رشيد بوطيب
في أجواء أبعد ما تكون عن النقد والنقد الذاتي، انتشرت وتنتشر في أوروبا رؤى وقراءات للمرأة المسلمة ووضعيتها، تتلون في غالب الأحيان بالأيديولوجيا وتنحو إلى التسرع وتستند إلى أحكام مسبقة بدل أن تعمد إلى تفكيك الفرضيات التي تنطلق منها في قراءتها للآخر. وساهمت في خلق هذه الأجواء غير النقدية والمتخمة بالحقد شخصيات لها حضور إعلامي قوي، وعلى رأسها الصومالية آيان هيرزي علي وفي ألمانيا نيكلا كيليك ورالف جيوردانو، وهنريك برودو إلخ.. ، في حين تغيب كليا عن المشهد الإعلامي الألماني مثلا، شخصيات تتبنى مقاربة نقدية لقضية الإسلام، إلا فيما ندر وفي حيز ضيق أو هامشي فقط.. إن الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها طروحات هذه الشخصيات التي ذكرناها سابقا، تتلخص في كلمات هيرزي علي التي تقول ‘باستحالة الجمع بين الإسلام والديمقراطية’، وأن ‘الإسلام عدو للتنوير’، وأن ‘المشكلة تكمن في الإسلام وليس في المسلمين’، وأن ‘الحجاب تعبير عن القمع الذكوري للمرأة في الإسلام’، إلخ.. وطبعا هذه مزاعم لا تصمد البتة أمام نقد علمي، فالاتهامات نفسها يمكننا أن نكيلها لبقية الأديان التوحيدية، إن لم يكن لكل الأديان الأخرى، وهي في نهاية المطاف اتهامات تنطلق من واقع الإسلام في مرحلة تاريخية معينة، يعيش فيها العالم الإسلامي تخلفا على جميع المستويات، وبدلا من أن تبحث في الأسباب التاريخية لهذا التخلف، تلصقه بالدين. إنها النظرة الثقافوية التي سادت الاستشراق التقليدي والتي يتبناها اليوم ‘التسطيح الإعلامي’ في الغرب عند حديثه عن الإسلام، لأنها تتوافق مع النموذج الإعلامي السائد، القائم على تقديم وجبات سريعة على حد تعبير بيير بورديو، وتعيد إنتاج الكليشيهات والرؤى السطحية، غير الديمقراطية، عن الآخر. وفي ظل هذه الأجواء المسمومة، يظهر كتاب كريستينا فون براون وبيتينا ماتيس ‘الواقع المحتجب: المرأة، الإسلام والغرب’ ليفكك المسلمات التي تنطلق منها الرؤية الغربية في قراءتها للإسلام ولوضعية المرأة المسلمة خصوصا. إن الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها هذا الكتاب، الذي يمكن أن نعتبره استمرارا لكتاب ‘الاستشراق’ لإدوراد سعيد، لكن بوسائل نسوية، تقول بأن المرأة الغربية في رغبتها المحمومة إلى نزع حجاب المرأة الشرقية أو ‘تحريرها’ كما تزعم، يجب النظر إليها أيضا في سياق النظام الجنسي الغربي، وبالنظر إلى وضعية المرأة الغربية نفسها في المجتمعات الغربية. إن الباحثتين تلتقيان في ذلك مع الفكرة التي دافعت عنها الإثنولوجية ماريون باومغارت في كتابها ‘كيف تنظر النساء إلى النساء: باحثات غربيات لدى النساء العربيات’ والتي ترى بأن صورة ‘المرأة الشرقية’، التي انتشرت في هذه الكتابات الغربية منذ القرن التاسع عشر ‘تتوافق صميميا مع القطائع والاستمراريات المتعلقة بصور النساء في البلدان الأوروبية الأصلية لهاته الباحثات’. وبدلا من أن توجه الباحثات الغربيات سهام نقدهن للفكر التنويري الذي رغم ‘دفاعه عن أولوية العقل على الإيمان واعترافه بالفردية، إلا أنه يقوم على فهم للعلاقة بين الجنسين، ترى في الرجل ممثلا للذات الشاملة، في حين تبقى المرأة تجسيدا للانحراف واللاعقل والطبيعة’، لجأن إلى التحايل على وضعيتهن في المجتمع الغربي، عن طريق إسقاط كل القمع الذي تعانينه في هذه المجتمعات على المرأة الشرقية. إن العلاقة مع المرأة الشرقية تمنح المرأة الغربية إحساسا بالتفوق والحرية والكونية، أي تحقق أمنيتها في أن تخرج من الطبيعة إلى الثقافة. كما أن ‘تحرير’ المرأة الشرقية يعني قدرتها على أن تمارس سلطة مفهومية، هي لا تملكها داخل ثقافتها، إن ذلك يحولها إلى مركز ويخرجها من الهامش الذي تعيش فيه داخل مجتمعاتها ‘ولهذا ليس من الخطأ ـ نقرأ في ( الواقع المحتجب) ـ أن نزعم بأن الاعتراف بالمرأة الغربية كذات لم يتحقق إلا خارج حدودها الوطنية، في التقائها بنظيرتها جنسيا، ولكن المختلفة عنها ثقافيا. وهنا تتحقق الاستمرارية بين نساء القرن التاسع عشر اللواتي فتحن أبواب الحريم أمام أعين غربية والناشطات النسويات اللواتي يعشن في الغرب واللواتي يحاولن اليوم تحرير المسلمات من الحجاب’، استمرارية تؤكد استمرار الأحكام المسبقة نفسها التي بلورتها الحركة التنويرية في الغرب ضد الدين والإسلام خاصة من جهة، ومن جهة ثانية تفضح نزوع المرأة الغربية إلى إسقاط العنف الرمزي الذي تعيشه في مجتمعها، والذي يظل خفيا ومحتجبا ولكن ناجعا في آن، على المرأة المسلمة المتحجبة. لقد أكدت ذلك جوليا كريستيفا وهي تتحدث عن المرأة الغربية كغريبة في ثقافتها. إنها آخر العقل أو آخر الثقافة، المسجونة في الطبيعة التي طمح عقل الأنوار إلى تجاوزها كما طمح إلى ذلك الدين من قبله. إن زيارة الرحالات الغربيات إلى الحريم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم تكن مسكونة برغبة في التعرف على الآخر، ولكن بنزوع إلى التحرر من الذات، وإسقاط إخفاقاتهن على المرأة ‘الأخرى’، وتأكيد انتمائهن إلى ‘الثقافة’ مقابل ‘الطبيعة’ أو مقابل ‘الطبيعة الخالصة للنساء الشرقيات’. ولتحقيق ذلك تطلق المرأة الغربية العنان لأحكامها المسبقة وأمراضها الداخلية وصورها العنصرية التي تنكر على المرأة المسلمة إنسانيتها. فها هي الرحالة الألمانية إيدا فون هنهان تكتب في رسالة إلى أخيها عن زيارتها للحريم قائلة:’ أمر مرعب بالنسبة لي أن أرى هذه الكمية من الإناث المتوحشات’ وتابعت:’ أفضل رؤية قطيع من البقر أو الغنم، الحريم ينزل بالمرأة إلى مستوى الحيوان’. يشعر القارئ وهو يتابع كتابات الرحالات الغربيات عن الشرق بهذه الرغبة المرضية في نزع صفة الإنسانية عن الآخر، وهي رغبة ما زالت حاضرة بقوة في كتابات الحركة النسوية في الغرب عن النساء المسلمات، ومن يسير على طريقها، وفي الخطاب الإعلامي السائد، وهي رؤية تدخل في إطار أكبر: النزعة الكولونيالية التي سبق لإدوار سعيد أن فضح عنفها الرمزي ورفضها المرضي للمختلف والمغاير.
كاتب من المغرب يقيم في المانيا