الحقيقة المرة للشعبين

حجم الخط
0

دمتري شومسكييدعو البروفيسور شلومو افنيري في مقالته ‘حقيقة لا رواية’ (‘هآرتس’، 17/6) الى التمييز بين الروايات القومية والحقيقة التاريخية في عرض أحداث النكبة. فبحسب ما يقول، توجد من جهة الرواية الاسرائيلية الصهيونية عن الصلة بالوطن التاريخي للشعب اليهودي وازمة اليهود، ومن جهة اخرى الرواية الفلسطينية التي ترى اليهود طائفة دينية فقط وترى الصهيونية ظاهرة استعمارية. ويوجد وراء هذه الدعاوى في رأيه حقيقة تاريخية حقائقية ليست ‘رواية’: ففي 1947 قبلت الحركة الصهيونية قرار تقسيم الامم المتحدة، أما الطرف العربي فرفضه وخرج للحرب التي حدثت أحداث النكبة نتيجة لها.إن الحقائق التاريخية التي كانت جزءا من واقع الشرق الاوسط قُبيل 1947، والتي نشبت حرب الاستقلال الاسرائيلية بسبب وجودها وحدثت أحداث النكبة الفلسطينية، تحددت على أنها نتيجة مباشرة لقبول القوى الغربية الرواية الصهيونية قبل ذلك بثلاثة عقود. ففي 1917 بعد انهيار تركيا العثمانية وسقوط الشرق الاوسط في يد قوى الحلفاء أعلنت واحدة منها حق الشعب اليهودي في ان ينشىء له وطنا قوميا في ارض اسرائيل. وبُذل هذا التصريح عن اعتراف الحكومة البريطانية بصلة الشعب اليهودي بالوطن التاريخي وبمشكلة اليهود.كان من حسن حظ الحركة الصهيونية أن مصيرها أوكل الى قوة ذات حساسية لاهوتية بفكرة صلة شعب اسرائيل المقدس بارضه.لكن هلم نتخيل أن بريطانيا العظمى وحليفاتها بعد النصر في الحرب العالمية الاولى تبنت الرواية العربية أو الرواية الفلسطينية في بدايتها. وأنها بهدي من مبدأ تقرير المصير للشعوب الذي حاربت من أجله، قررت أن فلسطين وفيها الاستيطان الصهيوني الشاب، ستكون جزءا من الدولة العربية القومية العامة أو من دولة الشعب الفلسطيني. وكل ذلك عن وعد بألا يتم المس بالحقوق الدينية والمدنية ليهود فلسطين وأن تبقى كما بقيت ليهود تركيا العثمانية المتأخرة حتى نشوب الحرب.ينبغي أن نفترض أنه في هذه الحال ما كان اليهود الصهاينة سيجلسون مكتوفي الأيدي بل كانوا سيبدأون هبة مسلحة على الدولة القومية الجديدة التي أُنشئت فوق وطنهم التاريخي. وليس من الممتنع أن هذه الهبة من غير تأييد القوى العظمى في العالم كانت تخسر وتنتهي الى اعمال طرد ومجازر وتطهير عرقي، لم تكن نادرة لا في تركيا العثمانية المتأخرة، ولا في الدول القومية النصرانية ولا في المنطقة الاوروبية الآسيوية.أكان بعد هذه الكارثة القومية يوجد حتى مثقف صهيوني واحد يزعم أنه توجد حقيقة تاريخية حقائقية فوق الروايتين القوميتين مؤداها أن العرب عرضوا على اليهود نفس الحقوق الجماعية التي كانت لهم في تركيا العثمانية ـ التي تأثر بمداها وماهيتها دافيد بن غوريون في 1916 ـ لكن الصهاينة اختاروا طريق المواجهة المسلحة، وعليهم الآن أن يتحملوا النتائج ويتحملوا المسؤولية عن قرارهم؟ أشك في هذا. لأن هذا المثقف الصهيوني كان سيعيب عليه رفاقه في الحركة باعتباره خائنا وأنه لا ينطق عن الحقيقة التاريخية بل عن رواية العدو القاهر الذي سيطر بقوة الذراع وبمساعدة جهات اجنبية على وطن الشعب اليهودي.إن الروايات القومية جزء لا ينفصل عن الواقع الحقائقي للصراع القومي الاسرائيلي الفلسطيني لأنها تشكل وجهه وتغذي وجوده وتنشئه من جديد مرة بعد اخرى. هذه اذا حقيقة تاريخية واحدة وحيدة، حقيقة لا رواية. انها الحقيقة المرة للشعبين على هذه الارض.هآرتس 23/6/11

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية