إن تناولنا لإشكالية «الحق في القول» ضمن السياق الذي نحن بصدده، يختلف عن دلالة الإشكالية ذاتها، المنصوص عليها في أدبيات المواثيق الدولية، والمحيلة على واجب تمتع الأفراد والجماعات، بحق ممارستهم لحرية التعبير. كما يختلف عنها، حينما تفيد كل تلفظ عشوائي مصاب بحمى الثرثرة وهوسها. حيث يكون المقصود عندنا بـ»القول» تلك الحاجة اللسانية الماسة، التي يستشعرها الكائن في دواخله، من أجل تفجير طاقات القول المتراكمة تباعا لديه، أسوة بساكنة الفضاءات العامة.
أي أن الأمر يتعلق بفيض التواصلات اللغوية والإشاراية، المفتوحة قنواتها، تلك الممتدة بينه وبين الذوات المحيطة به، سواء كانت مادية أو رمزية، منتمية إلى عالم الواقع أو الحلم والخيال. فما دام «الأنا» مجبرا – وفي جل المواقف – على سماع ورؤية أي شيء، فسيكون من الطبيعي أن يمتلك هو أيضا، كامل الحق في»القول» بهاجس إحداث الحد الأدنى من التوازن المطلوب بين ما يتم تلقيه، وما يتم بثه، من موجات دلالية وتعبيرية، مشوبة بما يكفي من اللغو.
وتلقائيا، تحضرنا ما لا حصر لها من مجرات القول، التي تمتد إشعاعات خطاباتها إلى كل الاتجاهات الممكنة والمحتملة، كترجمة فعلية لحالة واضحة وملموسة من «البلبلة» التي لا تكف عن طرح أسئلتها، حول حدود الاشتغال المنطقي والموضوعي للقول. علما أن المتكلم الملم بالوشائج المتبادلة عادة بين المقامات ومقالاتها، يتفادى الوقوع في عبثية «قول أي شيء» انسجاما مع إلزامية السياق، الذي يكون مؤطرا بتعاقداته، ومشروطا بانتظارات الآخر، ذاك الذي يتهيأ للتواصل، بوصفه مستمعا ومتلقيا، ضمن تعاقد قبلي، يتأسس على مرتكزات غير قابلة للتجاوز. إذ ثمة فرق كبير بين أن تصغي إلى ذاتك، وأن يصغي الآخر إليك. لأن الحديث الموجه إلى ذاتك، يتحرر من القوانين التي يكون مقيدا بها في حالة توجهه إلى الغير، حيث أنت وحدك من يتحكم في مجرياته، التي لن تعني أحدا سواك، ذلك أنني في حالة إنصاتي إليك، وأنت تتحدث خلسة إلى ذاتك، في اليقظة كما في الحلم، لن أمتلك الحق في مساءلتك عما أنت قائله، بل سأكون ملزما ببذل مجهود شخصي كبير، قصد تأويل قولك، بغية تبديد ما يكتنفه من غموض، حيث سأكون ماثلا بين احتمالين اثنين، فهم ما أنت بصدد البوح به إلى ذاتك، بفعل صدفة تواصلية غير مبرمجة، أو على النقيض من ذلك، ارتكاب أخطاء فادحة في تأويل القول وتفسيره، جراء انتفاء مرجعية محددة وواضحة، تسمح بمعرفة ما كنت بصدد البوح به لذاتك.
أما في ما يخص حرية القول التي لا تعني هنا أحدا سواك، فقد تأخذ شكل حرية مبيتة منهجيا، حالما توظفها عن قصد في حديثك إلى الآخر، أي حينما تتعمد الحديث إليه بالصيغة ذاتها التي تتحدث بها إلى نفسك، حيث تصبح الغاية المنتظرة مزدوجة البعد. أولهما إشباع رغبة الذات في إطلاق القول على سجيته، باعتبار أنه لا يعني أحدا سواك. وثانيهما، تحقيق متعة التفاعل مع مستمع/ قارئ افتراضي، لم يحدث أن تلقى منك أي دعوة رسمية سواء للإنصات أو للقراءة.
إن الأمر يتعلق بحرية مبرمجة وممنهجة، بصيغة غير مباشرة، هي حرية أن تقول/ تكتب ما تشاء، ثم حرية أن يهتم، أو لا يهتم الآخر بما تقول/تكتب، حيث تكون قد كسبت في حالة اهتمامه رهان تواصلين. أحدهما متجه إليك، والثاني متجه للآخر.
إن الأمر يتعلق بحرية مبرمجة وممنهجة، بصيغة غير مباشرة، هي حرية أن تقول/ تكتب ما تشاء، ثم حرية أن يهتم، أو لا يهتم الآخر بما تقول/تكتب، حيث تكون قد كسبت في حالة اهتمامه رهان تواصلين. أحدهما متجه إليك، والثاني متجه للآخر. في هذا الإطار تحديدا، تكون بصدد إنتاج خطاب ثنائي المسار، يتداخل فيه كل من التلقي الذاتي بالتلقي الغيري، مع التنويه بالطبيعة الحركية التي يفترض في هذا الغير أن يتحلى بها. إنه الغير الذي يمتلك بالفعل وبالقوة، القدرة على التواصل مع خطاب خاص، ليس بالضرورة مشروطا بإكراهات مشتركة، ولا يتضمن أي رسائل معلومة، أو موجهة عمليا إلى العموم. إنه بتعبير آخر، الغير المختلف، الذي يمتلك القوانين المؤهلة، لتفعيل التواصل مع خطاب يراوح بين الخصوصية الذاتية، والخصوصية الغيرية.
إنطاق الحجر بما لا قبل لك بسماعه.. تفكيك هالة البدد المتربعة على عرش أفولها. القبض على ذاكرة الجمر بيدك الثالثة.. والسقوط التلقائي في خلوة الجرف.
هذا الصنف من النصوص/الخطابات، قد يكون ذا طبيعة إبداعية، كما يمكن أن يكون ذا طبيعية فكرية ذات منحى إبداعي.. وما نعنيه بالطبيعة الفكرية ذات المنحى الإبداعي، هو تمحور النص/ الخطاب، حول قضايا فكرية، مقبلة من قلب تلك المخاضات التحتية، المسكونة بأسئلتها، التي لا تقوى على فك شيفرتها الإسقاطات الجاهزة والمعادلات اللغوية المسكوكة، أي أن الأمر لا يتعلق بإعادة إنتاج الأطروحات المتداولة، بقدر ما يتعلق باجتراح مغاير، يسعى إلى إضاءة المسكوت عنه والمغيب بين طياتها، أو بالأحرى، اعتماد منهجية جديدة، قد يكون من شأنها الاهتداء إلى إواليات غير مطروقة، تتطلع إلى تقويم الانحرافات التي تشوب صيرورة المسارات، بما يتيح إمكانية استشراف آفاق مختلفة من آفاق القول. وهي تجربة أساسية بالنسبة لزمن الكتابة، الذي تتكامل فيه حرية القول الموجه للآخر عبر الذات، بمتعة اكتشاف ما يتعذر اكتشافه، الشيء الذي يرتقي به إلى مستوى الكلام الأكثر إغراء وجاذبية لآليات اشتغال النص/الخطاب.
إنه القول/الكلام، المتسرب إلى تلك المواقع الموغلة في سريتها وحميميتها. القول الذي يبدو – على الأقل من حيث الظاهر – متخلصا من إكراه الواجب، ومن أي تعاقد قبلي، يلزم التلقي بالامتثال إلى سلطات مدونات جاهزة وقبلية، باعتبار أن أهميته الاستثنائية تكمن في احتمال رؤيته لما لم يكن من قبل مرئيا، بدليل أن الفضل في تميز بعض المنظومات بحضورها المتألق في سجل القول الفكري والإبداعي، يعود إلى منطق اجتراحاتها المتحررة من رقابة المدونة، التي غالبا ما يؤدي الاشتغال تحت مظلتها، إلى رتابة التكرار، المؤثر حتما في تشويه القول وهلهلة انتظامه، أصليا كان، أم فرعيا. وبالتالي، فإن المسارات الاستثنائية المفضية إلى غير»ما هم فيه» لن تتسع إلا للأصوات المقتنعة بضرورة التوجه إلى الآخر، عبر العمق الإبداعي لقولها الخاص. وهو ما يطالعنا به ذلك الكلف الوجودي بالعثور على المنسي والغائب، بعيدا عن مجال التعاقدات التي يمتلك فيها الآخر سلطة الاقتراح، الرقابة والتوجيه.
وطبعا، لا يتعلق الأمر هنا بـ»القول العمد» المراهن عبثا على الإيحاء بحالة من التغريب المجاني، بقدر ما يتعلق بقول مقبل من رحابات الكلام، الذي لم يكن من قبل منتظرا أو متوقعا. تماما كما تطالعك خلسة، زرقة لهب كان إلى حين، متواريا تحت برد رماده، وبالنظر لتخفيه في فضاءات تلك المجرات اللامتناهية من مجرات القول والإنصات، حيث الحدس وحده سيكون قادرا على شق طريقه إليه، عبر اقتحامه لظلمة الكلام، وعبر تأكيده لقابلية استئناسه بها، واطمئنانه إلى أنوارها المكتومة.
أعني الفوز بصداقة المتاهة، عبر السعي إلى استمالتها، من أجل خلق ميثاق بديل، يتطلع إلى الظفر بهبات ما احتجب فيها من ظلال «قول» تضيق به العبارة المسجاة في صدفة حبستها.
شاعر وكاتب من المغرب