محمد كمال غانم من المعروف أن مهنة التجسس مهنة قديمة قدم الانسان، وقد تعاملت بها القبائل القديمة تحت مُسميات عدة، كي تُقوي من حظوظ انتصارها على القبائل المعادية، ولم تقتصر تلك المهنة على النواحي العسكرية فحسب لدى العدو، بل كانت تشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكلما كانت تلك المهنة أشمل، كانت المعرفة بما يُخطط له العدو وما يجب القيام به لافساد تلك الخطط، أكثر نجاعة في بناء استراتيجية بعيدة المدى لسد الثغرات التي من المتوقع أن ينفذ منها العدو ويستغل نقاط الضعف لدى الجانب الآخر.
ومع تطور أدوات القتال، واتساع أطماع الدول للسيطرة على مصادر الثروة لدى الدول الأخرى، تطورت أيضا مهنة الجاسوسية لتصبح أداة فعالة في اتخاذ القرار السياسي، الذي بدوره يعطي اشارة البدء في اطلاق الرصاصة الأولى لتقدم الجيوش واحتلال البلدان.
ما دفعني لكتابة هذه المقدمة، هو ما قرأته في صحيفة ‘القدس العربي’ الصادرة في الثالث من حزيران/يونيو حول مقال لصحيفة ‘روز اليوسف’ المصرية الصادرة بنفس التاريخ تحت عنوان ‘حسني مبارك الرئيس المصري المخلوع، عمل لصالح الموساد قبل توليه الرئاسة بعامين.’والمقال الذي نشرته ‘روز اليوسف’ مصدره صحف اسرائيلية وأخرى أمريكية هي ‘اليونايتد برس’ في عددها الصادر في 31 أيار/مايو حول تعامل مبارك مع الموساد وبعلاقات وثيقة منذ العام 1979، وانه لعب دور الوسيط السري بين الموساد وبقية الدول العربية.
وتُعزز الصحيفة ما أوردته ‘بفتوى’ صادرة عن مكتب الحاخام الأول في اسرائيل عوفاديا يوسف في الأول من ايار/مايو لهذا العام موجهة لرئيس الموساد الاسرائيلي تامير باردو بخصوص ما يجب القيام به لرد الجميل لصديق الشعب اليهودي ودولة اسرائيل المخلص حسني مبارك وكيفية الوقوف بجانبه في محنته الحالية.
وتمضي ‘روز اليوسف’ نقلا عن صحيفة أمريكية ذائعة الصيت، في الكشف عن العلاقة القوية التي ربطت بين مبارك والحاخام اليهودي الأول الذي عمل بالقاهرة بداية 1947 قاضيا شرعيا للطائفة اليهودية، ليتطور الأمر بعد ذلك الى تفاوض سري بينه وبين الحاخام الأول عقب حرب أكتوبر وحتى عام 1976 حول استرداد رُفات الجنود الذين سقطوا في مصر أثناء المعارك الحربية.
ولكن وبغض النظر عمٌا اذا كانت العلاقة الودية بين الموساد والرئيس المخلوع حسني مبارك تندرج تحت بند التجسس أو هي علاقة حكمتها اعتبارات أخرى مثل:- اثبات حسن النية في التعامل مع الاوامر الأمريكية وبعد ذلك في المشاركة في ما تسميه الولايات المتحدة والغرب بمحاربة ‘الارهاب’، أو ما يطلق عليه بين الحين والآخر بـ’التطرف الاسلامي’ الذي قاده الغرب بأمر من الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001، ومشاركة مصر في حرب تطهير الكويت من جيش صدام حسين، وبعد ذلك في محاصرة العراق وما ترتب عليه من نتائج كارثية للشعب العراقي.- اثبات الولاء التام للاملاءات الصهيو- أمريكية حتى وان جاء ذلك على حساب معاداة بعض الدول العربية، ومحاصرة شعب فلسطين في قطاع غزة، تحت ذريعة ‘محاربة الارهاب’.- الابقاء على الدعم المالي الذي يصب في خزينة الحكم في مصر، والذي لا يمكن ضمان استمراره من دون الرضى الاسرائيلي الذي بدوره يعكس رضى اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على القرار الأمريكي في أعلى مؤسساته.- غض الطرف عمٌا يجري في مصر من انتهاكات لحقوق الانسان، وقمع للحريات واعتقالات تعسفية واستمرار حالة الطوارئ التي من خلالها قامت أجهزة قمع الدولة بكل ما هو مخالف لحقوق الانسان، الذي أوصل الشعب المصري الى أن يضع روحه على كفه ليخرج عن صمته واضعا حدا لسنين طويلة من القهر والذل الذي فرضه النظام بأجهزة قمعه التي يمولها دافع الضرائب الأمريكي.- تنفيذ كل ما يُطلب منه حتى لو كان على حساب المواطن المسحوق، الذي وصل الى مستوى من الفقر لم يسبق له مثيل في التاريخ المصري، أملا في مساندة حملة التوريث التي كانت ضمن المسلمات التي خطط لها مبارك، والتي لم تجد أي رد فعل سلبي لدى الغرب الذي يدٌعي الديمقراطية والاحتكام الى رأي الناخبين، ولكن ذلك يُلغى من سلم الأولويات الغربية طالما استمر النظام المصري في لعب الدور الذي أُنيط به ليكون الحلقة الأهم في الاستراتيجية الغربية للحفاظ على اسرائيل وتشتيت الصف العربي، وتفريغ المواطن العربي من كل تفكير لا يخدم الأطماع الصهيو- أمريكية في المنطقة.
لم يكن مبارك الرئيس الوحيد الذي كانت له علاقة مميزة مع الموساد الاسرائيلي، سواء سُمي ذلك تجسسا أو خيانة، أو بتعبير أقل حدة مثل ‘نذالة’ أو غير ذلك، فقبل ذلك وعند اشتعال الثورة في تونس، كتبت بعض الصحف أن الرئيس التونسي المخلوع كان أيضا على علاقة بالموساد، وأن عملية اغتيال القادة الفلسطينيين في حمام الشط في بداية التسعينات لم تكن دون علم بن علي وأجهزة مخابراته، وسواء صح ذلك أم لم يصُح، وسواء كان عمالة مع الموساد أو مع الـ’ سي آي أيه’ وسواء تأتى ذلك عن طريق فتح سفارات للكيان الصهيوني أو مكاتب تمثيلية في هذه العاصمة العربية أو تلك، فان ذلك لن يقلل الخطر الذي يتأتى عن ذلك العمل، ولن تنجح أي تسمية أخرى في ابعاد ذلك عن اطلاق تسمية الجاسوسية على مثل هذه الأعمال.
والغريب في الأمر أن تبقى هذه الخيانة الى أن يصبح الحاكم مخلوعا أو متنحيا أو في عداد الموتى.
والسؤال هو: هل بقية الحكام العرب يحملون هذا ‘الشرف’ في انتظار السقوط الأخير؟
واذا كان الجواب بالايجاب، اذا فكل حاكم عربي بريء حتى يتم خلعه.’ صحافي فلسطيني في السويد