الحق في المواطنة في ظل دستور وسطي

حجم الخط
0

عزيز الحدادي’ أما المواطن فليس مواطنا بمجرد سكناه في البلاد، لأن النزلاء والارقاء يشاطرونه تلك السكنى’ أرسطو.

لا بد من الاعتراف بان المغاربة قد تم وضعهم بشكل أبدي في سلة واحدة، على الرغم من أن النصف الجيد في هذه السلة قد تأثر بالنصف الفاسد، الأمر الذي جعل الرعية تتحكم في مصير المواطن والمواطنة، وأصبح الحديث عن المواطنة في غياب المواطن هو السائد في تلك المقاولات السياسية التي يتحكم فيها أصحاب الارواح الميكانيكية عبيد الثروة والسلطة الذين يفتقرون إلى الشعور بالنزعة الانسانية ومتعة التأمل، والفكر والعقل، بل أصبحوا مجرد تماثيل فاقدة للحياة، هكذا يصدق عليهم قول الحكيم زرادشت: ‘ إنني أحب من لا غاية لهم في الحياة، الا الزوال، فهم يمرون إلى ما وراء الحياة’، فما الذي يجعل هذه الارواح الميكانيكية، تتحكم في صيرورة التاريخ، وتصيبه في كينونته بمرضها؟ وهل يمكن تحقيق حلم المواطن في بلد يسير بسلطة وسطية تستمد عمقها من السماء؟ بل من المسؤول عن حرماننا من الحق في المواطنة؟ هل الدولة التي تحتكر شرعية العنف؟ ام المقاولات السياسية التي تتصرف في الناس كمادة اولى؟ الواقع ان ‘ الدولة تكون فاضلة بكون المواطنين المشتركين في السياسة أفاضل’، ولعل هذا النوع من المواطنين ما نفتقده في المغرب الراهن، ذلك أن السياسيين ‘ يعدون من أهل القحة المتجاسرين على كبائر الشرور’، لأن العيش من خلال السياسة يحول أصحاب المقاولات إلى البحث عن الثروة والسلطة، ولو كان الأمر على حساب المواطنين الابرياء. ولذلك فان ما يعرفه المغرب من أزمة المجتمع السياسي تمكن قراءته من خلال براديغم فشل مقاولات العائلات السياسية، وقد لا نستغرب إذا وجدنا ان مفهوم السياسة نفسه يستمد عمقه وقدرته على التدبير انطلاقا من المواطن الذي يشكل عماد المجتمع المدني باعتباره منتجا للمجتمع السياسي في الدول الديمقراطية التي تقدس المواطن والوطن، وليس في الدول الاستبدادية، حيث ينعدم المواطن وتكثر الأعشاب الضارة، لكن ما هي السياسة الفاضلة؟ ومن هو المواطن؟ بل أكثر من ذلك: هل بلغ الانسان في المغرب استحقاق صفة المواطن، على الرغم من ان الدستور يدعوه بالرعية التي يتحكم فيها المطلق؟ يقول ديكارت: ‘ ليضلني متى استطاع ذلك، فهو عاجز عن أن يصيرني لا شيء، ما دمت أعي أني شيء أو هو عاجز أن يثبت يوما أنني لم أكن موجودا قط ما دمت أنا الآن موجودا’. إذا كانت السياسة نظاماً لسكان الدولة، فإن الدولة تتألف من أفراد أو جماعة من المواطنين، ولذلك يتعين علينا أن نستقصي من يجب أن ندعوه مواطنا، وبعبارة أخرى لنتساءل: من هو المواطن؟

يقول معلم الإنسانية أرسطو: ‘ وكثيرا ما يكون المواطن موضوع جدل، من حيث ان الجميع لا يتفقون على كون المواطن شخصا واحدا. فقد يتفق مرارا في حكم الأقلية أن لا يعتبر مواطنا من هو مواطن في الحكم الشعبي، أي الديمقراطي’. يتضح إذن من خلال هذا الكلام أن لقب المواطن مرتبط بالأحكام الديمقراطية الشعبية، وأنه صعب المنال في حكم الأقلية الاستبدادية والطغيانية. ذلك أن الحصول على هذا اللقب ليس سهلا، خاصة وأنه يمنح الإنسان بطاقة الهوية والانتماء إلى وطن يسمح له بالدخول إلى مملكة الحرية والكرامة وأن يتحكم في مصير بلاده ويسعى إلى بناء سياسة مثلى تؤسسها الفضيلة و تكون غايتها إسعاد جميع المواطنين وحماية الدولة من الانهيار لان السياسة المثلى هي حياة الدولة. والمواطن هو عمادها.

ولذلك غالبا ما نجد أن الأشخاص الذين أحرزوا هذا اللقب بصورة استثنائية نظير المتجنسين خاصة الأشخاص الذين حصلوا على بطاقة الإقامة في أوروبا أو أمريكا مثلا فينبغي اعتبارهم مجرد مواطنين من الدرجة الثانية لأنهم حصلوا على المواطنة من خلال سكناهم في هذه البلدان، كما يمكن اعتبار الأطفال الذين لم يحصوا بعد لحداثة سنهم في عداد المواطنين، وأيضا الشيوخ الذين أطلق سراحهم ينبغي أن نعترف بكونهم مواطنين من بعض الوجوه، وإن لم يكونوا مواطنين دون ما قيد أو حصر كما يقول أرسطو، لأنه إذا كان الأطفال مواطنين لم يكتملوا بعد، فإن الشيوخ مواطنون قد فات أوانهم، والحال إن ما كان يهم الفيلسوف هو البحث عن المواطن الحقيقي بالمعنى السياسي للكلمة الذي تكون له جميع الحقوق وعليه جميع الواجبات، كان يشارك في السلطة، ويمارس القضاء ويشرع لبلاده ويشارك في مجالسها. كما أنه ينبغي أن يمارس الجندية للدفاع عن وطنه وأداء الضرائب والمشاركة في الانتخابات… ولكن هناك صعوبة تعترضنا في هذا الباب، هل يمكن اعتبار الساقطين من حقوقهم المدنية والمتشردين مواطنين؟

الواقع أن أرسطو يعتبر المواطن البحت هو من يشترك في السلطة والقضاء، ولكنه يقول بأن هذا التحديد للمواطن يختلف باختلاف السياسات لان المواطن الذي تكلم عنه هو مواطن على الأخص في الحكم الشعبي، أو الديمقراطي، وليس مواطنا في الأحكام الطغيانية والاستبدادية، بل يعتبر من الرعية التي ليس لها الحق في المشاركة في العقد الاجتماعي، أو السلطة والقضاء، لأن المواطن هو الذي يحافظ على الدولة ويهددها من الانهيار. يقول: ‘ وهكذا تمسي الدولة دولة أسياد وأرقاء، وليست دولة أحرار. بعض أهلها يحسد، والبعض الآخر يتجبر وهاتان الرذيلتان تبعدان كل البعد، عن الصداقة والتآلف السياسي، لأن الألفة السياسية صداقة، إذ أن الأعداء يأبون حتى الاشتراك في المسير… ومن ثم لا بد أن تكون سياسة دولة أفضل السياسات، إذا تألفت تلك الدولة ممن نعتبرهم قوام الدولة الطبيعي’. لنتساءل من جديد، هل يوجد مواطن من هذا النوع الذي تحدث عنه أرسطو، أم هناك مجرد رعية تخضع لدستور وسطي لا يصلح للعصر الحديث أو بعبارة أخرى، هل يمكن تأسيس دولة حديثة في غياب المواطن البحت الذي حدده أرسطو في كتاب ‘ السياسيات’؟ لن نترك للتشاؤم فرصة الهيمنة على آمالنا ونعترف بانعدام المواطن في المغرب الراهن، بل إنه مجرد آمال لتحقيق هذه الغاية، أي أن المغاربة يمكن اعتبارهم مواطنين لم يكتملوا بعد، كالأطفال، ولذلك فإن عدم مشاركتهم في الانتخابات هو تعبير عن احتجاجهم ورفضهم للحرمان من لقب المواطنة وحقوقهم السياسية. هكذا ستظل الانتخابات في المغرب غير ذات قيمة كبرى، ولن تساهم في تغيير السياسة السائدة، سياسة أهل القحة والخبث الذين يؤجلون بفساد السياسة، وانهيار الدولة، لكن ما الذي ينبغي القيام به في هذا الوضع القاتم؟

لا بد من الاعتراف بأنه تنبغي إعادة صياغة الدستور وإشراك الفلاسفة وأهل الفكر في هذا العمل من أجل منح حق المواطنة للجميع وتحميلهم مسؤولية المشاركة في السلطة والقضاء، ومجالس الأمة ومنحهم جميع حقوقهم المدنية و السياسية، ولعل هذا بالذات ما سيساهم في إنقاذ السياسة من الانهيار والموت البطيء. يقول أرسطو في هذا الصدد: ‘ فحد المواطن إذن يحتاج إلى تعديل، إذ أن عضو مجلس الأمة والقاضي في الدساتير الأخرى ( غير الديمقراطية) ليس الذي يتقلد سلطة غير محدودة، بل ـ بعكس ذلك – من يتولى سلطة معينة، فيمنح لجميع هؤلاء أو لبعضهم حق المفاوضة والقضاء في جميع الأمور والقضايا أو في بعضها فقط فمن هذه الاعتبارات قد اتضح إذن مفهوم المواطن، ونحن الآن ندعو مواطن دولة من له في تلك الدولة حق الاشتراك في السلطة الاستشارية وفي السلطة القضائية والدولة جماعة تتألف من أمثال هذا الشخص قادرة على الاكتفاء الذاتي في مرافق الحياة’. لعل هذا النص الرائع لا يحتاج إلى توضيح، بل إنه يعترف بأن المواطن مدعو، إلى المساهمة في التشريع للبلاد والحرص على استقرارها وازدهارها سياسيا وتقدمها اقتصاديا وثقافيا. هكذا نجد الحكيم يقول في عبارة ممتلئة بالألم والحزن: ‘ إن بعض السياسات قوامها العنف لا المصلحة العامة’ وهذه السياسات هي التي تحرم الإنسان من حقه في المواطنة، وتنظر إليه كقطيع من الرعية يستغل في خدمة الطغاة والسادة والإقطاعين المستبدين. لكن هل نحن في المغرب الجديد قد وصلنا إلى مرحلة تنحية سياسة العنف والإيمان بسياسة المصلحة العامة كما بشر الفيلسوف ايمانول كانط الذي يقول:’ أطيعوا وبإمكانكم أن تفكروا كما شئتم ومن واجبكم المشاركة في السلطة والقضاء والتشريع للبلاد.’نعم قد نصل إلى ذلك، ولكن لا بد من تدمير الأصنام، وأصحاب السياسات الفاسدة وأهل القحة والخبث ليعود المواطن إلى حب وطنه والمشاركة في الانتخابات والحرص على نجاح بلاده سياسيا. وبما أن السياسة الفضلى هي التي تضمن للدولة أكبر حظ من السعادة، فإنه يستحيل أن تبلغ السعادة بلا فضيلة. ومن الحكمة أن لا نطمئن كل الاطمئنان لمن خدعنا ولو لمرة واحدة في العمر’. لكن هذا المطلب شاق كثير العناء، وشيء من الكسل يجرفني، دون شعور مني في سياق حياتي العادية مثلي هنا مثل عبد يتلذذ في المنام بحرية مهومة وإذ فطن إلى أن حريته ليست غير أضغاث أحلام، خاف أن يصحو من نومه فطاب له أن يمالئ هذه الأوهام اللذيذة ليطول أمد انخداعه بها. كذلك حالي انجراف من تلقاء ذاتي، دون وعي مني في تيار آرائي القديمة، ولا أريد أن أصحو من غفوتي هذه خشية أن أجد، بعد الراحة الهادئة اليقظة الشاقة التي بدل أن تجلب لي قليلا من الوضوح والنور في معرفتي للحقيقة تبين عجزي عن تبديد كل ظلمات المصاعب الناشئة’. 1. أرسطو، كتاب ‘ السياسيات’، ترجمة الأب اوغسطينس ـ بيروت ـ 1957.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية