الحكاية المضمرة في رواية «مرآة الغريبة» للمغربي محمد فاهي

تعددت الطرائق السردية في الرواية المغربية اليوم، وغدت بذلك منفتحة على التفاصيل والفنون الأخرى، فضلا عن حضور الخطابات المتنوعة بين طياتها، عبر فعل تخييلي يعيد بناء المعطيات الجارية، وفق عمل الروائي أو كيفية اشتغاله على مكونات السرد، بنفس حكائي مغاير، امتد لكل العناصر السردية. ولا يمكن أن يحصل ذلك بدون وعي دقيق بالسرد التقليدي ـ الخطي، وفتح آفاق جديدة في حكي متقطع، متخفف، عميق في صوغه، وفي بناء الجملة السردية التي تطوى على مرجعيات ومشاهدات، عطفا على خبرات أيضا. وهو ما يؤكد كفاءة السرد أولا لدى الروائي، المتجلية في تقديم حكي سلس في انسياب لغوي يحفر مجراه الخاص في المشتركات، لهذا، فالبعض يراكم الأغلفة في هذا السياق، بدون قلق أو أسئلة حارقة، والآخر يراكم الطرائق والضربات السردية الخاصة من رواية إلى أخرى، متوغلا في ماء السرد الذي لا ينتهي في العمق. حضرتني هذه الفكرة بقوة، وأنا أفتح رواية محمد فاهي الصادرة مؤخرا عن الراصد الوطني للنشر والقراءة، الرواية مغايرة من حيث انخراطها في سردية مفتوحة على الواقع وتحولاته السياسية والاجتماعية والقيمية، من خلال الاستناد إلى عينة من الناس ذات طموح للتأسيس، ولو تأسيس حكاية ظلت مفتوحة؛ تنتظر من القارىء إعادة بناء تفاصيلها ومشاهدها. ورد في رواية «مرآة الغريبة»: «كانت بثينة هي من عرفتني بريم وباقي الأصدقاء الذين سيصبحون في ما بعد، أعضاء تحرير مجلة لم تصدر. أذكر أنه في مساء ذلك اليوم نفسه، دعتنا بثينة إلى غرفة دردشة مشتركة للمناقشة بهدوء أكثر، كما قالت. لم أسأل بثينة كيف وقع اختيارها على هؤلاء الأشخاص بالذات، وما إذا كانت أخضعت كل واحد لتقويم ومعايير خاصة بها. وربما لأن ما سيحدث بيننا من انسجام وتفاهم قد غطى على أي تساؤل من هذا القبيل. أكثر من ذلك، انشغلنا باكتشاف بعضنا بعضا وتوسيع دائرة من العلاقات المثمرة، كانت بثينة وريم أشدنا حرصا على توطيدها».

التناقضات فرضت سردا بين مكانين، يختلفان في المظاهر المعبرة عن الدلالة العامة للنص.

يبدو أن سردية هذه الرواية، تصوغ حكايتين بشكل متواز، حكاية واقع تمثل في وضع الحروب الراهنة وتأثيرها في نقاط من العالم العربي (سوريا، العراق، اليمن) بناء على شخوص تحكي مأساتها على محمل الأجساد، من خلال عرض مذكراتهم اليومية. وحكاية ثانية تجلت في التأسيس لإقامة في الواقع الافتراضي عبر نوافذ الإنترنت، فكان الجدل الحكائي متمثلا في الحوار بين شخوص ينتمون لجغرافيات عربية مختلفة (الشرق والمغرب) سعيا إلى تأسيس مجلة ينصب اهتمامها على ما هو ثقافي (قوس قزح) بين خرابين، خراب الحروب وخراب الواقع العربي الغني بالتناقضات في السياسة واليومي.. فكان الكل من شخوص الرواية (بثينة، دنيا، طه، أيوب علوان …) يشتغل ضمن مؤسسة ظلت بلا تحديد، على الرغم من أنها توهم بشروط ولوازم المؤسسة. ويبدو أنها رقمية تهدف إلى إخراج مشروع المجلة للوجود كصوت عربي ـ ثقافي يؤسس لنقاط الضوء بأفواه وحيوات مختلفة، ضمن شتات أفضى لحكاية شتات أيضا.
هذه التناقضات فرضت سردا بين مكانين، يختلفان في المظاهر المعبرة عن الدلالة العامة للنص. وهما حي الليمون: الحي العصري الراقي وحي الشوك، المكان المهمش والمقصي، وكلاهما يطوي على واقع وذاكرة. نقرأ استدلالا في الرواية نفسها: «في درب الشوك أو حي الأمل، كما سيسمى في ما بعد، كان التوجه السياسي لغالبية السكان قد حسم منذ وقت مبكر. مالك ضياع الليمون هو عراب الدرب بالمعنى الواسع للكلمة. في الانتخابات يتجند عدد مهم من السكان في عمليات الحملة والتصويت. وقد حظي الأكثر نشاطا منهم بفرص عمل هنا وهناك، بوساطة من العراب. ترسخ في العرف المحلي أن الحي هو تحت تبعيته السياسية. ظهرت أحزاب أخرى قليلة العدد، وجدت لها أتباعا ممن أقصوا من غنائم الحزب السابق. في هذا السياق، أضاف البعض قضية الرزق إلى جانب القضايا التي يموت من أجلها الإنسان، كما هو متداول وهي الأرض والأولاد. لم ينجح أي حزب يساري في اختراق الحي ولو لمرة واحدة».

روايات القاص والروائي محمد فاهي تثبت أهليتها للحوار مع التاريخ والمجتمع، أسوة بتلك النصوص  المؤسسة.

اعتمد الروائي محمد فاهي في عرضه السردي هذا، على تقنيات عديدة؛ كون هذا العمل قدم بشكل متدرج، عبر فصول أو بالأحرى مشاهد حوارية سمحت بالغوص في النفسيات. قصد إبراز أحاسيس الحب، الموت، الانكسار، التحدي… ما أدى ـ في تقديري ـ إلى تراسل الحواس التي تمظهر البصري عبر إشارات. هنا يحضر الوصف السردي، بنفس شعري يحفر في اللغة والصفة. كما تم توظيف الرسائل والمذكرات في هذا العمل الروائي، كشكل من أشكال البوح الحميمي بين الشخوص. وهي بذلك جسور للتواصل بين الشخوص المتباعدة مكانا والقريبة والمتوحدة في الرؤية المستقبلية، لواقع محمول على الجلد، فضلا عن حضور الدارجة، ضمن بعض الحوارات، عبر اللغة الفصحى أو تفصيح الدارجة.
لا أخفي أني أتابع مسيرة هذا الكاتب في كتابته السردية، في القصة والرواية. ويبدو أنه منشغل بكل عمل، كونه على وعي دقيق بتحولات المرحلة، بما فيها تحولات السرد وتنوعه بين الجغرافيات والثقافات، لهذا ألمس في كل عمل يصدر له، تجديدا في عناصر السرد، في تركيز على بعضها في كل عمل، منها في هذه الرواية بناء الحكاية كمشاهد مقارعة لما يحدث الآن، ومنه واقع الحروب وتأثير ذلك النفسي والجسدي الذي لا يحول دون الذهاب للمستقبل. وأيضا حضور المذكرات والرسائل؛ وهو سجل على صلة قوية بالسرد، بمفهومه العميق، عبر لغة سلسة تتأمل لغتها، في إعادة نظر لنظام الجملة العربية، تأسيسا لجملة تلمح، تشير إلى تأملات ومرجعيات؛ عوض جملة ـ كما هو سائد ـ متخشبة، تتصف بالتسجيلية والحشو وصوغ الكلام بنظر أحادي، تضيع معه الكتابة ووظيفتها التخييلية والمعرفية. لهذا أظن أن العنونة «مرآة الغريبة» ولو أن الغريبة تحيل إلى شخصية داخل الحكاية، أن الأمر قد يتعلق بالرواية نفسها المتصفة كذلك، نظرا لغرابة الواقع العربي وهو في أحلك فصوله. فروايات القاص والروائي محمد فاهي تثبت أهليتها للحوار مع التاريخ والمجتمع، أسوة بتلك النصوص المؤسسة.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية