الحقيقة التائهة بين الطموح والواقعية

حجم الخط
0

الحقيقة التائهة بين الطموح والواقعية

الحقيقة التائهة بين الطموح والواقعية اثار الممثل الشهير عمر الشريف زوبعة عاصفة من الجدل عندما وصف الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر بانه عميل امريكي. ويرجع سبب ذلك الجدل لتعارضه مع ما هو شائع بين الناس من ان عبد الناصر هو بطل قومي مثل طموحات العرب بالوحدة ووقف في وجه مشاريع الاستعمار الغربي وبخاصة امريكا. فبين اعتبار جمال عبد الناصر بطلاً قومياً معادياً للغرب الاستعماري وحليفاً للمعسكر الاشتراكي (الاتحاد السوفييتي سابقاً) وبين اعتباره مجرد عميل لقوي الاستعمار نفسها التي ادعي محاربتها بون شاسع لا بد من الوقوف علي حقيقته. ولتحديد طبيعة هذه العلاقة يطل علينا اكرم الحوراني (نائب عبد الناصر زمن الوحدة بين مصر وسورية) في مذكراته بقوله ان خروشوف رئيس الاتحاد السوفييتي قد وجه حديثه للوفد العربي برئاسة عبد الناصر وعضويته يوم وصولهم الي موسكو في اول اجتماع لهم باسلوب فيه سخرية وقسوة (مشيراً) الي ان اخبار المناقشات بين الجانب السوفييتي والمصري كانت تتسرب الي الغرب دائما.. ثم ندد (خروشوف) بسياسة اللعب علي الحبلين وابتزاز الاموال وقال اننا لا نجهل ارتباطكم بالغرب ولكن لا بأس ان تأخذوا من هؤلاء الخنازير الغربيين القروض والمساعدات. ويصف الحوراني ردة فعل رئيسه علي ذلك قائلاً: اما عبد الناصر فقد امتقع وجهه ولكنه لم ينبس ببنت شفة. وفي سياق ذات صلة يذكر الحوراني ايضاً ان تحقيقات المحكمة المختصة بملف العصيان العسكري الذي قاده جاسم علوان عام 1962 في حلب، المطالب باعادة الوحدة التي انفرط عقدها مع مصر، ان تلك التحقيقات ادانت مساهمة القنصلية الامريكية في حلب بتحريض الناس علي تأييد العصيان وتوزيع صور جمال عبد الناصر فيها، الامر الذي دفع الحكومة السورية للمطالبة بانهاء خدمات القنصل الامريكي.ويعضد ما سبق ذكره الرئيس المصري انور السادات في كتابه الذي تم نشره ابان حكم عبد الناصر سنة 1957 بعنوان: يا ولدي هذا عمك جمال ليجلي لنا السادات طبيعة علاقة الضباط الاحرار الذين قاموا بانقلاب 1952 بقيادة عبد الناصر بامريكا حيث يقول: فمن اول يوم لبينا دعوة المستر كافري (سفير امريكا) التي دعانا فيها الي العشاء وذهبنا جميعاً (مجلس قيادة الثورة) الي منزله قبل ان يعلم الناس في مصر والعالم من هم رجال ثورة مصر في الوقت الذي قاطعنا فيه السفارة البريطانية تمام المقاطعة حتي ان المستشار الشرقي بها كان يبحث ويحاول ان يصل الي معرفة اشخاصنا… كان هذا في الوقت الذي كان السفير الامريكي دائم الاتصال بنا. ويشرح انور السادات في مذكراته كيف تدخلت السفارة في تأمين جلاء الملك فاروق عن مصر بدل التدخل لمصلحته لانهاء الانقلاب، وكيف ان الضباط الاحرار يشعرون بالعرفان نحو امريكا لما قدمته من مساعدات ادت في نهاية الامر الي توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، كما يثمن السادات وقوف ايزنهاور رئيس امريكا وقفة حازمة ضد الهجوم الثلاثي (بريطانيا فرنسا واسرائيل عام 1956) ضد مصر وهي وقفة لا بد لي ان اسجلها له بالشكر والتقدير حسب قوله. ولا يختلف موقف فرنسا كثيراً عن موقف الاتحاد السوفييتي في حينه من وصفها لطبيعة علاقة الضباط الاحرار بزعامة عبد الناصر بامريكا، فقد كتب الصحافي الشهير من جريدة الموند الفرنسية جان لاكوتور كتاباً جديداً اسماه حياة من المقابلات يروي فيه ان وزير خارجية فرنسا كوف دو مورفيل قال له اثناء لقائه به عام 1953، عندما كان الاخير سفير فرنسا في القاهرة ان هؤلاء الضباط الاحرار يفيضون طيبة. لكن الذي لا افهمه هو وقوعهم في احضان الامريكيين . ومع ان عبد الناصر بات جزءاً من حقبة سياسية ماضية، الا ان ادراك واقعه يمنح القدرة علي فهم ابعاد الصراع في منطقة الشرق الاوسط فهماً يتجاوز اكتفاء نقل ما يطفو علي السطح من احداث وترديده كحقائق تسوق الجماهير العريضة وتوجهها مع ما يتفق مع سياسات الدول الكبري. كما تأتي اهمية جلاء تلك الحقيقة لتكشف ان العداوات المعلنة بين بعض النظم الحاكمة والدول الكبري لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الموقف بين تلك الاطراف، وانه لا بد من تحري تفاصيل العلاقات بين الدول وخباياها حتي يتشكل فهم واعٍ لطبيعة الحركة السياسية السائدة في المنطقة والعالم.حسن الحسننائب ممثل حزب التحرير ـ المملكة المتحدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية