الحضور الاجتماعي والذاتي في «رجل الغليون» لفان كوخ

حجم الخط
0

يعتبر التذبذب والقلق من أبرز سمات المسار الإبداعيّ للتشكيلي العالمي فان كوخ، من دون التطرق لأزمات الانفصام والاضطراب في الشخصية، التي زادت في عزلته وغذت جانبه الجنوني المسكون بالتحدّيات. يتضح ذلك في الحضور القوي واللافت للانفعالات الداخلية التي اقترنت غالبا برغبة فائقة في إعلاء الذات والصعود للقمة. ولا غريب في ذلك فهو المتعلق بمُواطنه الهولندي رامبرندت صاحب ما يزيد عن ثمانين صورةً ذاتية، منها ستون عملا زيتيا. لكن حضور الثقل الفني المكون للمسيرة الكوخية كان متمردا، معتلا ومتأخرا. حضرت فيه عدة عوامل تؤكد هذه الخصوصيّة منها، تجربته المثقلة بالهموم وحياته المتنقلة طيلة فترة نشاطه المحدودة، نظرا للانقطاعات والأزمات، ثم وفاته المبكرة بعد ذلك في سن السابعة والثلاثين عاما، نظرا للإفراط في استهلاك مواد ضارّة متعددة والإدمان (التدخين، الكحول، المشروبات المهلوسة). هذا البعد الميلنخولي التشاؤمي ميّز حضوره الفني وشوّه علاقاته بعدد من الفنانين مثل جوجين، وانعكس بالضرورة في لوحاته. لكن طابع الغرابة يتعدى ذلك إلى الوقوف عند شخصيته الهشّة المريضة وتعدد الإصابات العقلية والأزمات الصعبة، إذ أدت واحدة منها في 1888 إلى قطع أذنه اليمنى عقب شجار تاريخي في أرل البلجيكية، والتالية إلى إنهاء حياته في أطوار غريبة، حولت بموجبها أنظار المهتمين والجمهور مباشرة من المعطى التشكيلي إلى الرغبة في الاطلاع على ما يخبئه من خفايا، والانغماس في العلاقات والأحداث الشخصية التي تطبع أطوار حياته وتميز مسيرته. وكلها – بلا شك- سمات متقلبة في قراراتها، مثيرة في توجهاتها، متشائمة في موضوعاتها ومتذبذبة في مواقفها، ما جعل نقاط الاهتمام تتجه مباشرة إلى السلوكيات على حساب التقنيات. وهذا موضوع فتح الباب على مصراعيه للقراءات الاجتماعية والإنسانية، من طرف المختصين والنقاد على عدة أوجه منها الاجتماعي والثقافي والنفسي.
ولعل عمله المعنون «صورة ذاتية للأذن المضمّدة» أو «رجل الغليون» المنجز سنة 1889 والمحفوظ إلى اليوم في رواق كورتو في العاصمة البريطانية لندن، يختزل الحديث عن مسيرته المثيرة إن كان ذلك على المستوى الفني، من خلال التمرد على المفاهيم اللونية السائدة، أو على المستوى الاجتماعي، وذلك بالتعدي على القيم الإنسانية وتعكير المحيط الفردي، وقطع الارتباط والتعامل مع المحيط الخارجي. وسواء كان هذا الأمر أو ذاك، فالبعد الفني صار مقترنا بالشأن الاجتماعي المتدني، غير أن التيار العكسي المتميز برفع التحديات والثورة على السائد، لونا وطبيعة، حمله إلى مسار طموح أضاف الكثير للمدرسة التشكيلية، ومهد بالتأكيد اختياراته الحادة ومواضيعه الموجعة إلى قراءة تعبيرية ورمزية أعمق بكثير.
اختيار تشكيلي يخالف المعايير الجمالية:
بقدر ما تعكس لوحته «رجل الغليون»، أو «صورة ذاتية للأذن المقطوعة» من جمالية نابعة عن رغبة ملحة في تجاوز السائد، والوقوف عند محطة تشكيلية جديدة – تتسع فيها القراءات وتتوهج فيها الألوان، ويتجاوز التعبير الحدود الصُوّريّة – فإنها مثلت شكلا من أشكال التمرد على المعايير الأكاديمية السائدة آنذاك. حيث رسم ملامحه مصفرّة، وسط خلفية منكسرة لا تلتئم فيها المساحات، بل تتفرق ولا وتتكامل فيها الألوان، بل تتشاجر وتتنافر في انسجام مثيل وغير متجانس. بين برتقالي في الأعلى وأحمر في الأسفل، ما يخرج عن القاعدة اللونية ويجعل اللوحة مشتعلة ومتوهجة باستمرار. وهي الشحنة الداخلية ذاتها أو الصرخة الصامتة، التي أراد كوخ إيصالها إلى محبيه وإلى العالم.
من جهة أخرى، انفصلت الصورة عن كل المقاييس الجمالية لتبتعد بلا شك أشواطا عن التقديمات الرسولية في عصره. ما يذكر بالعمل المشهدي ذو الحجم العملاق الفرنسي كوربي «جنازة في أورنان»، العائد إلى منتصف القرن التاسع عشر أي قبله بسنوات. وهو مشهد خلق العديد من ردود الفعل الرافضة وقلب المشهد الفني رأسا على عقب، بإعلان التوجهات الواقعية (تمجيد طقوس الموت، حضور الكلاب بدل النبلاء، الفقراء والمهمشين، بدل الأثرياء، غياب العنصر البلاطي، إقصاء النفوذ الكنسي). وفي تطابق مشابه ولربما غير مقصود خدمت لوحة رجل الغليون الفن العالمي بالخروج عن الدائرة الانطباعية خاصة مع اعتماد التنقيط ولمسات الفرشاة العفوية السميكة والألوان الحارقة (ما بعد الانطباعية) وصولا إلى تشويه الذات (ضمادة الأذن البيضاء) والمضمون النفسي المنحط (الوجه الكئيب والتعيس، شحوب العينين)، كما حمل الهندام إشارات الحاجة والفاقة (البقع على القبعة) التي تسرد بشكل أو بآخر معاناته وتعكس آلامه وتضحياته.
مسيرة فردية مرضية متقلبة أخرت نجاحه الفني:
إلى حدود القرن العشرين لم يكن نتاج فان كوخ التشكيلي يعني الكثير، فقد باع لوحة واحدة طيلة مشواره الفني، رغم إنجازه لأكثر من ألفي لوحة، كما أن اهتمام الناس بمشاداته ونوباته، كان نشاطا رئيسيا أجّل الاستمتاع بمنجزه إلى وقت لاحق. فجعله تتابع اليوميات المتوترة، منزويا على نفسه، يخضع للخمرة والإدمان. في المقابل بقي شقيقه ثيو السند الوحيد في حياته.
مجمل هذه العلامات والإرهاصات أهلت التجربة لقراءات اجتماعية ونفسية حادة ومتباينة. إذ ترى الأكاديمية والباحثة الاجتماعية الفرنسية ناتالي حاينيك، أن مجمل الانفعالات الشخصية المتتابعة بنسق تصاعدي تحول المادة الفنيّة إلى مادة اجتماعية، فتاريخ الفنون يفهم من خلال علاقة الفنان بأعماله، بينما الجماليات تُفهم من خلال علاقة الأعمال بالجمهور، عبر تصاعد الأحداث والقراءة الذهنية المسؤولة والذوق العام الذي تقوده سوسيولوجيا الفن من جهة، وآليات البحث والتقصي والإحصاء من جهة أخرى. كما أن قراءات الجمهور محكومة بالبعد الاجتماعي، المتولدة من نشأة الأحداث في اللوحة وبالتالي تعدّد المواضيع وتواترها. يقول أندريه مارلو في هذا الخصوص: «تكمن الأهمية في تشابك النتاج، لأن كل عمل يغذي الآخر»، لكن باحث الاجتماع بورديو يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، حتى يصل إلى إخراج الفنان من دائرة الصناعة والقرار في مسألة الذوق والمعايير الممكنة». إن المشاهدين هم الذين ينجزون اللوحة». تحتكم العوام – حسب تقديره – إلى أدوات اختصاص منها المورفولوجيا والسلوكيات والأحاسيس بصفة مستقلة عن المشروع الفني نفسه، ودون عودة إلى اعتماد النسق والترتيب ولا القيم الجمالية. وهو ما اتضح خاصة في معرض الفن الحديث في نيويورك سنة 1930، حيث جلب عمله «رجل الغليون» أكثر من 120.000 متابع، حضر أغلبهم لمعاينة المصاب وكشف الخفايا والخبايا حينا والتعاطف حينا آخر، بقطع النظر عن الغوص في أبعاد المغامرة التشكيلية، التي ظلت متواضعة، غريبة وغبية لعقود. فكما يحتاج البناء الجمالي إلى سردية وأشكال متآلفة يحتاج البناء الاجتماعي إلى تركيبة تفاعلية وعناصر محركة، وهو ما حضر بقوة عند فان كوخ. غير أن هذه الارتدادات الهامشية والتعبيرات المجددة، جاءت لتكمل حلقة الانتقال التدريجي من الاشتمال (الحجم) إلى الاختزال (الشكل) ليتحول موضوع الاهتمام إلى التعبير بالرموز والخطوط والتجاعيد، ويتجه الموضوع من الحساسية الإحيائية المطلقة إلى الحساسية الشعورية الشخصيّة. وصولا إلى التحام العلوم الإنسانية ببعضها وتكاملها، لاسيما مع الإرهاصات الأولى لإشراقة الفن المعاصر.
كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية