الحضور في النسيان وجدوى الكتابة

 من خلف قسمات وجهه المنفرجة، ومن طي النسيان يعود إلياس خوري، حيا في حيوات أبطاله، لأنه يرى أن تاريخ الأدب هكذا، «مصير الكاتب إلى نسيان، الكاتب العظيم يُنسى ويتذكرون أبطاله، والكاتب السيئ يُنسى هو وأبطاله» ثم ينفجر ضاحكا. كانت ضحكته بيانا أدبيا حمل حضوره في النسيان ونسيانه في الحضور.
قراءة إلياس خوري شبيهة بعملية استعطاف، فالقارئ فعلا يتوه داخل أرخبيل الأحداث والأسماء والأمكنة، باحثا عن الروائي الذي أقحمه في هذه المتاهة التي هو الأقدر على فهم قصدياتها ومنعرجاتها، مداخلها ومخارجها، فعلا يفكر القارئ عميقا في كيفية إدارة إلياس خوري لمتاهاته الروائية، ومن هنا يكون رأي بلال فضل في ما يمثله إلياس خوري في عالم الكتابة الروائية جديرا بالاهتمام، حيث يراه «هو من القلائل في العالم العربي الذي تستطيع أن تقول عنه إنه يمتلك عملا روائيا، مشروعا روائيا».

جدوى الكتابة و»الوعي الأخلاقي»:

يرى إلياس خوري أن الكتابة وحدة، «لوحدك محاطا بعالم عربي يتفكك»، وكان هذا في معرض سؤال عن جدوى الكتابة. يستعيد تاريخ وجوديته منذ الولادة وهو الآتي إلى العالم في عام النكبة، ثم يستذكر محطات تاريخية انكسر فيها الحلم العربي، 1967، الحرب الأهلية اللبنانية وصولا إلى الحرب السورية، «صعب التفكير في الجدوى في مثل هذه الظروف!!».
إن ما يراه إلياس خوري صعبا هو عين السهولة، لأن الكتابة أدخلته عوالم التخييل وهو الروائي الذي يكتب في السياسة والفكر، ولعل دراسته حول البربرية والهمجية التي ينطلق فيها من قصيدة قسطنطين كفافيس «في انتظار البرابرة» ومن كتاب «دولة البربرية في سوريا» لميشيل سورا، تمنح القارئ والمتتبع لمساره في الكتابة مفتاحا لفهمه كظاهرة. يحاول إلياس خوري التأسيس لكتابة تقوم على «تعدد الأفق» كي تصبح معيارا للدلالة على أشياء أخرى، فاكتشافه في أفق الرواية، يجعل القارئ منساقا خلف البحث أكثر في ظاهرة فنية تنقل حكاية، لكنها ليست ككل الحكايات، لأن المفصل فيها هو فلسطين، التي لم يقاربها ككتابة فقط، أي انطلاقا من التخييل، بل عاشها كحياة قابلة لأن تعاش وتروى، وفق رؤية بول ريكور، وهو المناضل في صفوف حركة فتح. لعل فكرة الالتزام تكون أقرب إلى تفكيك ظاهرة إلياس خوري في الكتابة، وخصوصا عند سارتر الذي يرفض فكرة «التنزيل الفكري» والتي يرى بأنها «الأفضل لصنع فكر بليد»، ولهذا نجد سارتر التزم حزبيا، وانظم للحزب الشيوعي الفرنسي عامي 1951- 1952، كي يعرف عن قرب «الموقف السياسي» الذي يتميز به الحزبي، وهو المثقف الذي يشتغل وفق «الوعي الأخلاقي».
لا يمكن للكتابة أن تنفصل عن حالة الكاتب وهو يتجول في دهاليز الوعي، إيمانا خالصا منه بأن العالم لا يتأثث وجوديا إلا إذا خضعت مغاليقه لمفاتيح سردية معينة، تحاول إعادة كسور المسار الإنساني إلى جبر الكينونة الوجودية للإنسان ومن ثمة إلى الحياة برمتها.

بهجة الذاكرة وخصوصية الكتابة:
حينما سأله أحد محاوريه (مالك التريكي) عن الروائيين العالميين الأحب إلى قلبه، بدأ بفلوبير ووصفه بالأستاذ، ثم قال: «يتدفأ قلبي بدوستويفسكي..» وشملت وجهه لمسة ارتياح وبشاشة، وأردف: «خصوصا رواية الأبله»، ويرى أنها أجمل رواية له، أما عن كافكا يقول: أنا لا أحبه، أنا معجب به، كافكا صعب تحبه، لكن لا أحد اقترب من عالمه ولم يتأثر سلبا وإيجابا»، يحب فولكنر، بورخس، ساراماغو..
يميز بين الإعجاب والحب، أن يُعجب بكافكا معناه أنه يستعين ببعض تقنياته دون أن تمتلكه غواية سرده، تلك الغواية التي تؤسس للحب.
إعلان الروائي محبتَه لروائيين آخرين، ربما هو ما يمدنا بالخيط الرفيع الذي يفصل بين التجارب، باعتبارها تسير في مجرى «التناص» الذي يتولد إبداعيا عن بهجة الذاكرة وهي تفتش في أدراجها كي يمسك الكاتب بلحظة ينسج فيها خصوصية كتاباته. أن يحب الكاتب كاتبا آخر معناه تفكيك «الرغبة» بمفهوم دريدا، الذي يرى بأنه «من غير حب خاص للنص ليس ثمة قراءة ممكنة». يبدو لي أن «الحب الخاص للنص» هو ما يجعل إمكانية «الإنتاجية النصية» بتعبير جوليا كريستيفا، ممكنة في مستويات «بصمة الذات» التي تعرف ذاتها في مرايا الآخر، وهنا تبلغ تجربة الكتابة مداها إذ تصبح إنسانية.
لما يتحدث عن ساراماغو، بعد أن سبقه المحاور بالحديث عن تشابه ما بين التجربتين، إذ لمس «الالتزام الأخلاقي الثابت منذ الشباب المبكر بقيم أخلاقية، ممكن أن تُقرأ قراءة سياسية، لكنها في الأخير هي قيم أخلاقية»، وبكل تواضعٍ أخلاقيٍ يرد في نبرة خافتة: أتمنى ذلك، مشيرا إلى دراسة أكاديمية قام بها ماهر جرار يقارن فيها بين رواية «كأنها نائمة» وساراماغو، مضيفا أن ساراماغو في إحدى مقابلاته التفت إلى «باب الشمس»، ما يعتبره إلياس خوري مثار سعادة. يَعتبر خوري خوسيه ساراماغو «صاحب موقف أخلاقي لا يتزعزع، يعني أنه إنساني بالعمق». لم يلتق إلياس خوري ساراماغو، الذي زار رام الله، ولكن الكتابة حين تكون «أخلاقية» و»إنسانية» فإنها بالضرورة تكون حاملة لقيمة، وبالتالي، تُقرأ بـ»محبة» صادرة عن «رغبة»، بمفاهيم التفكيك، إذ يرى دريدا أنه «ثمة رابطة متبادلة في كل قراءة بين قارئ ونص: دمج بين رغبة القارئ بالرغبة في النص». كان من الممكن أن يمر ساراماغو على «باب الشمس» دون أن يعيرها أدنى اهتمام، ولكن، لأن إلياس خوري يتشارك مع ساراماغو في «رغبة القارئ»، فإنهما بالضرورة أيضا يصدران عما يمكن تسميته «رغبة الكتابة» الكامنة في النص، والتي لا يعثر عليها سوى الكاتب الذي يحوز ما سماه مالك التريكي «الالتزام الأخلاقي الثابت».
حسبما يروي أنه التقي يوسف ادريس في بيت محمود درويش وكان عمره آنذاك واحدا وعشرين عاما، يصفه بحرارة الباحث عن سر البهجة في الأدب، رغم ما يعكسه الأدب الإنساني من مأساة، يبدو لي أن الأدب العظيم مأساوي في جوهره: «يوسف إدريس أسمر عيناه خضراوان، يملأ المكان»، لكن نتيجة كلامه كانت عكس فرح وصفه، «أدباء مخيبون للأمل»، وذكر إميل حبيبي أيضا. أحيانا ننبهر بالشخصية وبكتاباتها، لأننا نفترض كما يقول إلياس خوري «تطابقا بين الفن والحياة، وهذا غير صحيح. الوصول إلى التطابق بين الفن والحياة هو تخل كامل عن مغريات الحياة، وهذا صعب». لا يستطيع إلياس خوري الكتابة وهو يفصل بينها وبين الحياة، وهنا أعود إلى فكرة الالتزام، باعتباره حسب وصف سارتر لالتزامه الحزبي العابر، «رفقة درب». فعبور الكاتب على جسر السياسة المتضمنة لقضية، ليس فقط نزهة في بساتين الواقع الذي سوف يعبر هو أيضا إلى الخيال، ولكنه وفق تجربة إلياس خوري مواجهة مع الحياة كمحاولة لإيقاف سطوة مغرياتها والغوص في جوهر وجودها الموسوم بالنضال.

القضية باعتبارها مسؤولية:
إدوارد سعيد صديق إلياس خوري، حضر ندوة حول سارتر بطلب من مجلة «الأزمنة الحديثة»، سارتر هذا الملتزم الذي له مواقف مشرفة تليق بمثقف، يقف موقفا يصفه مالك التريكي «ملتبسا» حتى لا يقول شيئا آخر اتجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما يعتبره «سقوطا في الامتحان الأخلاقي». يعلق إلياس خوري على الموضوع بإثارته «الإطار التاريخي» والمتعلق بالمحرقة التي هي مسؤولية أوروبا، يرى أن التباس سارتر يقع تحت وطء هذا الضغط، لكن يحمله المسؤولية الكبرى، ويرى أن مسؤولية ذلك أيضا تقع على الثقافة العربية، ويضرب المثل بجان جينيه، الذي اقترب شخصيا من القضية ولم يكن ذلك بفعل تأثير الثقافة العربية، فعاش مع الفدائيين في السبعينيات وكان من الأوائل الذين دخلوا مخيم شاتيلا بعد المجزرة وكتب نصه الرائع «أربع ساعات بشاتيلا».
إن إلياس خوري يشير إلى أمر خطير وذا أهمية، وهو معيار المثقف العضوي الذي لا تُعتبر الكتابة بالنسبة إليه محمولا شخصيا يسعى به إلى تحقيق مجد الوجود. يشير خوري إلى المثقف الذي تأسس في الهامش وأصبح موضوعه في العالم هو تسليط الضوء على تلك البقعة المنسية ضمن مفردات الحياة. الكاتب بمنظور خوري هو ذلك الكائن الصائر إلى تحرير نفسه من «ضغط الإطار التاريخي» الفاعل، ذلك الضغط الذي لم يستطع سارتر التحرر منه، وفتت جان جينيه قيوده وكافة أشكاله لأنه عاش «الهامش» الذي هو مسكن المستضعفين في الحياة. إن فعالية الثقافة، أي ثقافة، مطلوبة كي تتحقق الهوية الناجزة للقضية، أي قضية، فالثقافة العربية خسرت رهاناتها الكبرى في فلسطين في ظل التمزق السياسي الذي تعيشه النخب، والذي سيسهل على إسرائيل المزيد من الانتهاكات والعربدة في الفضاء المحتل وفضاء العرب. أهمية إلياس خوري تكمن في التنبيه إلى العامل الثقافي كمحور من محاور الوجود الضامن لكينونة القضية واستمرارها، قضية تشغل وعي المناضل، طبعا المناضل العضوي الحاضر بأساساته الإبداعية والفكرية.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية