الحقيقة والوهم في ثيولوجيا احتكار الدولة الحديثة للعنف
د. بشير موسي نافعالحقيقة والوهم في ثيولوجيا احتكار الدولة الحديثة للعنفشاع في الآونة الأخيرة استدعاء تعريف ماكس فيبر الشهير للدولة الحديثة باعتبارها المؤسسة الاجتماعية التي تحتكر العنف. مناسبة هذا الاستدعاء هو الجدل المستمر حول الوضع اللبناني الداخلي، لاسيما وجود حزب الله كقوة مسلحة غير رسمية. للبنان بالطبع جيش، ليس جيشاً قوياً بالضرورة، ولكنه ككل جيوش الدول الحديثة يمثل المؤسسة العسكرية الوطنية. وللبنان أيضاً قوي أمنية مسلحة، يفترض أنها تخضع لسلطة الحكم الوطني وقانون البلاد، وتعمل علي حماية الأمن الداخلي. فكيف إذن يعطي حزب سياسي معين، كحزب الله، لنفسه الحق في تشكيل قوة مدججة بالسلاح، ويدعي في الآن نفسه حرصه علي وحدة لبنان وكيانه الوطني ودولته؟ لا يحتاج الإنسان لأن يكون فيلسوفاً ليدرك ان الثقافة السياسية الحديثة، والتشريعات الدولية المعبرة عنها، تعتبر الدولة تجسيداً للأمة والمعبر عنها في آن، وان إضعاف الدولة يعني بالضرورة إضعاف الكيان الوطني وجعله عرضة للانهيار. ووجود مؤسسة عسكرية خارج نطاق الدولة يستبطن تقويض استعلاء الدولة علي مواطنيها (الاستعلاء الذي يعطيها الحق في ان تكون إطاراً لهم جميعاً) وجرح خصوصية القوة التي تتمتع بها في تمايز عن قوي ومؤسسات الاجتماع السياسي الأخري. إن شرط احتكار الدولة للعنف ووسائله ليس شرطاً هامشياً لتجلي الدولة الحديثة، بل هو شرط وجودي لا يمكن تصور الدولة والأمة بدون تحققه.هذا، باختصار، هو جوهر الجدل الدائر حول سلاح حزب الله. هناك من يقول بالطبع ان الحرص علي الدولة اللبنانية ليس هو الهم الأساسي للداعين إلي تخلي الحزب عن سلاحه، وان متعلقات هذا الجدل تستهدف في بعضها علي الأقل كشف لبنان أمام الدولة العبرية ودفعه إلي معسكر النفوذ الامريكي. ولكن هذا ليس محل النقاش هنا؛ النقاش هو حول ما إن كانت قراءة فيبر للدولة والعنف قد صمدت أمام متغيرات التاريخ والواقع، أو أنها تحولت إلي ما يقرب من الثيولوجيا التي يسارع السياسيون والمثقفون (بما في ذلك العرب منهم) إلي استدعائها كلما وافقت توجهاتهم وأهدافهم. والنقاش هنا محدد بموضوعة وجود سلاح غير سلاح الدولة، ولا يتعلق باستخدام هذا السلاح ضد الدولة؛ إذ ان توجيه السلاح ضد مؤسسة الدولة يستدعي بالضرورة رداً مسلحاً من أجهزة الدولة، مهما كانت هذه الدولة. كتب فيبر أعماله الرئيسية حول التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والقانوني لأوروبا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع العشرين. وبالرغم من انه تناول أيضاً الإجتماع الإسلامي، الآسيوي الأفريقي، وترك نصاً ذا شهرة كبيرة حول التطور الرأسمالي في الولايات المتحدة، إلا ان فيبر هو في المقام الأول دارس للاجتماع الأوروبي. ويمكن اعتبار مقولة فيبر حول الدولة والعنف نتاجاً لتطورات فكرية واقتصادية – سياسية، أوروبية، نتاج الحروب الدينية الطاحنة التي تلت الانشقاق البروتستانتي، الثورات الاجتماعية والدستورية الدموية، وصراع القوميات؛ كما هو نتاج رؤية هوبس الصراعية المتشائمة للإنسان والاجتماع الإنساني، سعي لوك لإيجاد التوازن السلمي بين نزعات الطبيعة الإنسانية ومتطلبات الاجتماع السياسي، ورؤية هيغل المثالية المطلقة لما يمكن ان تكونه الدولة. وربما كان فيبر هو أهم دارس لحركة التحديث الطويلة التي عاشتها أوروبا منذ القرن السادس عشر، وما تركته حركة التحديث من آثار علي كافة جوانب البنية الاجتماعية الأوروبية. وقد لاحظ فيبر كيف خرجت الدولة الأوروبية القومية من رحم الإمبراطورية وسلطة الكنيسة الجامعة، وكيف عززت هذه الدولة من قوتها وسلطتها. وبعد أكثر من ثلاثة قرون من الحروب الداخلية، بدت الدولة القومية وكأنها نهاية المطاف، نهاية المسعي الأوروبي للسلم والتعايش الداخليين. من أجل ان تمارس هذه المؤسسة، مؤسسة الدولة، دورها في حفظ السلم وتحقيق التوازن بين المصالح الاجتماعية المختلفة، لابد ان تكون المؤسسة الوحيدة التي تحتكر وسائل العنف وشرعية استخدامه.هل كانت رؤية فيبر للدولة رؤية عالمية شاملة، أم هي رؤية مستمدة من التجربة الأوروبية، والأوروبية الغربية علي وجه الخصوص؟ وهل يعتبر شرط احتكار الدولة للعنف حيوياً لقيام الدولة وتجليها في أي بقعة أخري من العالم؟ بعبارة أخري، هل يستحيل قيام الدولة الحديثة إن لم تكن الدولة الجهة الوحيدة التي يناط بها الاحتفاظ بالسلاح واستخدامه؟في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، عندما كان فيبر يدون ملاحظاته، كانت القوي الإمبريالية الأوروبية قد سيطرت علي معظم المعمورة. في مناطق من العالم، كما شبه الجزيرة الهندية وجنوب شرق آسيا، كانت السيطرة الإمبريالية عسكرية، إدارية، واقتصادية ـ سياسية. وفي مناطق، كما في الجزائر وجنوب إفريقيا وروديسيا وجزر الكاريبي، كانت السيطرة إضافة إلي ذلك استيطانية، حيث تهيمن الأقلية البيضاء علي مقدرات وحياة الأغلبية من أهل البلاد الأصليين. وفي مناطق أخري، كما الامريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا، كانت السيطرة الاستيطانية البيضاء قد قطعت شوطاً كبيراً، تركت السكان الأصليين أقلية منبوذة ومتهالكة في ملاجئ معزولة من بلادها. ما لم يلحظه فيبر ان التسلح في المستعمرات الاستيطانية، من الجزائر إلي جنوب إفريقيا، ومن أستراليا إلي جزر الملايو، حيث قامت إدارات أوروبية حديثة، لم يكن يقتصر علي مؤسسة الحكم وجيشها النظامي. لم ينتشر السلاح بين المستوطنين البيض في شكل واسع وحسب، بل ان الإدارات الاستعمارية شجعت المستوطنين علي حمل السلاح. ففي مستعمرات شاسعة المساحة لم يكن بإمكان الجيوش الاستعمارية، مهما بلغت من عدد وامتلكت من عتاد، فرض السيطرة والأمن بدون تعاون المستوطنين الأوروبيين. قد يجادل البعض بأن تلك كانت حالات إمبريالية مؤقتة، ولكن الحقيقة ان أحداً في المستعمرات أو في عواصم الإمبرياليات الأوروبية آنذاك لم يكن يتصور ان يأتي زمن تستعيد فيه الشعوب المستعمرة (بفتح العين) حريتها واستقلالها. ما فرض تسليح المستوطنين البيض وجعله أمراً طبيعياً ومحبذاً كان الظرف الموضوعي للمستعمرات الاستيطانية. وقد بلغ تسلح المستوطنين الأوروبيين في مناطق مثل أستراليا ونيوزيلندا ان استطاع في النهاية حسم الوضع كلياً لصالح الأقلية الاستيطانية؛ بينما وفر لأقليات استيطانية أخري التمرد علي قرار الوطن الأم منح الاستقلال للشعوب المستعمرة (كما حدث في الجزائر)، أو حتي التمرد بإعلان الاستقلال من طرف واحد (كما فعلت الأقلية البضاء في روديسيا). وإن قبلنا الرؤية الفلسفية الغربية المتشائمة للطبيعة الإنسانية، فربما يمكن القول ان احتكار الدولة الأوروبية الغربية الحديثة للعنف لم يضع نهاية للعنف بل أدي إلي تصديره فقط. إذ بدلاً من ان تكون المجتمعات الأوروبية ساحة لممارسة العنف، تم توجيه العنف إلي الخارج، إلي المستعمرات الأوروبية الواسعة في آسيا وإفريقيا والامريكيتين.بيد ان الإشكال الذي تثيره قراءة فيبر للدولة الحديثة لا يقتصر علي الاستثناء الإمبريالي البارز، بل يمتد أيضاً إلي الرؤية التفاؤلية التي استبطنتها هذه القراءة. ففي القراءة الفيبرية، لا يعني احتكار الدولة للعنف سيادة الدولة وحسب، بل والتأسيس للسلم الاجتماعي، أو علي الأقل منع التدافع الاجتماعي من التفاقم إلي مستوي الصراع الدموي. بكلمة أخري، ان احتكار الدولة للعنف، وخضوع الدولة للقانون، يؤدي في النهاية إلي عقلنة العنف، وقصر استخدام الدولة لقدرتها الباطشة علي الصالح العام. ما لم يره فيبر، الذي توفي قبل سنوات قليلة من اندلاع جحيم الحرب العالمية الأولي، ان الدولة الحديثة لم تكن بالحكمة والعقلانية التي تصورها. وقد شهدت سنوات الحرب الأولي، وهي حرب أوروبية في جلها، عنفاً دموياً بشعاً، أودي بحياة الملايين من البشر وإلي إدخال وسائل موت ودمار إلي ترسانات الأسلحة الحديثة لم يكن أحد يتصور ان الإنسان سيصل يوماً إلي التفكير في اختراعها، ناهيك عن استخدامها. وبالرغم من سنوات الحرب الأولي الباهظة فسرعان ما اندفعت الدول الأوروبية إلي حرب بشعة ثانية، لم تقل دماراً وموتاً عن الحرب الأولي. وفي حين خاضت الدول الأوروبية الحرب الأولي باسم المصالح وتوازنات القوي، فقد أضافت إلي مسوغات الحرب الثانية أيديولوجيات عنصرية، كان مسوغها الرئيسي سفك دماء الملايين من أبناء الأعراق والأديان والتوجهات السياسية المخالفة. لقد أدي احتكار الدولة الحديثة للعنف بالفعل إلي خفض مستوي العنف الداخلي في المجتمعات الأوروبية الغربية، ولكنه لم يؤد إلي تخلص المجتمع القاري الأوروبي من العنف والموت. بل يمكن القول ان القوة المتصاعدة لمؤسسة الدولة الحديثة كانت أحد الأسباب الرئيسية خلف الموت والدمار الهائل الذي شهدته القارة الأوروبية في الحربين الأولي والثانية.إضافة إلي ذلك كله، فإن احتكار الدولة الحديثة للعنف لم ينطبق علي كل الدول ذات المنشأ الأوروبي. ففي الولايات المتحدة، التي لعبت الميليشيات المحلية فيها دوراً بارزاً في حرب الاستقلال، ظل حمل السلاح، وتشكيل التنظيمات المسلحة المستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية، حق يكفله الدستور. وبينما تعترض الإدارة الامريكية علي وجود السلاح الفردي في أيدي الأفغان والعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين، فإن الشعب الامريكي يعتبر أكثر الشعوب تسلحاً في العالم. ربما يجادل البعض بأن السلاح المتواجد في أيدي المواطنين الامريكيين لا يعتبر، من جهة الفعالية وكثافة النيران والتقنية، معادلاً لترسانة السلاح الامريكية الرسمية. وهذا صحيح فقط إن كانت المقارنة بالجيش الامريكي؛ بغير ذلك لا يقل سلاح المواطنين الامريكيين فعالية عن سلاح قوات الأمن. الأهم، علي أية حال، انه قبل ثلاثة أرباع القرن أو أقل لم يكن سلاح المواطنين يختلف في مستواه كثيراً عن سلاح الدولة. وقد كان الحق الدستوري قائماً آنذاك كما هــو قائم الآن.المسألة، باختصار، ان الربط الوجودي بين الدولة الحديثة واحتكار العنف، ليس صحيحاً علي إطلاقه، وليس صحيحاً من ناحية شموله لتجارب الاجتماع السياسي العالمي. ومن التبسيط، فوق ذلك، ان لا يري السياق التاريخي والموضوعي للدولة والشعب محل النظر والاعتبار. مقولات الاجتماع السياسي، ككل مقولات علم الاجتماع، لا يجب ان تتحول إلي ثيولوجيا مصمتة، ويجب ان تقرأ دائماً من خلال الخصوصيات الفلسفية والتاريخية التي ولدتها. قد ينتهي اللبنانيون إلي اتفاق ما حول سلاح حزب الله، وقد يتفاقم الخلاف حول هذا السلاح إلي ما لا يتوقعه أو يريده أحد. هذه ليست المشكلة. المشكلة ان من التعسف، وربما من السطحية، القول بأن وجود الدولة اللبنانية وازدهارها وتجليها كمؤسسة وطنية جامعة لا يمكن تحقيقهما بدون ان تصبح الدولة الجهة الشرعية الوحيدة التي تمتلك وسائل العنف. في هذه المنطقة من العالم حمل الناس السلاح منذ قرون، بدون ان يكون وجود السلاح بالضرورة مدعاة للصراعات والحروب الأهلية. وربما بات من الحيوي، في ظل الظروف المحيطة، ان يتعلم العرب والمسلمون، وان تتعلم دولهم، كيفية التعايش مع وجود السلاح بأيدي الناس بدون خوف وخشية علي مقومات الاجتماع الأهلي ومؤسسته الحاكمة.9