيير من قبل البعض، سيما وأن هناك الكثير من المطبات التي من الممكن أن تسبب لي بالفعل الكثير من (وجع الرأس)، ولا اخفيك انني (جبنت)، كتبت ما كتبت متيقنا أن القارئ لن يحتاج الي جهد كبير كي يكتشف أنني كنت كاذبا!! يلحظ القارئ لروايتك نزوعا شديدا نحو تقنيات الكتابة المسرحية من صوت وصورة، حتي الصمت والفراغ، كان لهما مكان في عملك الروائي، فهل تعتبر ذلك اضافة نوعية لفن الرواية العربية؟ ليس لي أن أزعم أنني أضفت شيئا لفن الرواية العربية، هذا يقرره النقاد اذا ما لفتت الرواية انتباههم وتفضلوا بقراءتها، كما يقرره القارئ المهتم، أعني المتابع لحركة الرواية العربية، ولكني أبوح بأنني شغوف بالمسرح وتقنياته، لقد درست المسرح لمدة خمس سنوات في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وأحمل فيه شهادة الدبلوم، كما أنني مفتون، وربما أكثر من المسرح، بالسينما، وأري كما يري ماركيز (أن للأشياء حياتها الخاصة وما علينا الا أن نوقظ روحها فقط)، وأبوح أنني مفتون بجيمس جويس، وتعلمت منه هذه التقنيات، وربما لجأت الي تقليده بوعي أو دون وعي. حقا انه لمن الجميل أن تُصور بالكلمات مشاهد أو أصوات، أو صمتا، فلجأت الي ما يسمي بـ(الاناتوموبيا) كتقليد الأصوات التي تصدر عن الأشياء: الكؤوس مثلا، أو حركة الماء، أو الفراغ بترك فراغ نصي، أو السواد، كدليل علي الظلام أو (عميان القمار) عند شخصية متأزمة الخ.. اقتربت في روايتك من التكثيف اللغوي العالي، والحوارات شديدة التداخل، والمشاهد المركبة عاموديا، لتصنع حوارا فلسفيا عاليا مشبعا بالعمق والدلالة، محافظا في نفس الوقت علي خط روائي شفيف جمع أحداث الرواية ببعضها. ما هو تعليقك علي ذلك؟ هذا اطراء أرجو أن أستحقه، ولكني بكل الأحوال اثق بذائقتك الأدبية والفنية وأرجو أن لا يؤخذ هذا من قبيل تبادل المجاملات! كأنك، من خلال سيرة كنعان بطل الرواية، تروي سيرة الشعب الفلسطيني، فالي أي مدي ارتبطت تلك السيرة بكنعان بطل الرواية، وبيوسف أبوالعز كاتبها؟ والي أي مدي انعكست تلك الرؤية علي عناوين الفصول الفرعية لروايتك؟ تكرس لدي/لدينا أننا امتداد لكنعان، وقد جرنا حبل السرة بعد توالي الحضارات والامبراطوريات لنعود الي الشواطئ المطلة علي أرض كنعان ونعيش في فلسطين قبالة اليونان فنظل نحلم بتلك الحضارة التي كانت تنتمي الي الفينيقيين، وكان لهذا الاسم المقتبس من الطائر الأسطوري الفينيق الذي كلما كبا أو احترق يعود لينتفض من رماده ويحلق عاليا. من هنا حاولت أن أسقط شخصية كنعان علي شخصية صاحب السيرة الذاتية في رواية فضائح الحنون، ولكن لم أتوخ الدقة التاريخية، بل الملامح العامة، ولا أدري الي أي درجة وفقت في ذلك، الا أنني حاولت في العناوين الفرعية أن أستلهم الميثولوجيا وخصوصا في الفصول الأولي، كفصل الخروج/الحضور لأتحدث عن الخروج من فلسطين ثم عن حضور كنعان الذي يولد في خيمة كأنها خارج كل مكان لا انسانية الخ.. ثم فصل التكوين لأروي المراحل الأولي من سيرة كنعان، المشاهدات والجوانب النفسية، وما تناهي اليه من روايات الكبار عن مجيئه للحياة وعن سيرة الهجرة الخ.. ثم فصل اللجوء اليه لأتحدث عن الظلم الذي لا يرده شيء الا اللجوء الي الله، وهذا من وجهة نظر الوالدين، ثم فصل شجرة آدم حول مرحلة البلوغ عند كنعان، وأزمة المراهقة وتساؤلاته عن طبائع الأشياء الخ.. ثم فصل الثورة لوصف بداية وعيه السياسي والوطني، ولكل هذه الفصول أبعاد ميثولوجية وجودية (ربما) لتبدأ الفصول التالية بأبعاد واقعية تسرد أحداثا معاصرة، وتحكي عن رحلة كنعان وعودته من أسفاره. كيف تقرأ المشهد الروائي العربي عموما، والفلسطيني بشكل خاص، وهل استطاعت الرواية الفلسطينية أن تحمل الحلم العربي بالتحرر والخلاص؟ في المشهد الروائي العربي هناك قامات عالية تثير الاعجاب وتستحق الاحترام، فهناك طه حسين التنويري الكبير، توفيق الحكيم، صنع الله ابراهيم، الطيب صالح، نجيب محفوظ، جمال الغيطاني، يوسف القعيد، ادوار الخراط، الياس خوري، عبدالرحمن منيف، حيدر حيدر، حنا مينة، عبداللطيف اللعبي، سليم بركات، أمين معلوف، تيسير السبول، مؤنس الرزاز، يحيي الطاهر عبدالله، وغيرهم الكثير الكثير الذين لا يتسع المجال لذكرهم، والذين قدموا تجارب مهمة ساهمت في بناء الوعي الأدبي وبناء ثقافة تنويرية، كان لها دور طليعي في تشكيل الوعي الجمعي وتشكيل ثقافة ثورية.
أما علي الصعيد الفلسطيني، فمنذ رواية فتاة من فلسطين لعبدالحليم عباس عام 1949 التي أتبعها برواية فتي من دير ياسين لم تتوقف الروايات التي تتكلم عن القضية الفلسطينية بأسلوب روائي ناضج/منحاز الي القضية الفلسطينية برؤية انسانية في معظم الأحوال، تجلي أكثر ما تجلي في أعمال اميل حبيبي وخصوصا في رواية سعيد أبي النحس المتشائل، وسداسية الأيام الستة، ثم في أعمال غسان كنفاني، ويحيي يخلف ورشاد أبو شاور والقائمة طويلة، عمل دؤوب لم يتوقف بهدف الحفاظ علي الذاكرة، والاستمرار في شحذ الوعي ليبقي ماضيا حادا، ولكي تبقي القضية حية لا تحتمل احتلالا، ولا ترضي بحل غير عادل، ولا تساوم علي حقوق، ولا تفرط بزهرة حنون، أو أغنية شعبية فيها شجن وحنان وفيها ذكريات الأحباب، الذين استشهدوا منهم، أو رحلوا الي بارئهم، أو أبعدوا أو هاجروا قسرا، لأن فلسطين طال الزمن أو قصر عائدة لأصحابها، ذلك أن الاحتلال دائما لا يدوم، وان دولة الاحتلال الصهيوني دولة مفتعلة مليئة بالتناقضات وعوامل التحلل والانهيار. لم تقابل فضائح الحنون بالاهتمام الاعلامي الذي تستحقه، رغم النضج الروائي الواضح في هذا العمل، فإلام تعزو تجاهل الصحافة العربية والمحلية للكثير من الأقلام الجادة، وفي أي خانة تصنف هذا التجاهل؟ لذلك عدة أسباب، لقد عانت الرواية مخاضا طويلا حتي ظهرت، فقد أنجزت في 1989 ولم تر النور الا في 1999 مع أن دار كنعان للنشر والتوزيع في دمشق تبنتها بعدما خضعت لتقييم لجنة تتألف من كتاب كبار كالروائي الكبير الدكتور عبدالرحمن منيف والمسرحي الفذ سعدالله ونوس (رحمهما الله) والناقد الكبير فيصل دراج، وقد أوصي بنشرها فأدرجت في قائمة المنشورات في الكتيب الصادر عن الدار نفسها عام 1994، وفي آخر زيارة للدكتور منيف الي الأردن، حرصت علي مقابلته، فعبر لي عن اعجابه بها وتحمسه لها، وطمأنني الي أن المسألة مسألة وقت ليس الا، وما يحصل معها هو ما كان يحصل مع قضايا وشهادات حيث الروتين القاتل يؤخر الطباعة ويعيق الانجاز، ولكني فوجئت بعد ذلك باعتذارهم عن نشرها، وأعادوها لي بلا نشر، ولكن ما يعزي النفس أنها كانت مشفوعة بخطاب من الدار ينوه بأن الدكتور عبدالرحمن منيف أعجب بها وأوصي بنشرها، وأنا أحتفظ بهذا الخطاب باعتزاز كبير، رغم ان العزوف عن نشرها من قبل دار كنعان ظل لغزا يحيرني. ومن ناحية اهتمام النقاد فقد كتبت عنها عدة مقالات وأجريت لي بعض المقابلات، ولكننا يجب أن نعترف بأن الحركة النقدية عندنا ضعيفة، وبالكاد تتجاوز المقالات الصحافية، ولا تتظاهر الا في المؤتمرات التي يغلب عليها طابع الاحتفالية، والاستعجال، والحرص علي المشاركات الكمية أكثر من النوعية. وكما تعلم فان دافع الكتابة عن أي كتاب لا يتعلق بأهمية الكتاب، أو الكاتب في كثير من الاحيان، بل تمليها شروط العلاقة الشخصية، والمزاج الشخصي، وظاهرة ما يسمي بالشللية، والتبادلية، وندماء الطاولات، وما نشهد عليه من فوضي تجعل أصحاب المنابر يتعمدون تجاهل الابداع الحقيقي، (ولا أقصد نفسي) ربما بسبب فوبيا أو عصاب، يخافون بسببه من تجلي هكذا ابداع، فقد يرون فيه الغاء لهم أو لغاياتهم.
علي العموم، فان لي في رأي الشاعر طاهر رياض، الذي قرأها مخطوطة، فوصفها بالرواية الشعرية، واهتمام المخرجة سوسن دروزة التي اهتمت بالرواية وأنتجت عنها حلقة في برنامجها الثقافي آرتي فن الذي بث عدة مرات في التلفزيون الأردني، وآراء عدد من الكتاب الذين تفضلوا بالكتابة عنها، لي في كل هذا وغيره عزاء يكفيني. ثم ان هناك روايات عظيمة، لم يلتفت اليها الا بعد وقت طويل من الزمن. تحمل روايتك حسا نقديا ساخرا وواضحا لاشكالية اللجوء وأبعاده المأساوية والانسانية العميقة، خاصة في حديثك عن (المخيم) كبديل متاح ووحيد للوطن. كيف استطعت أن تبث هذا التناقض بين مفهومي: الوطن المستلب بكل ما يعنيه من أمن وأمان، والمخيم بكل تناقضاته وبكل ما يعنيه من غربة وخوف وحرمان؟ أؤمن بأن الحس الساخر هو الأداة الأنجع للتعبير عن المأساة، فهو القادر علي كشف المفارقة، أو المفارقات العديدة، عن التناقض، وأرجو أن أكون قد وفقت فعلا في تحقيق ما وصفت. وان كان كذلك، فهو نتيجة لحقيقة المأساة الكبري: القضية التي اسمها قضية فلسطين. فكل ما دار حولها من حديث علي مدي القرن الماضي، أي منذ وعد بلفور ومن ثم تنفيذه، لم يدر الا في حلقة مفرغة، بل هي حلقة تعمق المأساة، وتزيد هوة التناقض، وتبتعد عن الحوار المنطقي. عمقتها بشكل فظيع اتفاقية كامب ديفيد وزيارة السادات الي القدس، حيث راحت الضحية تعتذر الي الجلاد، صاغرة مذلولة، خاضعة لكل الشروط، بلا حق، فصار المحتل ضحية، والواقع تحت الاحتلال جلادا، أفليس هذا عبثاً! فأي غودو أكثر عبثا من ذلك؟ ثم (طيّنها) اتفاق أوسلو، الذي لم تصل الرواية الي تاريخه، وجاء مجهضا لانتفاضة الحجارة التي فتنت العالم بأدائها وأحرجت دولة الاحتلال، وها هي نتائجه: قتل للفلسطينيين مشرع في القوانين الدولية علي أنه (دفاع عن النفس)، وثورة شعبية تناضل ضد الاحتلال تسمي في القوانين الدولية (ارهابا)، فأين نحن الآن مما قبل أوسلو؟ انه اللعب بالمفاهيم بقصد خلق البلبلة والمراوغة، ليس من الأعداء فقط، بل من المنتفعين من أوسلو، أصحاب (البزنس) وحاملي الحقائب المحشوة بالدولارات، وليظل المخيم مخيما، والمحتل ماض في خطة الابادة الجماعية، وما كان نصيب عرفات من كل ذلك الا السم. فليتنازل من يشاء، والتاريخ كفيل بهم جميعا. لقد كانت لك تجربة في الاخراج السينمائي والتلفزيوني أثناء فترة وجودك في العراق، حدثنا عن تلك التجربة، وهل لديك مشاريع مستقبلبة في هذا الشأن؟ كنت أدرس الأدب الانكليزي في بغداد، وعندما علمت أن معهدا للفنون الجميلة يدرس الموسيقي والفنون التشكيلية والفنون الدرامية، وأن به قسما للدراسات المسائية التحقت به، فكنت أدرس صباحا في الجامعة ومساء في معهد الفنون الجميلة، وعندما تخرجت من الجامعة بقيت علي دراسةٌ لمدة سنتين في المعهد حيث أن الدراسة فيه خمس سنوات، أثناء ذلك التقيت المخرج عبدالهادي الراوي، الذي كان يتهيأ للسفر الي بيروت لانجاز فيلم عن الأحداث هناك، فعرض علي السفر معه فذهبت، وتم انجاز فيلم العاشقون الحياة وهو يحكي عن المقاتلين الذين أصيبوا واستمروا في النضال. ثم بذلت جهدا مضنيا للدخول الي تلفزيون بغداد، فوفقت في ذلك، وكتبت قصة لمهرجان أفلام فلسطين الرابع بعنوان الوصية حاولت فيها أن أطبق نظرية جديدة تنفي عن التمثيلية أنها تمثيلية بل هي حقيقة وان كانت علي الشاشة، ولا أظن أنه كان من الممكن الوصول الي التعبير الكامل لما أردت أن أقوله. طبعا أثناء وجودي في قسم التمثيليات في تلفزيون بغداد عملت كمساعد مخرج ثم مخرجا مساعدا ثم مخرجا، وقد أتيت لعمان لعمل فيلم كتبته عن بسام الشكعة، ليخرجه المخرج المتميز حقا بسام الوردي، وأشارك فيه كمساعد مخرج أيضا.. ولكني بعد أن أتيت لعمان لم أعد الي بغداد، ثم ان مهرجان أفلام فلسطين قد توقف. دعنا نتحدث قليلا عن تجربتك النقدية، أعلم أنك ترأست تحرير مجلة (فن) السعودية التي صدرت في لندن عن غاليري روشان في جدة ولندن، حدثنا عن هذه التجربة، ما هو الأثر الذي تركته في نفسك، ولماذا توقفت عن الصدور، رغم الصدي الاعلامي الهام الذي حققته منذ اصدارها الأول؟ مجلة فن حلم تحقق بامتياز، كما شهد علي ذلك الفنانون والنقاد. كنت أثناء دراستي للمسرح قد تعرفت الي فنان غريب الأطوار اسمه(ظافر عدنان)، الذي صار صاحبي فصرت أصحبه الي قسم الفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة، وكذلك الي المعارض المقامة في المعهد أو في الصالات العامة، وأخذت أطالع الكتب والمجلات والمقالات التي تتحدث عن الفن التشكيلي، فتشكلت لدي ذائقة تشكيلية زادت ثقافتي أبعادا جديدة، وأدخلتني في حرم هذا الفن البصري الفتان، فأصبح هما من همومي، وفي تلك الفترة كان الفنان الكبير شاكر حسن آل سعيد يدرس في معهد الفنون، في الوقت الذي كان يمارس نشاطه الفني، وقد داومت علي حضور بعض محاضراته، وكثيرا ما كنا نتحاور انا وصديقي الفنان الشاب، في قضايا الفن التشكيلي، ونتطرق الي فلسفات الفن، لنعرج علي ما يطرحه الفنان شاكر من فلسفات، فأحيانا نتفق وأحيانا نختلف معه، ولكن لم يكن لهذا الحوار العلمي أن يفسد للود قضية، طالما أن الهدف لم يكن يتعدي كونه علميا، ولم يكن غرضه، سوي الجدل العلمي الفني، وتطوير الأفكار وتلاقحها. لكني لم أجرؤ في يوم علي محاولة الرسم، رغم أنني كنت أثمن كل محاولة رسم تصدر عن أي شخص يحصر نفسه في غرفة ويشرع في سكب الألوان علي قطعة قماش أو علي ورق من أي نوع، ليلفت النظر الي تكوين، أو فكرة، أو محاكاة الخ.. الفن التشكيلي بالنسبة لي فتنة، جمال لم أجرؤ علي التجريب فيه لما أري فيه من بهاء فاتن لايحتمل العبث. عندما سافرت الي السعودية، ذهبت في أول فرصة الي احد المعارض، فتعرفت الي فنانين عديدين، فأخذت تتشكل عندي رغبة في الكتابة بالهام ما أري من أعمال فنية جميلة، ومرة زرت أحد الفنانين لأجده يضعني في سيارته ويقول: سوف آخذك الي مفاجأة، ووجدت نفسي فجأة في بيت طبيب سعودي، له طفل في الرابعة عشرة من عمره هو طارق الغفيلي الرائع، ولكنه ويا سبحان الله أصم وأبكم، رسام بارع، وكان من أهم اللوحات التي لفتت انتباهي هي لوحة عن الحرب في لبنان 82، يرسم فيها الدمار، ويرسم العلم الفلسطيني تطوحه الرياح، فيميل ولكنه يقاوم الرياح والرصاص، سمعت في هذه اللوحة صراخ طارق، فحاورته عن طريق أمه التي كانت تكلمه بالاشارة ويجيب كذلك وبأصوات محدودة تفهمها فتترجمها لنا، كما انني شاهدت فيلما عن معرض له في باكستان. أثارني طارق كثيرا فكتبت عنه ما يمكن اعتباره أجمل مقال لي في الفن التشكيلي، كنت أنوي ارساله الي فنون عربية، لكني أثناء ذلك تعرفت علي الفنان التشكيلي الاردني عصام طنطاوي الذي كان يقيم في السعودية حينها، فعرض المقال علي جريدة الرياض التي طلبتني بعد ذلك لتحرير صفحة في الفن التشكيلي هناك، فبقيت أحررها حتي انتقلت من الرياض للعمل في جدة، حيث تفرغت للعمل كمحرر ثقافي في جريدة الشرق الأوسط، وحيث كنت أتردد علي غاليري روشان لتغطية النشاطات الفنية التشكيلية، توثقت العلاقة بالقائمين عليها، حتي أسسنا تقليدا لنقاش كل معرض في ندوة، لأتوصل من خلال ذلك الي جواب علي سؤال عن سبب تدني مستوي الثقافة التشكيلية لدي المواطن العربي، وهو أنه ليست هناك مطبوعات تهتم بهذه الثقافة وتقدمها بأسلوب لائق وجذاب ينمي عنده الذوق الفني. واذ تحمسوا للمشروع طلبوا تقديم دراسة فقدمتها مفصلة، ووافقوا عليها، وقدمنا بها الي عمان ليصممها الفنان عصام طنطاوي، ونطبعها في سينغافورة، لتكون آية في الجمال، غنية في مواضيعها وتغطياتها، ووزعت علي مستوي العالم والوطن العربي، فرحب بها علي كافة الصعد، الا أننا بعد عدة أعداد داهمتنا رياح غير مواتية فتوقفت عن الصدور.. للأسف الشديد. كان أهم ما تركته في نفسي تلك التجربة الغنية، ما تلقيته من رسائل من كافة أنحاء الوطن العربي قد تكون أهمها رسالة من احد المحكومين في السجون المغربية يقول فيها: يسعدني أن أكتب اليكم بعدما اطلعت علي أول عدد من مجلتكم حيث بهرني جمالها، وراقتني تقنيتها العالية وألوانها الساحرة، كما جعلتني أكتشف بعض أشقائي الرسامين العرب الذين يحق لهم الافتخار بالشكل الرائع الذي يقدمون به لوحاتهم التي وصلت اشعاعاتها حتي داخل السجن المركزي بالمغرب… ثم تقول: انني من داخل السجن ورغم كل العواقب التي تعترض طريقي أحاول مواصلة مسيرتي الفنية التي بدأتها خارج عالم الاسمنت والحديد الذي أعيش داخله، ولعلمكم فقد تم القاء القبض علي في شهر اذار (مارس) 1982 بعد أن نشرت ووزعت في السوق المغربية ديوان شعر باللغة الفرنسية تحت عنوان شرارة ليتم الحكم علي بـ 15 سنة سجنا وغرامة مالية قدرها 10 ملايين سنتيم. كان كاتبها اسمه (الادريسي القيطوني علي) لا اعلم الان عن مصيره شيئا!
كما أنني تلقيت رسالة من الشاعر العراقي بلند الحيدري، نائب رئيس تحرير مجلة (فنون عربية) العراقية، التي ترأس تحريرها الكاتب العربي الكبير جبرا ابراهيم جبرا، هنأني بها بصدور المجلة معتبرا اياها امتدادا لمجلة (فنون عربية) التي توقفت بسبب الظروف المالية الصعبة التي مرت بها قبل ذلك الوقت. أخيرا وليس آخرا، سمعت أنك بصدد كتابة عمل روائي جديد، فهل ترغب في الكشف عن بعض تفاصيل هذا العمل للقارئ؟
وما هو الجديد الذي تطرحه من خلال هذا العمل؟ نعم هناك عمل جديد ولكنه صعب، اذ أنني ألزم نفسي باضافة ما هو جديد حتي يكون العمل مبررا، يجب أن يكون جديدا علي صعيد الشكل وعلي صعيد المضمون، والا ما فائدة أن نكتب؟ هل نكتب لكي نكتب أم لكي نقول شيئا جديدا!
؟