د. عبدالوهاب الأفندي(1) لم أكن للأسف (وربما لحسن الحظ؟) حاضراً في بريطانيا حين انعقد مؤتمر التقريب بين المسلمين في نهاية الشهر الماضي بإشراف منتدى الوحدة الإسلامية الذي أشرف بعضويته. ولكنني اطلعت على البيان الختامي وبعض وثائق المؤتمر، ويؤسفني أن أقول أنها لا ترقى لمستوى التحدي. فهي تعيد التحدث عن العموميات والمسلمات التي لاخلاف عليها، وتهمل قضايا الخلاف الحقيقية، أو تتناولها تناولاً سطحياً، بينما تفرد مساحة أكبر لقضايا هامشية. (2)لا يقتصر الأمر على هذا، بل إن البيان الختامي يتناول ربيع العرب، وهو أهم حدث في تاريخ الأمة بلاجدال منذ حركات الاستقلال من الاستعمار، في جملة واحدة، وبكثير من الازدراء، مما يمثل ازدراء للشعوب التي هبت وقدمت التضحيات للتخلص من الطغاة، وهم أعدى أعداء الأمة. ولا شك أن هذا موقف لا يليق، خاصة حينما يتم هذا التهجم باسم صحوة إسلامية مزعومة غير واضحة المعالم.(3)لا شك أن مفتاح التقارب بين المسلمين يبدأ بمواجهة أسباب الخلاف الحقيقية بينهم، وهي في المرحلة الحالية خلافات سياسية لا دينية ولا مذهبية. فالأنظمة الاستبدادية لا تفرق في بطشها بين صاحب هذا المذهب أو ذاك، وهي توزع الظلم بالعدل والسوية. ففي إيران مثلاً، يواجه رموز كبار من رموز الثورة الإسلامية، وعلى رأسهم ابراهيم يازدي و مير حسين موسوي وهاشمي رفسنجاني وغيرهم البطش والقمع، ليس لخلاف مذهبي، وإنما لخلاف مشروع في الرأي حول أمور سياسية وما هو الأصلح للأمة.(4)لا شك أن أكبر خلافات تهدد وحدة الأمة في هذه المرحلة هي الخلافات حول مسار ثورات الربيع العربي، وخاصة في سوريا والبحرين، حيث نجحت الأنظمة في توظيف الاستقطاب الطائفي كأداة لدعم سياساتها القمعية ضد الشعوب. وللأسف فإن كثيراً من القيادات ‘الإسلامية’ تابعت الظلمة في تعزيز هذا الانحياز الطائفي، واتخذت مواقفها لا على أساس الحق والعدل وقيم الدين والإنسانية، وإنما على أساس الولاء الطائفي. فانحازت قيادات السنة إلى نظام البحرين على ظلمه، بينما سمعنا كثيراً من علماء الشيعة يصرحون بأن الجهاد في صف السفاح بشار الأسد يعادل نصرة الحسين رضي الله عنه في كربلاء. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل انبرى كثيرون للمشاركة في هذا ‘الجهاد’ الخاسر بلا شك في الدارين، فهلكوا وأهلكوا.(5) لم يذكر بيان مؤتمر التقريب البحرين على الإطلاق، بينما تعرض لسوريا بكلمات قليلة، داعياً إلى ‘تشكيل مرجعية علمائية تقوم على حلّ هذه النـزاعات على أساس من المعايير الاسلامية’، وإلى ‘تشكيل (لجنة اتصال) على المستوى الذي يليق للتحرك على قضية بحجم سوريا (الحكومة، والمعارضة معاً) لايجاد فرص وخيارات مناسبة لقبول الحل الإسلامي’، كما بارك فكرة ‘مؤتمر الحل الاسلامي للأزمة السورية المزمع عقده في طهران في غضون الشهرين القادمين’. وهذا يعني عملياً الانحياز لموقف طهران المؤيد للنظام السوري، والمبارك لمجازره البشعة ضد الأبرياء، ومطالبة الضحايا بالجلوس للحوار مع القاتل تحت رعاية أكبر داعم للقتل والمجازر. (6)إن أي حديث عن أن آية الله بشار الأسد سيكون من المرحبين بحل ‘إسلامي’ يتجاوز الإغراق في خداع الذات إلى الكذب الفاضح على الله تعالى والمسلمين. ذلك أن بشاراً تلقى من قبل عروضاً سخية، ممثلة في خطة عنان وقبلها الخطة العربية التي لم تطالبه بوقف سفك الدماء، وإنما فقط بممارسة القمع باعتدال، وعدم استخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة في قصف المدن. ولكنه لم يرفض ذلك فحسب، بل قام بإدخال الطائرات كأداة جديدة في الحرب على شعبه، كما أنه لم يتوقف لحظة عن الاعتقالات بالجملة، والتعذيب حتى الموت، وزاد بالاغتصاب والإعدامات بالجملة لأسر كاملة، وقائمة الجرائم تطول. وإن أي حل ‘إسلامي’ مزعوم لا بد أن يبدأ باعتقال المجرم ومحاكمته وإقامة حد الله عليه. فهل سيكون القاتل المجرم من المرحبين بذلك؟(7)لم يترك القرآن الكريم قضية حسم النزاعات بين المسلمين للاجتهاد، وإنما حدد بوضوح المبادئ الحاكمة لهذا المطلب والوسائل المشروعة لتحقيقه. فقد جاء في القرآن: ‘أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير’. وجاء فيه كذلك: ‘وإن طائفتان من المسلمين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين’. ومن الواضح أن جهود الإصلاح التي بذلها المسلمون وغيرهم قد وصلت إلى طريق مسدود لأن إحدى الفئتين كانت باغية منذ البداية ورفضت أن ترعوي عن بغيها، بل زادت منه صنوفاً. وعليه وصلنا الآن إلى المرحلة التالية، وهي ضرورة أن يصطف كل المسلمين لقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله.(8)إن أضعف الإيمان، إن كان إخواننا في منتدى الوحدة لا طاقة لهم بقتال الفئة الباغية، أن يسموها ويعلنوا براءتهم من بغيها. فهل أصبح اغتصاب الحرائر وذبح الأطفال أمام آبائهم، ودك المدن على رؤوس أهلها عند إخواننا في المنتدى مسألة اجتهاد، وموضوعاً للحوار بحثاً على ‘حل إسلامي’؟ إن مثل هذه المواقف هي التي شوهت الإسلام، وأعطت لخصومه الفرصة لينالوا من المتحدثين بإسمه، وحق لهم ذلك إن كانت مثل هذه المواقف المعيبة والمسيسة من قضية واضحة وضوح الشمس تتلبس لبوس إسلام مزعوم. وكما جاء في القرآن أيضاً: ‘قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين’.(9)إن أضعف الإيمان في هذه الحالة أن يصدر مؤتمر التقريب بياناً واضحاً يسمي فيه الفئة الباغية في سوريا، ويدعوها لأن تفيء إلى أمر الله بوقف القصف الأعمى على شعبها حتى تسمح لجهود الحل السلمي بأن تبدأ في التحرك، وأن تحذر بأنه ما لم تستجب الفئة الباغية فإن على منظمة التعاون الإسلامي أن تشرف على قتالها حتى تفيء إلى أمر الله. وأي فعل دون ذلك هو سكوت على الإثم، وتواطؤ في البغي والعدوان، نربأ بالعلماء الأجلاء الذين شاركوا في المؤتمر عنه، وندعوهم وأنفسنا إلى تقوى الله والبراءة إليه من المجرمين وإجرامهم. فقد جاء في القرآن أيضا أن المقصرين في النهي عن السوء، حتى وإن كانوا له منكرين كما في قصة أصحاب القرية، ينالهم غضب الله مع مرتكبيه، فكيف بمن يرى المنكر معروفاً، والفساد صلاحاً؟ نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.