د. شهلا العجيلي
لا أشكّ في أنّ ‘الوعي’ من أشدّ المفردات إيلاماً، لا سيّما حينما تدعمه الحادثة التاريخيّة، الوعي يُذهب البهجة تجاه أي موقف قد يتخذه صاحبه، ويتحوّل الوعي في كثير من الأحيان إلى مرض، إنّه مرض زعماء السياسة، مثلما هو مرض زعماء الثقافة، فالطرفان يتنازعان على امتلاكه. من غير أن يريا طرفاً ثالثاً، يمتلك وعياً مغايراً، ولكن بلا زعامة، ولعلّ الطرف الثالث يشبه إلى حدّ ما فرقة المعتزلة في التراث الإسلاميّ، تلك الفرقة التي ليست بالقصر، وليست بالخوارج، ولا بالعامّة، إنها صوت العقل الخالص، الذي لم يحبّه أيّ طرف من الأطراف في يوم، مع أنّ الجميع يكنّون له المهابة، وما ذلك إلاّ لأنّ أصحابه يفكّرون بطريقة مختلفة، إنّهم يفكّرون بإمكانيّة اجتماع العدل مع الحقيقة، من غير أن يتطلّعوا لدور سياسيّ أو إداريّ، يبحثون عن الاتجاه الأمثل لدفع الفلك نحو برّ الأمان، بحلول عقليّة لا بمعجزات إلهيّة، فيتجاوزون اللحظة الثورية التي تحوّل الكون إلى يوتوبيا، إلى ما بعدها. ويمثّل مثل هذا التوجّه في الثقافة العربيّة المعاصرة، وكذلك في الثقافة الأوروبيّة الحديثة، مجموعة من المثقّفين الذين يمتلكون رؤية واضحة لدورهم الذي يلخّصه قول (ألبير كامي): ‘إنّ نبل مهمّتنا سيتجذّر دائماً في التزامين يصعب الحفاظ عليهما: رفض أن نكذب حول ما نعرف، ومقاومتنا للاضطهاد’، ولعلّ ذلك يشير إلى أنّ المثقّف يخدم الحريّة، لكنّه يخدم الحقيقة قبلها، مؤمناً بأنّ الوطن لا يتحوّل إلى عدوّ بأيّ حال من الأحوال، ويؤكّد (كامي)، وهو ما يغيب عن مواقف الكثيرين، فيقول: المثقّفون الحقيقيون لا يحتقرون أيّ شيء، ويلزمون أنفسهم بالفهم بدل إصدار الحكم، وهم إذا ما انحازوا إلى طرف في هذا العالم، فليس إلاّ إلى المجتمع، حيث الحياة لا الموت، حيث الثقافة لا السياسة. يشكّل وعي المثقّف الحقّ، حدّاً ثقافيّاً في وجه الشتيمة، والانتقاص من فكر الآخر، بل هو جدار في وجه تسخيف القيم الرمزيّة العليا للآخرين، وتسخيف رؤياتهم، ونماذجهم الجماليّة، إنّ هذه القيم تشمل الرغبة في التحرّر، مثلما تشمل رغبات الناس في المحافظة على بلادهم والعيش بسلام، وبناء أوطانهم، والاطمئنان إلى مستقبل أطفالهم، وعدم المغامرة بسلمهم الأهليّ، كما أنّ المثقّف الأصيل لا يسخّف المبادرات الفرديّة النبيلة للإصلاح، ولا يواجهها بالشتائم، ولا يزين للناس الموت تحت اسم النضال والحرية، فتلك مهمة بعض الفقهاء أو بعض السياسيّين، وما ذلك إلاّ لأنّه يدرك أنّ لعبة الكراسي الموسيقية لا تستحقّ قطرة دم، فالثورات الحقّ، لا يمكن إلاّ أن تكون نبيلة، طاهرة القلب واليد واللسان، إنّها الثورات العدميّة لا الثورات الانتهازيّة، والتي يجب أن يستمرّ نقاؤها إلى ما بعد اللحظة الثوريّة، ويحضرني هنا مثال غريب عن هذا النقاء ما بعد الثوريّ، ويتمثّل بالنقد الذي وجّهته زوج أبي سفيان، هند بنت عتبة، إلى الرسول محمّد صلى الله عليه وسلّم، حينما دخلت عليه مسلمة بعد الفتح، فبادرها قائلاً: هند آكلة الكبود! فأجابت: أنبيٌّ وحقود! يرى كلّ جيل من الأجيال أنّ مهمّته إعادة بناء العالم، لكن الوعي الذي وصلناه بحكم التجربة التاريخيّة يقتضي القول إنّ مهمّتنا بوصفنا جيل الدولة الوطنيّة تكمن بمنع امّحائنا من العالم، لا سيّما حين تُعامل في ثقافتنا بعض المصطلحات العالميّة، معاملة مختلفة عمّا وضعت له أصولها، من مثل الحريّة، والحداثة، والديمقراطيّة، والتنمية. لعلّ الحريّة في أبسط تعريفاتها تعني ألاّ يكون لك سيّد، سواء أكان السيّد حالة ماديّة أم معنويّة، وانطلاقاً من ذلك فالحريّة حالة نسبيّة جدّاً، وإذا فكّرت بفرديّتي، فحريّتي تختلف بشكل مروّع عمّا ينادي به دعاتها اليوم، إنّها تعني لي بوصفي امرأة عربيّة مسلمة، نسف قانون الأحوال الشخصية، وتغيير نظام الإرث الذي يجعل للذكر مثل حظّي مرّتين من جهة، وتجعل الآخرين يشاركون في إرثي من أمي وأبي، إن لم يكن لي إخوة ذكور! كما تعني الحريّة بالنسبة إليّ أن أمنح أولادي جنسيّتي إذا ما كان زوجي من جنسيّة مغايرة، وقس على ذلك، فمن منكم سيخرج متظاهراً من أجل حريّتي!
؟ أمّا حداثتي فلا شكّ في أنّها مغايرة أيضاً، إذ أريد الانطلاق من حتميّة تاريخيّة تقول بأنني وحدة ثقافيّة هجينة تنتمي إلى مجموعة ثقافيّة أكبر، وهي هجينة أيضاً (إسلاميّة، وقوميّة، وماركسيّة، وليبراليّة…)، لكنّها تحنّ ظاهريّاً أو جوهريّاً إلى صفاء مستحيل يكبّلها أحياناً، ويشكّل قوّة دفع إيجابيّة لها أحياناً أخرى.
وإذا ما انتقلت إلى الديمقراطية التي يفترض أن تكون أصلاً من أصول الحياة، سنجدها قد انقلبت في ثقافتنا لتصير أصلاً للاقتتال والموت، إذ لا تقاليد، أو إرث لها في الثقافة العربيّة الإسلاميّة، التي مالت إلى فكر الخوارج بعد محاولات حواريّة بائسة، نتج عنها مقولة تخالف منطق أيّ سيادة في العالم، وهي مقولة (منّا أمير ومنكم أمير)، تبعها اغتيال (سعد بن عبادة). ولا بدّ في هذا السياق من التعريج على حال من يرفع ميثاق الأمم المتحدة بإعلانه العالميّ لحقوق الإنسان، بوصفه حدّاً ثقافيّاً نتحصّن خلفه، إنّه ليس أكثر من أضحوكة تنتهي بنوبة بكاء! تقول المادّة الثامنة عشرة من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، الذي أعلن في 10 كانون الأوّل (ديسمبر) 1948: ‘لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرّاً أم مع الجماعة’، وبالطبع فإنّ مكمن المفارقة في كون الدول المسلمة التي تقيم حدّ الارتداد، هي من أوّل الموقّعين عليه، هو مظهر رئيس من مظاهر التملّق الثقافيّ! إنّنا نشغّل الميثاق في مقام، مثل أن نستعين بالقوّات الدوليّة لنحلّ مشكلة داخليّة، ونعطّله في مقام آخر، وفاقاً للقاعدة الثقافيّة الذهبيّة التي تقول إنّ لكلّ مقام مقالاً، وهذا ما يجعل فصامنا الثقافيّ عصيّاً على العلاج. وصلت الآن إلى الحكاية، إنّها ليست حكاية عن شخصية معتزلية من شخصيّات التاريخ، بل هي حكاية (جحا)، الذي تعرفونه جيّداً، فحكايته مع التنمية حكايتنا، وحركات (جحا) التنمويّة لم تكن خافية على أحد، ولعلّ حكايته وحميره العشرة نموذج متميّز في هذا السياق، إذ قرّر ألاّ يركب على أحدها، لأنّه كلّما ركب وعدّها، وجدها تسعة، وحين لا يركب، فيمشي، يجدها عشرة! لكنّ الأنكى من ذلك هي حكايته الثانية: إذ كلّما أراد جحا المشي إلى قدّام تدخّلت إرادات ما وجرّته إلى الخلف، إنّها الإرادات التي خطفت حماره فجعلته في كمد ولوعة، فاسودّت الدنيا في عينيه، ليعود فيجد حماره في اليوم الثاني، فيشبّه له بأنّه في قمّة السعادة والرضا، لذا قيل: إذا أراد الله أن يسعد عبده الفقير، جعله يضيّع حماره في اليوم الأوّل، فيجده في اليوم الثاني، وعلى هذا الأساس تقوم تنميتنا، نبني ونهدم، تماماً ‘كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا’! يبدو أنّ إحدى الخصائص الأنثروبولوجيّة الثقافيّة للشخصيّة العربيّة موروثة من الجدّ الرمزيّ الذي كان يصنع إلهه من تمر، ويضعه في بيته، فإذا استبدّ به الجوع أكله، وما تزال الشعوب العربيّة تحاكي العمليّة ذاتها، تمارس التقنية نفسها مع مواد مغايرة، فأبناء الجدّ صنّعوا آلهتهم أيضاً، حتّى إذا ما تعبوا سلّموها للمحاكم الدوليّة. لم يفكّر ذلك الجدّ بأن يدعو إلهه الذي في بيته إلى طاولة الحوار إلاّ حينما جاء المعتزلة، لذا فقد شارك الجدّ وأبناؤه في صياغة الحاضر والمستقبل، وبناء عليه فإنّ دور الضحيّة لا يليق بهم على الإطلاق!
نعود إلى النسخة المحدّثة من المعتزلة، فنجد أنّهم يمكن أن يضحّوا بالفكرة قليلاً، وبأن يوقفوا رغباتهم تجاهها قليلاً، وأن يوقفوا كلامهم وكتابتهم، وذلك في مقابل إقامة صرح العدالة، وأعود هنا إلى (كامي) الذي يقول: إذا كانت العدالة تعني أن تُفجّر حافلة فيها أمّي، فأنا أفضّل أمّي على العدالة!