الحضور العربي في البرتغال والتَشكّل الهويّاتي

يتسم العديد من المدن البرتغالية بملامح عربية إسلامية، نتيجة للتلاقح الحضاري والثقافي في الأندلس، بصمات فنية خاصة شاهدة على حضور تاريخي متميز وتفرد في التشييد والزخرفة، فالقلاع والحصون العربية مازالت تُذكر بهذا الحضور التاريخي، رغم تغيير أسمائها العربية واستبدالها بأسماء برتغالية كقلعة مدينة شلب، والقصور التي كان يقيم فيها الولاة والحكام في الغرب Al Gharve وFeira وAl Cobaça وغيرها من المدن التي استوطنها العرب.
أما المساجد الأندلسية فقد تحولت بعد الاسترداد إلى كنائس مسيحية في معظم دول البرتغال، لكنها ظلت محافظة على ملامح الفن الإسلامي على مستوى الشكل والزخرفة، وهناك نماذج متعددة لهذا التحول، كمسجـــد مدينة مرتولا الذي تحول إلى كنيسة بدون تغيير شكله، فالأعمدة تحمل الزخرفة العربية والزليج والأبواب ذات الطـــابع العربي. وفي لشبونة القلعـــة العربـــية الوحـــيدة المسماة الآن بـ S.Joâo وسط ساحة روسيو ROSSIO، هذه القلعة التي سقطت إثر معركة أوريك في يد افونسو هنريك في 25 يوليو/تموز سنة 1139 .
حي الفاما Alfama في البرتغال اليوم وهو حي عربي وسط مدينة برشلونة تعود أصل الكلمة الفاما إلى الأصل العربي الحمة أي عين الماء الساخنة – ما يزال محتفظا بسماته الاندلسية الواضحة على الدور والبنايات بشرفاتها وواجهاتها المزخرفة بالزليج، الأزقة الضيقة الملتوية، النخيل، المطاعم التي تقدم عروضا لموسيقى الفادو التي تحمل أصولا عربية ليل نهار. بعد الاسترداد وخروج المسلمين، لقن الحرفيون العرب الذين أجبروا على اعتناق المسيحية البرتغاليين فن المعمار الإسلامي والزخرفة، وظلت التصاميم الإسلامية مهيمنة على المعمار البرتغالي لمدة خمسة قرون بدون انقطاع، كما كان من السهل ملاحظة التأثير العربي في أعمال السيراميك البرتغالية، حيث اتخذوا الزليج Azulejos كعنصر فاعل وأساسي في المعمار البرتغالي الجديد، وشكل من الأشكال التعبيرية الأصلية في الثقافة البرتغالية، فنجده حاضرا في الأماكن الدينية، الحدائق والبنايات العمومية..

بفضل العرب اكتسبت البرتغال شهرتها في مجال الملاحة، وتمكنت من تحقيق أهم اكتشافتها لاستفادتها من أدوات الملاحة والخرائط والمعرفة العربية في المجال.

وكان التأثير العربي على اللغة البرتغالية مهما كمثيلتها الإسبانية، حيث نجد أن معظم الكلمات البرتغالية يحمل اليوم، إما التكوين اللغوي العربي أو مازالت تحمل الهوية العربية نفسها، وخلصت الأبحاث إلى أن هناك أكثر من أربعة آلاف كلمة برتغالية من أصول عربية، وأن هناك أيضا العديد من التعابير البرتغالية هي ترجمة حرفية لعبارات كان يستخدمها عرب الأندلس كعبارة: «الله أعلم»، «إن شاء الله» والتي تنطق أوشالا. ومن الكلمات البرتغالية ذات الأصل العربي:
– خليفة Califa – الزيتAzeite
– الزليج Azulejo – ناعورةNora
– سلطان Soltâo – المحتسب Almotacé
– إمام Imâ – مدرسة Madraçal
– مطرقة Matraca – طنبور Tambor
– أمير Emir – القفة Alcofa
– الخياطAlfaiate – شراب Xarope
– البحيرة Albufeira
ويمكن العودة إلى القاموس الذي وضعه الباحث البرتغالي أدالبيرتو ألفيس، الذي أحصى فيه معظم الكلمات العربية في اللغة البرتغالية «Dicionàrio de Arabismos Da Lingua Portuguesa»
الموسيقى الأندلسية كانت من أقوى العوامل المؤثرة في الثقافة البرتغالية، حيث كان الشعراء العرب من العناصر الضرورية تواجدها في بلاطات وقصور الملوك المسيحيين، بالإضافة إلى الآلات الموسيقية العربية التي استفادت منها البرتغال وأوروبا عامة، وظلت تحتفظ بأسمائها الأصلية كالرباب Rubeba
والعود Alude، البوقAl Bogue والطنبور Tambor.
تأثر أيضا فن الطبخ بالموروث العربي الأندلسي، فلا يزال البرتغاليون يستعملون بعض التقنيات العربية لحفظ المأكولات، كاستخدام بعض المحليات كالعسل والسكر، زيت الزيتون، الملح والخل، استعمال بعض التوابل الخاصة كالقرفة، الزعفران Açafrao، الحبقة Albahaba، الخزامى Alfazema… أيضا بعض أدوات المطبخ التي تحمل ليومنا أسماء عربية مثل:
– الجرّة Jarra Jarro, ويستعمل اللفظ للإناء الذي يوضع فيه الماء.
– المهراس Almofariz
– آنية لطهي الكسكس Cuscuzeiro
ومن أشهر الأكلات البرتغالية اليوم ذات الأصل العربي طبق الأرز بالحليب والقرفة Arroz doce.
كما أنهم من المجتمعات الأوروبية القليلة التي ظلت محافظة على عادة اجتماع الأسرة حول مائدة الطعام، وإقامة العزائم للعائلة والأصدقاء من أجل مشاركة الأكلات التقليدية كعادة المجتمعات العربية. لا ننسى فضل الأندلسيين على البرتغال في مجال الزراعة، حيث ورث البرتغاليون العديد من التقنيات كاستخدام الناعورة لتطوير زراعة الزيتون، تطويرهم لقطاع إنتاج السكر باستعمال الطاحونة المائية لعصر القصب، حتى أدوات الزراعة التقليدية التي يستخدمها صغار الفلاحين اليوم مطابقة لتلك التي استخدمها العرب قديما، بدون أن ننسى تنوع المحصول الفلاحي للبرتغال من خضر وفواكه بفضل ما تركه وطوره العرب كالبرتقال والرمان والبرقوق والخوخ، الخس والقطن والأرز والتمور…
وبفضل العرب اكتسبت البرتغال شهرتها في مجال الملاحة، وتمكنت من تحقيق أهم اكتشافتها لاستفادتها من أدوات الملاحة والخرائط والمعرفة العربية في المجال.

٭ كاتبة من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية