إن تفكير هايدجر في الفن قاده بالضرورة إلى الأعمال الفنية وفي هذه الأخيرة نشوء لحقيقة وحدوث فيها كنزاع بين الانفتاح والانغلاق وفي حركة النزاع بينهما ينشأ سكون وليس مرد السكون هنا نابعا من غياب تام للحركة، وإنما هو سكون مأتاه الحركة اللامتناهية لبعدي الانغلاق والانفتاح؛ من هنا الكلام عن سكون العمل الفني في ذاته، هذا العمل الفني الذي يتحرك في دائرة الإبداع (1)،. فما هي السمة التي يعطيها هيدغر لمفهوم الإبداع؟ فالصانع إذا كان يقدم لنا عملا ما على أنه منتوج ونفس الشيء يقال على كل من النحات والرسام والنجار، فما الفرق بين كل هؤلاء؟ ما الفرق بين الإنتاج بصفته إبداع والإنتاج باعتباره صناعة؟ ‘إن الفنانين الكبار ليضعون القدرة اليدوية في أسمى منزلة، فهم يتطلبون أولا الصيانة الدقيقة في الإتقان التام، ويبذلون جهدهم قبل كل شيء من أجل التشكيل الجديد المستمر في الصناعة اليدوية’ (2)، يظهر إذن، أن الفن هو في جوهره صناعة وهو ما تدل عليه العبارة الإغريقية ‘تيخني’ حيث تحمل في طياتها دلالتي الفن والصناعة. إذا كان لـ ‘تيخني’ من دلالة فهي بالنسبة لهايدغر تضل بعيدة عن المعنى المألوف والمتداول، إذ التقنية منظورا اليها كصناعة وفن، أو التقنية كما درجنا على فهمها في عصرنا الحديث كمجموعة من الوسائل والأدوات ليست سوى الوجه البسيط والسطحي الذي يخفي عمق الكلمة. إن كلمة ‘تيخني’ تعني بالأحرى نوعا من المعرفة، ومعرفة شيء تعني رؤيته مسبقا بالمعنى الواسع لكلمة الرؤية والذي يفيد تلقي ما هو حاضر بما هو كذلك، وتقوم ماهية المعرفة حسب التفكير الإغريقي في الأليثيا، أي في كشف الكائن. إن الـ ‘تيخني’ كما عاشتها وعبرت عنها التجربة الإغريقية لامجال البتة لإقحامها ضمن الأفق الضيق للصنعة والحرف اليدوية، بقدر ما أن الـ ‘تيخني’ كانت بالنسبة لفكر موسوم بطابع الانفتاح على الوجود وبقدرته على تمييز هذا الأخير عن الموجود، نوعا من الإتيان بالشيء من اللاحضور إلى المجال المنكشف حتى يتسنى له بذلك الظهور والحضور. ‘إلا أن كل ذلك يحدث في وسط الكائن الذي يبزغ من تلقاء ذاته وسط الطبيعة’ (3) منظور إليها كـ ‘فزيس’ أي كانفتاح يحمل في طياته إمكانية الانغلاق؛ بهذا المعنى يمكن القول إن ما نراه في الأعمال الفنية بأنه ينحدر من عملية الصنع الحرفي هو شيء من نوع آخر، شيء تحدده وتطبعه ماهية الإبداع، هنا نعود فنطرح السؤال: ما الإبداع؟ لكي يظهر لنا من جديد المكون الأساسي في الفن وهو العمل الفني، والمرمى من ذلك هو أن فهمنا العميق لماهية العمل الفني لا بد له من أن يستند على فهم مبدئي لماهية الإبداع، رغم ما قد يبدو من تبعية العمل الفني للإبداع؛ إذ الأول هو نتيجة حتمية للثاني. ‘انطلاقا من التحديد الذي توصلنا إليه لماهية العمل والذي تبعا له يجري في الأثر حدوث الحقيقة، يمكن أن نحدد الإبداع بأنه ما يجعل شيئا ما ينبثق عن طريق اخراجه’ (4). إن العمل الفني كما أتينا على ذكر ذلك سلفا هو شكل من أشكال تجلي الحقيقة، من حيث هي صيرورة توضع في العمل الفني، فيكون بذلك المعنى الاغريقي لكلمة ‘وضع’ (5) هو نصب شيء في المجال اللامختفي. وتحدث الحقيقية على امتداد المسار التاريخي باعتبارها نزاعا بين الانغلاق والانفتاح حسب هيدغر بكيفيات متعددة؛ ومن بين هذه الكيفيات التي تؤسس بها الحقيقة ذاتها، نجد العمل الفني من جهة والفعل المؤسس للدولة من جهة أخرى، بالإضافة إلى التضحية الحق، وأخيرا نجد الفكر المتسائل باستمرار في تسميته للوجود. بخلاف كل هذه الأشكال، يكون العلم القائم على أسس ومبادئ الضبط والحساب والتكميم والقياس والموضوعية.. بكلمتين العقل المعقلن، شكل من أشكال تواري الحقيقة كأليثيا لصالح ما هو صائب بالإمكان أو الضرورة. أما اللحظة التي يغير فيها العلم مجراه المعتاد والذي ركن إليه منذ زمن سحيق ذلك المجرى الذي هيمنت فيه الثنائية الميتافزيقية صواب/ خطأ، آنئذ يمكننا الحديث عن فلسفة همها التنقيب الجذري والكشف الأساس عن الموجود بما هو كذلك في كينونته. إن الحقيقة تأسس لذاتها من خلال العمل الفني فتكون النتيجة بذلك انكشاف الموجود وبزوغه من ناحية، وكشف هذا الأخير للأشياء التي تحيط به من ناحية أخرى، إنها تحضر في المجال المنفتح حيث إمكانية التجلي تظل قائمة باستمرار(لنتذكر المعبد الاغريقي ولوحة فان كوخ. إن حقيقة العمل الفني هي التجاوز المستمر للعلة الفاعلة، إن تأسيس الحقيقة في العمل الفني يقول هيدغر: ‘هو إتيان بموجود ليس له قبله ولا بعده’ (6)، وهذا الإتيان بالموجود له معنى الإنتاج وهو ماهية الإبداع. وفقا لهذا المعنى الذي حددناه للإبداع بمكننا أن نعمق سؤالنا بخصوص كينونة المبدَع L’tre-cr’e. إن الاليثيا لا تؤسس لذاتها إلا باعتبارها نزاعا بين الانفتاح والانغلاق وفي صيرورة حدوث هذا النزاع الحاصل بين قطبي الانفراج والاختفاء ‘ينفتح عالم حيث يضع بنسبة لبشرية تاريخية، النصر والهزيمة، النعمة واللعنة، الاستقلال والخضوع موضع حسم’ (7) وفي اللحظة التي يتبدى فيها العالم تكون الأرض آنئذ بارزة، إنها تتبدى بصفتها حاملة الكل، بصفتها المصون والمحمي ودائم الإنغلاق. وإن كان للنزاع الذي يحدث بين السماء والأرض بين الانفتاح والانغلاق من دلالة توحي الى الشرخ والهوة الفاصلة بين الاثنين إلى التفكك والتباعد، فهو يحمل في العمق معنى أكثر أصالة. إنه الوحدة الرابطة بيت الاثنين وانتمائهما الأصيل إلى بعضهما بعضا. إن النزاع منظورا إليه كشق والذي يستند على قاعدة صلبة هي الأرض، هي اللون وهي الخشب، فهو الشكل وقد تم تثبيته، ‘إذ كون العمل الفني مبدعا يعني كون الحقيقة مثبتة في الشكل’ (8). وفي تحديد هيدغر للشكل قلب للمألوف، وإعادة نظر في المعتاد الذي يرى في الشكل نظيرا للصورة (9) ومقابلا هو المادة كما كرست ذلك التصورات التقليدية في حقل الجماليات مستندة إلى فهم عام للأداة كموجود طوع اليد والتي تذوب في الاستعمالية، فمع مفكر الوجود سيضحى الكلام عن الشكل نابعا من فهم للمصطلح الألماني stellen والذي يعني التأسيس والإيقاف والنصب. ليس هذا هو شأن كون العمل الفني مبدعا، سيصبح ذلك واضحا من خلال الطابع الثاني الذي سنورده الآن. إذا كانت دائرة الأعمال الفنية تلتقي مع دائرة المصنوعات في مجال الحرف اليدوية في كونهما يدخلان معا في صيرورة ما يتم إخراجه، فالفرق الجذري والأساسي بينهما نابع من كون أن العمل الفني يكشف لنا عن الحقيقة بكيفية صريحة باعتبارها لمعانا، هذا اللمعان، الذي هو كيفية من كيفيات ظهور الحقيقة، هو الجمال. وإذا كانت أهمية القصيدة بالنسبة لهيدغر لا ترجع البتة إلى كونها من نظم شاعر كبير قد ذاع صيته في المحافل الدولية وأصبح بذلك متمتعا بشهرة عمومية؛ بقدر ما أن القصيدة الحق هي التي يكون بمكنتها الإتيان بالمقدس كمركز للرباعي. نفس الشيء يصدق على مجمل الإبداعات بحيث لا يغدو للفنان أهمية كبرى، الفنان الماهر ذو الموهبة الفذة والعبقرية الثاقبة، إذ بروز كون العمل مبدعا يتحدد في ضرورة ‘المحافظة في العمل، داخل المجال المفتوح، على الأمر البسيط الذي هو أن هذا العمل قد تم إخراجه: على أن لاخفاء الكائن قد حدث هنا وأنه لا يزال يحدث بصفته هذا الذي حدث، على أن هذا العمل كائن وليس بالأحرى غير كائن'(10). من خلال كل ما سبق يمكن القول بأن حضور المبدع والعمل المبدَع ضمن الأفق الذي فكر فيه هيدغر يخرج من الحيز الضيق الذي ألفناه في الاستيطيقا التقليدية التي كانت ترى في المنتجات الإبداعية ثمرة جهود الفنان غايتها تربية الذوق الجمالي لدى المتلقي. فمع هيدغر سيتم الدفع بالفن إلى حدوده القصوى حينما سيطرق باب اللامعتاد واللامألوف، هذا اللامعتاد المتمثل في إعادة رسم راديكالة لثلاثية الفن: الفنان أولا، العمل الفني ثانيا، والمتلقي ثالثا، كيف ذلك؟ إن العلاقة الأصيلة التي للمبدع مع العمل الفني ترجع بالأساس إلى كون أن خروج المبدَع إلى حيز الوجود لابد له من المبدع على أن لا يكون ذلك شرطا حتميا يتطابق فيه حضور كل من الفنان والعمل الفني تطابقا يصل حد التماهي، وهو الشيء الذي قد يؤدي إلى الحكم المسبق على العمل الفني انطلاقا من الفنان. إذ يكفي في العمل الفني تأسيس الحقيقة لذاتها كنزاع العالم والأرض حتى يكون بذلك ذكر الفنان، ربما، بغير ذي أهمية كبرى. ‘كما أن العمل لايمكن أن يكون من دون أن يبدع، وكما أنه يحتاج بكيفية أساسية إلى المبدعين، فإن المبدع ذاته لا يمكن أن يكون من دون الحافظين’ (11) أولئك الذين يقيمون في المجال المفتوح الذي يحدث في العمل. هذه الإقامة المتعلقة بالحفظ هي معرفة، غير أن المعرفة هنا ليس المقصود منها حصيلة ما يمكننا أن نعرفه عن طريق تمثلنا لموضوع ما، معرفة تؤسس لنوع من الفصل التام والكلي بين الذات العارفة والشيء الذي هو موضوع المعرفة، إن المعرفة بالنسبة لهيدغر تختلف تمام الاختلاف عما كانت تعتقد فيه فلسفات الوعي من حدود فاصلة بين أشياء تكون مجمل العالم والإنسان القادر على معرفة هذا العالم. يفكر هيدغر في المعرفة في علاقتها بالإرادة، حيث ‘أن المعرفة التي تبقى فعل إرادة وفعل الإرادة الذي يبقى بدوره معرفة هي انوجاد الإنسان في انفتاح الوجود’ (12)، فأن تريد ليس معناه أنك تقرر وفقا لما تمليه عليك ذاتك وإنما فتح الكينونة من الغوص في عوالم الموجودات من أجل ملاقاة الوجود، بهذا المعنى تسمح لنا المعرفة بإقامة علاقة مع المبدع من خارج المنظور الذي يرى للعمل الفني الدور المؤثر في الحساسية الإنسانية، علاقة تفترض وجود الإنسان باعتباره وجودا في العالم وليس خارجه.’إن المعرفة باعتبارها رؤية هي حسم وهي إقامة في النزاع الذي ركبه العمل الفني في الشق’ (13). إن أصل العمل الفني هو الفنان أما هذا الأخير فبدوره لا وجود له إلا بفضل العمل الفني، لينحدر الإثنان معا من أصل واحد مشترك هو الفن تكون ماهيته النظم الذي يشمل بالدرجة الأولى الشعر وهو موضوع الفصل الخامس بعدما نقدم الفصل الرابع باعتباره يضم تفكير هيدغر المتأخر عن الشيء والرباعي.
*باحث في الفلسفة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الدار البيضاء/ المغرب