الحقائق المغيبة في النقاش حول الحجاب: محاولة للوصول الي رؤية واضحة

حجم الخط
0

محمد شاويش

الدردشة الخاصة التي رأي فيها الوزير فاروق حسني أن الحجاب ظاهـــــرة متخلفة تحولت الي مشكلة في مصر من تلك المشكلات الدورية التي تعودنا عليها هذه الأيام، فكل بضعة أسابيع تنشب مشكلة جديدة تتـــعلق بموضوع عن الاسلام وفي الغالبية الساحقة من الحالات تفــــتقد المساهمات الي أي منهجية ووضوح في المفاهيم ويخلـــط فيها الحابل بالنابل وتتداخل فيها مسائل مختلفة لا علاقة لها مع بعضها في جو مزعج من التشويش المــــفروض ألا يحتمله أي انسان عنده الحد الأدني من الوضوح الذهني أو التفكــــير المنطــقي السليم.

هذا المقال هو محاولة متواضعة للوصول علي وضوح في المفاهيم المستعملة، والي فصل المسائل عن بعضها اذا كانت في طبيعتها مختلفة، لأن عدم الوضوح يؤدي الي تحول النقاشات الي هذيان لا ينجم فقط عن خطأ في التفكير، بل ينجم في معظم الحالات عن وجود مصالح تريد تضليل الناس ـ في الشرق والغرب علي السواء ـ قصداً وعمداً.

وآمل أن يتضح للقارئ في نهاية المقال أن الضحية النهائية لهذا التشويش هما الطرفان المظلومان تاريخياً منذ بداية هذا العصر العربي الحديث، هذان الطرفان هما المرأة والمجتمع الأهلي.

1 ـ مفهومان: الحجاب و غطاء الرأس:

لا يهتم المتحاورون بالفصل بين مفهومين مختلفين تمام الاختلاف هما الحجاب و غطاء الرأس عند المرأة. الحجاب في استعمالنا الحديث هو نوع من الثياب ترتديه المرأة انطلاقاً من رؤية دينية، فهي وفقاً لهذا النوع من الثياب تسير علي فتوي معينة، بينما غطاء الرأس هو لا أكثر ولا أقل قطعة من الثياب تخص جزء الرأس في البدن، لأن ثياب البشر تتألف من أجزاء تخص أعضاء الجسم فثمة ما يخص الجزء الأعلي وما يخص الجزء الأدني وما يخص الأقدام أيضاً كالجوارب والأحذية، وغطاء الرأس ترتديه المرأة كما يرتديه الرجل وبأشكال مختلفة للغاية لم يحاول المناقشون تقريباً في جميع الحالات أن يكلفوا خاطرهم ويدرسوها، لأن غطاء الرأس أمر معروف في مجتمعنا عند الرجل أيضاً وليس هذا فحسب بل ثمة مجتمعات نعرفها يرفض فيها الرجل أن يظهر فيها رأسه عارياً أمام الغرباء بحدة لا تختلف عن حدة المرأة التي ترفض كشف رأسها أمام الغرباء.

وقد حدثنا أخونا أمجد ناصر في مقال نشره من مدة قريبة في جريدة القدس العربي (هويات ملفقة، بتاريخ 26/11/2006) عن أغطية رأس الرجال في الأردن، وهو مقال طريف يستطيع القارئ أن يستنتج منه أشياء أخري غير التي قصد الكاتب الي استنتاجها، من هذه الأشياء: أن غطاء الرأس كان هو الأصل عند الرجال في شرائح اجتماعية كثيرة، وأن كشف الرأس عند الرجال هو في هذه الشرائح ظاهرة جديدة.

ويستطيع الفقير لله أن يستشهد بشريحة مجاورة جغرافياً للشريحة التي وصفها الكاتب وهي الشريحة التي ولد فيها الوالد رحمه الله الذي لا اذكر أنني رأيت رأسه عارياً منذ ولدت وحتي غادرت البيت الي المنفي الا في مرات قليلة نادرة للغاية، وحدثت هذه المرات القليلة في البيت، أما أن يخرج الي الشارع برأس عار فهذا ما كان مستحيلاً كل الاستحالة وأعتقد انه لو اجبره أحد علي الخروج الي الشارع عاري الرأس لعد هذا مصيبة عظمي واهانة ما بعدها اهانة، ولماذا نستغرب ونحن نعرف مثلاً معني (العقال) وأهميته في أوساط كثيرة من البدو والفلاحين.

وغطاء الرأس في الأردن وفلسطين للرجال ليس فريداً من نوعه طبعاً فأنت تجد غطاء رأس للرجال حيثما سرت في عرض بلاد العرب وطولها، بل في عرض بلاد المسلمين وطولها (وتذكروا قبعات الشراكس والشيشان)، بل في عرض العالم وطوله، في البلاد غير المسلمة ولا يستثني منها أوروبا القديمة.

أنَّ غطاء الرأس قد يكون بكل بساطة، ولا أكثر ولا اقل، جزءاً أصيلا من نظام الأزياء لكل المجتمع، أو جزءاً متحولاً في هذا النظام، فهذا الذي لا يذكره المتحاورون عادة اذ أن من يعترضون علي غطاء راس المسلمات ومن يؤيدون هذا الغطاء متطابقون في الرأي أنه مظهر ديني ونقطة.

هذا ما يسهل طبعاً التمييز ضده في البلدان التي تمنع المظاهر الدينية في المدارس والجامعات، فالفرنسيون ومثلهم الأتراك والتونسيون لا يجدون أنفسهم مضطرين في هذه الحالة الي سؤال الفتاة التي تضع علي رأسها منديلاً عن معناه عندها، ان كان زياً وطنياً تقليدياً، أو كان حتي صرعة شخصية مما يتسامح المجتمع الحديث معه كما يتسامح مع من يضع حلقاً ومسامير في شفتيه وأحياناً في لسانه من الشباب الصاعد، ذلك أن المعني الوحيد لهذا الغطاء وفقاً للمصادرة التي يسير عليها الجميع لا يمكن أن يكون الا معني الالتزام الديني (هي مصادرة بمعنيي الكلمة: المعني المنطقي أي المسلمة المقبولة بلا برهان، والمعني الشائع أي معني الاستيلاء علي مال خاص وتحويل ملكيته الي مالك جديد).

لو عدت الي مثال أغطية الرأس عند الرجال وسألت: اذا كان الرجال في مجتمعات معينة يعدون غطاء الرأس جزءاً لا يتجزأ من الثياب بحيث يكاد الواحد منهم يحس بأنه عار ان تجرد منه، فكيف نتعامل مع هذا النوع من الثياب، كيف نفسر هذا الارتباط العاطفي الشديد بين الرجل وغطاء رأسه، ألا يوجد هنا شيء يذكرنا بموقف تلك الفتيات اللواتي يرفضن خلع غطاء رؤوسهن في فرنسا وتركيا وتونس وغيرها؟

أنا لا أشك أن كلا الطرفين المتطابقين في الرأي رغم عدائهما الظاهر، فريق المتدينين الجدد كما أحب أن أسميهم بأقسامهم المتعددة من متسيسين وغير متسيسين وفريق الاستئصاليين الذين جعلوا همهم في الحياة الكيد للأوائل ومحاولة محاصرتهم والتضييق عليهم والقضاء عليهم ان أمكن، سيعترضان علي الكلام السابق وأنا لا أستغرب هذا الاتفاق في الرأي لأن كلا الفريقين في اعتقادي ينطلق من عداء أصيل للمجتمع الأهلي.

ينطلق المتدينون الجدد من نظرة اصلاحية سلفية تري أن كل شيء في المجتمع (بتركيبته التاريخية الناتجة عن تجربة مزدوجة ذات بعدين: البعد الأول هو الالتزام بالنصوص المنزلة والبعد الثاني هو تفاعل فهم هذه النصوص مع التجربة، وهذان البعدان هما اللذان أنتجا المجتمع الأهلي) هو اما لا شرعي الوجود، أو علي أقل تقدير ذو شرعية مشكوك فيها يجب تعليقها بفهمهم الجديد الذي يقول بوضع التاريخ كله بين قوسين والعودة الي النصوص الأصلية الصافية بدون أي شروح أو منظورات جاءت بها خبرة القرون (هناك جناح من المتدينين الجدد يضع الي جانب النصوص كمرجع للشرعية ما كان عليه الأسلاف في القـــرون المفضلة، وهذا يعد نصاً معصوماً ثانياً).

هذا الفصل ما بين الدين و التقاليد (وفي قضية الحجاب يستعملون له كلمتين يكثر تداولهما هما العادة و العبادة) هو فصل غير مشروع في اعتقادي، اذ لا نشك في أن التزام أولئك الرجال العرب الذين تكلمنا عنهم بغطاء الرأس هو بتعبيرهم عادة، ولعلهم لم يكونوا يفكرون في مسألة علاقته بالدين (الاسلامي أو المسيحي، وكون بعض هؤلاء مسيحيين هو أيضاً من بعض منسيات عصرنا الذي تهيمن عليه الرؤي السطحية في مناقشة هذا الموضوع)، ولكن الفصل ما بين الديني والدنيوي لم يكن أصلاً معروفاً، اذ كان الدين في الحقيقة يقترب من معني أصلي لهذه الكلمة في اللغة العربية وهو العادة والسيرة المألوفة كما في بيتي المثقب العبدي الشهيرين اللذين يقولهما علي لسان ناقته:

تقول وقد درأت لها وضيني … أهذا دينه أبداً وديني؟
أكل الدهر حل وارتحال؟ … أما يبقي عليّ ولا يقيني؟

فالدين كان هو عادات هذا الانسان والقيم التي يسير عليها، لأن المروءة التي يمكن تعريفها بأنها مجمل السلوك الذي يشرف صاحبه ولا يشينه في المجتمع هي علي وجه التحقيق ما يدعو اليه الدين الكامل المنزل، وهنا لا تغدو الأعراف والتقاليد شيئاً نقيضاً للدين بنظر أصحابها علي الأقل بل هي جزء لا يتجزأ من الدين.

بهذا المعنى يعتبر الزي للرجال والنساء معاً، وغطاء الرأس من ضمنه بالفعل جزءاً من الدين، ولكن بمعنى يختلف كل الاختلاف عن معنى مصطلح الدين كما يستعمله الطرفان اللذان ذكرناهما قبل قليل، إذ الدين عندهما، هو ايديولوجيا يهدف حاملوها إلى فرضها على مجتمعهم، بل يطمحون إلى فرضها على غير مجتمعهم بالقوة. نحن هنا لسنا إزاء منظومة ثقافية متكونة تاريخياً بل إزاء مشروع سياسي ـ اجتماعي لاتجاه سياسي راديكالي تكون في المجتمع الحديث.

2 ـ عن اللامألوف في الحجاب

تقول بيانات الحكومة التونسية في تبرير إجراءاتها القمعية ضد من تغطي رأسها من فتيات ونساء تونس أن الحجاب زي طائفي مستورد. يريدون بذلك طبعاً القول أن هذا النوع من غطاء الرأس الذي يخلط كما قلنا مع النوع التقليدي ولا يهتم أحد بالفصل بينهما ظهر مع ظهور المتدينين الجدد، الذين للحكومة التونسية مشكلة مع قسمهم المتسيس (الإسلامانيين) كما أفضل تسميتهم لأن الاسم الشائع الإسلاميون هو خطأ فادح، بل هو في الحقيقة لا يغتفر يرتكبه العرب ولا يرتكبه الغربيون الذين يفرقون بين مفهومي Islam وIslamism إذ ينسب بهذا عندنا إلى الإسلام كله ما هو مجرد اجتهاد لبعض المسلمين، ولا يعني تمييزي بين هاتين الكلمتين أنني من كل بد أعترض على كل ما يمكن أن يصدر عن هؤلاء، لأن منهم وبالذات في تونس من أمثال الأستاذ راشد الغنوشي من هو بلا شك أكثر ديمقراطية وحداثة بما لا يقاس من السلطات التي تقمعهم باسم الديمقراطية والحداثة، وعلي أن منهم في العالم الإسلامي من هو بالفعل على عكس هذا ظلامي العقل والتفكير، بل منهم من هو مروج أو ممارس لعنف وحشي أعمى يضعه في مصاف أعداء الإنسانية بجميع أديانها وقومياتها.

حيث أن الموضوع كما فهمنا من الحكومة التونسية هو اعتراض على زي مستورد، فلنا أن نسأل هؤلاء السادة عن زيهم هم، أهو مستورد أم لا؟ ذلك أننا نعرف شيئاً واحداً وهو أن كلمة مستورد هي عادة تقابل كلمة وطني. فإن كان الزي الرسمي التونسي الذي يرتديه الوزراء مثلاً في نشاطاتهم الرسمية هو الزي الأوروبي الحديث المعروف، فلماذا يعاب على الفتيات والنساء وحدهن استيراد الزي!

أما كون هذا الزي طائفياً نتيجته قسمة المجتمع بين طائفتين، فهذا لعمري ينطبق على طائفية هذه النخبة الحاكمة، التي تخالف تاريخياً بصراحة مفتقدة عند حكومات عربية أخرى عادات ومعتقدات الغالبية السكانية.

وفي حدود علمي فإن أقطار المغرب العربي ومن بينها تونس مثلها مثل السودان وأقطار الخليج واليمن، وبخلاف الوضع عندنا نحن أهل الشام ومدن مصر، لا يندر فيها أن يستعمل الناس، وهنا أهتم تحديداً بالذكور منهم، الزي الوطني، وكلنا يعرف هذا الزي في تونس وهو بالمناسبة يتضمن غطاء للرأس معروفاً.

والسؤال الآن: ما العمل لو دخلت فتاة تونسية بثيابها الوطنية التي تتضمن حكماً غطاء للرأس مدرجات الجامعة التونسية؟ هل ستمنع يا ترى كونها ارتدت غطاء للرأس هو على كل حال يمكن أن ينطبق عليه اسم الحجاب رغم أننا لا نعرف على وجه التحديد إن كانت هذه الفتاة متدينة أم لا؟

ونحن من جهة أخرى إن أجبرناها على كشف رأسها نكون ارتكبنا خطأ يأباه عالم الأزياء عموماً وهو إنقاص جزء من الزي بحيث يزول جزء من الانسجام. تخيلوا مثلاً جندياً لبس قميصاً عسكرياً تحته شورت للاعب كرة قدم! في هذه الحالة سنقول إن هذا الجندي خرج على المألوف.

وها هنا النقطة الجوهرية بالفعل: إن غطاء الرأس في بلادنا أصبح غير مألوف منذ أن تبنينا الزي الأوروبي الحديث الذي لا يوجد فيه غطاء للرأس لا للرجال ولا للنساء. ما كانت قضية غطاء الرأس مطروحة عند الأجيال القديمة من نسائنا ولا رجالنا لأن أزياءنا الوطنية كانت تتضمنهما كجزء لا يتجزأ منها وعلى اختلاف هذه الأزياء بين ريف ومدينة، وبين قطر وآخر، ومنها ما يتضمن تغطية الوجه أو أجزاء منه (في المدن للنساء وهو تقليد أصله فيما أعتقد يتعلق بظروف هذه المدن أكثر مما يتعلق بفتوى دينية، أما في الريف والبادية فكانت النساء يكشفن وجههن كما هو معلوم، وعند الطوارق يتلثم الرجال أيضاً).

حين يتبنى الرجل الثياب الأوروبية الحديثة وتنفرد المرأة لوحدها بالخروج على مألوف هذه الثياب بأن تغطي رأسها (غطاء الرأس عنصر نشاز في الزي الأوروبي كما هو واضح ومعلوم على حين هو عنصر أصيل يكون الزي بدونه ناقصاً في الأزياء الوطنية) نرى بالفعل تمييزاً لا ريب فيه يمارس بحق المرأة، لأنه فرض عليها ما لم يفرض على الرجل ببساطة، لأنها هي وحدها طلب منها أن تضيف إلى زيها الأوروبي عنصراً ناشزاً على حين يرتدي الرجل المسلم والعربي الزي الأوروبي العادي بانسجام تام مع مكونات هذا الزي، مما يجعل المرأة وحدها متميزة بعلامة مميزة!

(ويظهر هذا في أسوأ نتائجه الاجتماعية في حالة العربية والمسلمة المقيمة في المجتمع الغربي) وهذا بالمناسبة خلاف صريح للدين الاسلامي الذي يساوي بين الرجال والنساء في الواجبات والحقوق، وانظروا مثلاً الي حالة النساء في أوروبا أو في بعض البلاد العربية الاسلامية التي ينظر فيها الي غطاء الرأس عند المرأة علي أنه علامة علي تبنيها لمعتقدات المتدينين الجدد، ولا سيما منهم الاسلامانيين.

فقط هؤلاء النساء يعانين من التمييز بسبب مظهرهن علي حين يوفر الرجل حتي لو كان من المتدينين الجدد علي نفسه هذا الازعاج، وهو الذي يتولي التوكيد الدائم علي وجوب ارتداء المرأة للحجاب! وعلي أنه مفروض بل معلوم من الدين بالضرورة كما قال علماء الأزهر في ردهم علي تصريحات وزير الثقافة المصري.

و لأسق هنا سيناريو تخيلياً لوضع الجاليات الاسلامية في الغرب يكون فيه جميع أفراد هــــذه الجاليات ملتـــزمين بأزيائهم الوطنية، في هذه الحالة سيكون التمييز ضد هؤلاء الناس بسبب أزيائهم هو تمييز شــــامل للرجال والنســـاء معاً، وسيظهــــر التميـــيز علي حقيقته العنصرية علي أنه تمييز ضد ثقـــافة أخري وليس ضد ايديولوجيا سياسية محددة.

3 ـ عن الحرية!
تصريحات الوزير المصري أثارت تعاطفاً معه من قبل كثير من المثقفين، وعد الهجوم عليه هجوماً علي حرية الرأي.

في اعتقادي أيضاً أن السيد فاروق حسني كفرد من حقه أن يقول رأيه في الحجاب بكل حرية، وبهذا المعني فان الهجوم عليه ان كان منطلقاً انه لا يحق له كفرد التعبير عن رأيه في الحجاب فهو بمثابة تشبيح تعودنا عليه علي كل حال من المتدينين الجدد، كما تعودنا عليه من غيرهم أيضاً، وفي معظم الحالات يكون هناك فرق بين هؤلاء وخصومهم أنهم صريحون في رفضهم لحرية الرأي، علي حين خصومهم يدعون ايمانهم بهذه الحرية وممارساتهم هي نقيضة لادعاءاتهم، وقد قرأت في بعض الروايات التي نقلت دردشة الوزير انه قال: لو كانت زوجتي محجبة لمنعتها من لبس الحجاب.

ومن الغريب حقاً أن هذا التصريح بالذات لم يثر اعتراض الفريقين كليهما، فنحن نفترض في الفريق اللبرالي أو العلماني أو الديمقراطي أو ما شئتم من صفات أن يكون مع الحريات الشخصية أولاً، وهذا التصريح يتناقض بشكل واضح مع حرية شخصية هي حرية الفرد في ارتداء ما شاء من ثياب، ونفترض أن يكون نصيراً لتحرر المرأة من قمع الرجل وسيطرته البطريركية عليها من جهة أخري؛ علي حين يمثل هذا التصريح نموذجاً فجاً لهذا القمع الذكوري البطريركي للمرأة من قبل الزوج.

أما بالنسبة للمتدينين الجدد فكل ما لفت نظرهم في تصريح الوزير كان موقفه المعادي للحجاب، وظلوا بالطبع بعيدين عن موقفه الديكتاتوري من زوجته لأنهم من حيث المبدأ لا اعتراض لهم عليه!

ولو تكلمت عن فاروق حسني بصفته وزيراً وليس بصفته مواطناً عادياً فإنني لو كنت مواطناً مصرياً سأقر بحقه كفرد بأن يعترض على الحجاب، ولكنني سأطالبه بالاستقالة لأن هذا الموقف يشكك بحياديته تجاه قطاع كبير من المجتمع المصري هو ذلك القطاع المؤيد للحجاب أو لغطاء الرأس.

وفي وصف الوزير له بأنه متخلف عداء واضح له لا يجوز أن يبطنه، ناهيك أن يعلنه موظف رسمي مسؤول، وفي الديمقراطيات الغربية يجبر الوزراء على الاستقالة إذا أعربوا عن مواقف معادية لشرائح اجتماعية معينة في المجتمع.

وكل ما تقدم من قول لا يتعارض مع تقرير مبدئي مهم يجب ذكره بشكل واضح، وهو أن كل تمييز بحق النساء لارتدائهن غطاء الرأس، وبغض النظر عن السبب الذي جعلهن يرتدينه، أكان قناعة دينية أم تقليداً من تقاليدهم الوطنية أم كان أي سبب آخر هو تمييز مدان وسلوك ينتمي إلى فصيلة السلوكيات العنصرية.

وأجد نفسي هنا في تطابق تام في الرأي مع الأستاذ فهمي الهويدي في مقال كتبه عن هذا الموضوع (كلمة في حوار عبثي، جريدة أخبار الخليج البحرينية 10/12/2006) يقول فيه بعد أن يفرق بين حرية الاعتقاد والتفكير وبين حرية التعبير حتى لو مست كرامة الآخرين: فالأخيرة ترفضها الديمقراطيات المستقرة في العالم مثل الهند التي لا يسمح فيها لأحد أن يسخر في وسائل الإعلام من عبادة البقر ومثل الديمقراطيات الغربية التي لا يقبل فيها المس بالمثليين؛ يقول: ألا يحق للمتدينين والمحجبات ضمناً أن يعاملوا بقدر من الاحترام مماثل لذلك الذي يتمتع به المثليون في الغرب وعبدة البقر في الهند؟

ويختم بالقول: الدعوة إلى احترام خصوصية المتدينين تستصحب دعوة مماثلة لاحترام خصوصية الآخرين. وما لم تقم العلاقة على أساس من الاحترام المتبادل فإن المعادلة ستختل، ولن تتوقف حروبنا الأهلية البائسة.

في هذا الصدد ينبغي أن يتذكر المتدينون خاصة أن حق الكرامة في المرجعية الإسلامية مكفول بالمطلق لكل بني البشر، باختلاف أعراقهم ومللهم ونحلهم ومشاربهم، وهو ما يقرره النص القرآني: “ولقد كرمنا بني آدم”، أكرر: بني آدم. وأرجوكم أن نقلب هذه الصفحة بسرعة، لكي ننصرف إلى ما هو أنفع وأجدى.

انتهى كلام هويدي وفيه من الحكمة ما يجب ألا يخفى.

4 ـ خاتمة: الضحية الحقيقية في القضية: المرأة والمجتمع الأهلي:

كل هذا النقاش الذي يسوده التشويش والتضليل غير المتعمد أحياناً والمتعمد في معظم الحالات كما قلنا يقع ضحية له في نهاية المطاف الطرفان الأكثر ظلماً في العصر الحديث: المرأة والمجتمع الأهلي.

لقد تحولت مسألة غطاء رأس المرأة إلى علامة لهوية مفروضة على المرأة أولاً وعلى المجتمع الأهلي بأسره ثانياً، وصار بالتالي ذريعة لقمع هذين الطرفين؛ فالمرأة تقمع مباشرة في بلاد متعددة لمجرد ارتدائها هذا الزي في تناقض مع كل عرف إنساني أو ديمقراطي أو ديني أو حتى علماني، ومن جهة أخرى يفرض على المرأة أيضاً أن تتحمل نصيباً إضافياً من الاضطهاد العنصري الموجه أصلاً ضد المسلمين ذكوراً وإناثاً.

وحين يتم النقاش بين المتدينين الجدد وخصومهم الاستئصاليين، نلاحظ أن النقاش بين الطرفين يدور على أساس مشترك هو السعي للتحكم القمعي في المجتمع الأهلي التقليدي ومحاولة تغييره بالقوة، حتى لو استلزم ذلك استعمال أساليب لا إنسانية، وهذه الحقيقة الأخيرة هي الغائبة في النقاشات الدائرة حول ما يسمى الحجاب.

كاتب من فلسطين يقيم في برلين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية