الحكاية والقصة في أدب العراق القديم

حجم الخط
0

سامي مهدي

عرف العراقيون القدامي، من سومريين وبابليين، بغزارة انتاجهم الشعري. فقد نظموا الملاحم والاساطير والتراتيل والاغاني والاناشيد الدينية والقصائد الغزلية وغيرها. وبرغم ان الكثير من هذا الشعر قد ضاع بسبب تلف الالواح الطينية المفخورة التي دون عليها، فان ما وصلنا منه، وما قد يصلنا في المستقبل ليس بالقليل.

وقد لا يعرف سوي المتخصصين ان ادب العراق القديم لا يخلو من القصة والحكاية. صحيح ان ما وصلنا من هذه وتلك يعد قليلا اذا قيس بعدد القصص والحكايات التي انتجها المصريون القدامي(1) ولكن من الصحيح ايضا القول: ان العراقيين القدامي كانت لهم قصصهم وحكاياتهم التي يروونها في مجالسهم ومسامراتهم، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الاخري. وتدل المشاهد المنقوشة علي الاختام الاسطوانية التي استخدموها منذ عصر الوركاء في الالف الرابع قبل الميلاد، وظلوا يستخدمونها حتي القرن الرابع قبل الميلاد، علي وجود مثل هذه القصص والحكايات.(2) فهذه المشاهد ليست نقوشا اعتباطية، بل تفاصيل من اساطير وقصص وحكايات ومعتقدات شتي كانت سائدة بينهم، بعضها معروف محدد. وبعضها مؤول، وبعضها استصعب تأويله فاكتفي بوصفه وصفا مبتسرا.

ويبدو من دراسة الادب الذي انتجوه انهم كانوا ميالين الي الشعر اكثر من سواه من انواع الادب الاخري. وكان هذا الميل يدفعهم الي صياغة حتي قصصهم وحكاياتهم شعرا. فلو اخذنا الملاحم والاساطير التي نظموها، مثلا، لوجدناها قصصا وحكايات منظومة طالت ام قصرت. بل ان بعضها كملحمة كلكامش يتكون من عدة قصص وحكايات استطاع مؤلفها البابلي الفذ ان يجمعها ويدمجها في عمل شعري واحد. وبهذا المعيار يمكن ان نعد ملحمة الطوفان قصة، وكذلك قصائد شعرية مثل: ادابا، وايتانا، وانزو، وايرا، وترغال وارشيكيغال، ومولد سرجون الاكدي، وغيرها. فكل هذه القصائد الشعرية تروي قصصا وحكايات عن الآلهة والبشر، وتكشف لنا عن الكثير من معتقدات السومريين والبابليين وتصوراتهم عن الكون والحياة ونمط عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم.

ومن المحتمل جدا ان هذا الميل الي الشعر جعل الكتاب والنساخ يعزفون عن تدوين القصص والحكايات الشعبية. ذلك ان اغلب هؤلاء كانوا من الكهنة والموظفين الرسميين، اي انهم كانوا مثقفي عصرهم، وليس ببعيد انهم كانوا يشكون في قيمتها الفنية والفكرية، ويستخفون بها ويترفعون عن تدوينها فهي في نظرهم ليست اكثر من ثرثرة عوام وما كل ما يثرثر به العوام يصلح للتدوين وخاصة اذا خلا من قيمة دينية او رسمية او عبرة او نصيحة.

ومع ذلك لا يخلو ادب العراق القديم من قصص وحكايات نثرية مدونة لم تنل شهرة كالتي نالتها الاعمال الشعرية، برغم ان بعضها قد يضاهي تلك الاعمال بجماله وبلاغته وبراعة تأليفه. غير ان الباحثين المتخصصين لم يعنوا بفرزها ودراستها بوصفها نوعا ادبيا مستقلا، كما فعل مؤرخو مصر القديمة، بل صنفوها ضمن الانواع الادبية الاخري. وهكذا تبعثرت بين هذه الانواع، ولم تعد تلفت النظر بوصفها انتاجا مختلفا. ولعلهم كانوا معذورين في ذلك. فالادباء العراقيون القدامي لم يدر في خلدهم كتابة نوع جديد من الادب اسمه: القصة، بل ارادوا تأليف نصوص ادبية لغايات اخري. ولذا لم تصبح القصة عندهم نوعا ادبيا مستقلا، وهم لم يكتبوا الكثير من القصص والحكايات ليتبلور شكل هذا الفن وترسخ تقاليد كتابته كما حدث عند معاصريهم المصريين.

واذا كان هذا ينطبق علي القصص بوجه خاص، فيبدو انه لا ينطبق علي الحكايات بالدرجة نفسها. فقد اكتشف في ستينيات القرن العشرين نمط جميل حقا من الحكايات، بعضه مكتوب باللغة السومرية، وبعضه مكتوب باللغة البابلية، ويذكر الاستاذ طه باقر ان المكتوب منها بالسومرية اكثر من المكتوب بالبابلية، وبرغم ان الباحثين عراقيين واجانب لم يذكروا بقدر علمنا تواريخ تدوين هذه الحكايات فان وصول بعضها مدونا بالسومرية يدل علي قدم هذا الفن وعراقته، فهو يرقي الي (1900 ـ 2000 ق. م) في اقل تقدير.

وتمتاز هذه الحكايات بقصرها، واقتصاد لغتها والسخرية الكامنة فيها فهي سرود قصيرة جدا لا يزيد اطولها علي بضعة اسطر وتتكون كل منها من عدة وحدات (جمل) يرتبط بعضها ببعض ارتباطا منطقيا، مثل بعض المحاولات القصصية التي كتبها في اوائل القرن العشرين اديب فرنسي فوضوي يدعي فيلكس فينون (1861 ـ 1944) (3). اما لغتها فهي موجزة، عارية من عناصر البلاغة المأثورة حتي ليمكن وصفها بأنها لغة تجريدية او موضوعية وتكمن بلاغة الحكاية وقوتها في عنصر المفارقة الذي يقوم عليه بناؤها فما من قصة منها الا وتقوم علي مفارقة وما من مفارقة الا وتنطوي علي رسالة اخلاقية فهي ليست مجرد دعاية او محاولة عابثة للسخرية بل عبرة وموعظة وهذا ما حدا ببعض الباحثين ومنهم العالم الانكليزي هاري ساكز الي تصنيفها في باب ادب الحكمة كما فعل في كتابه العظمة التي كانت تدعي بابل (4). وفي ما يأتي نماذج منها:

الكاهن والاسد:

رأي احد الكهنة اسدا في البادية فانتابه خوف شديد ولكنه نجا منه ولما بلغ المدينة رأي عند بابها تمثال اسد رابض فتقدم منه وصفعه بقوة وهو يقول: ما الذي كان يفعله اخوك هناك في البادية؟

البعوضة والفيل:

وقفت بعوضة علي ظهر فيل يمشي وقالت له:

ـ هل اثقلت عليك يا أخي في الدم؟ ان كنت قد فعلت فانزلني عند بلوغنا مورد الماء. فرد عليها الفيل:

ـ ما انت؟ انا لم اعرف انك علي ظهري، ولن اشعر بك حين تنزلين!

الثعلب والبحر:

بال الثعلب يوما في البحر. ثم نظر اليه وقال:

ـ عجبا.. اكل هذا الماء من بولي؟

الحصان الأتان:

همس الحصان في اذن أتان كان يسفدها:

ـ عساك ان تلدي مهرا عدّاء مثلي، لا حمارا ينوء بحمل الاثقال!

الكلب والنمس:

مرة طارد كلب نمسا، فهرب النمس ودخل في انبوب تصريف المياه. فما كان من الكلب الا ان يلحقه ويقفز خلفه. فحشر رأسه في فوهة الانبوب، وبذلك افلت النمس منه. لعلنا لاحظنا كم هي جميلة ومعبرة هذه الحكايات وكم هي بليغة في ما انطوت عليه من مفارقات وروح فكهة. وهذا يعني ان اولئك الرجال الورعين الصارمين كما تبدو ملامحهم في تماثيلهم، كانوا اهل نكتة في الوقت نفسه، وكانت نكتتهم بارعة ونافذة وهذا ما جعل الاستاذ طه باقر والدكتور فاضل عبد الواحد علي يصنفان هذه الحكايات ضمن ادب السخرية بخلاف ساكز. ولعل من البديهي القول: انها حكايات كانت تروي في مجالس السمر او في مواقف خاصة من مواقف الحياة اليومية.

ومما تنبغي ملاحظته ايضا ان ابطال هذه الحكايات حيوانات وان دخلت في احداها شخصية انسانية هي شخصية الكاهن. ولهذا تذكرنا كما تذكر كل باحث بقصص الحيوان التي نسبت الي الكاتب الاغريقي ايسوب وبشبيهتها التي جاءت في كتاب ابن المقفع المعروف كليلة ودمنة، وتجعلنا نتساءل عما اذا كان الشبه قد جاء بتأثير مباشر او غير مباشر منها، خاصة ان الاغريق كانوا علي معرفة بأدب العراق القديم وانهم تأثروا به في مجالات اخري. ولكن من المؤسف ان الباحثين لم يولوا هذه الحكايات عناية كافية بعد ولم يترجموا الا القليل منها، اما لحداثة اكتشافها. او لصعوبة استيعابها وترجمتها، او لاسباب اخري.

هذا عن الحكايات. اما عن القصص فقد عثرنا علي ثلاثة نصوص بعثرها المؤرخون والآثاريون بين الانواع الادبية الاخري، وهناك. في الارجح نصوص قصصية اخري لم نعثر عليها بسبب هذه البعثرة والنصوص الثلاثة التي نعنيها هي: نص سومري، ونص بابلي وآخر آشوري.

والنص السومري يتكون من (91) سطرا دونت باللغة السومرية في حدود عام (2000 ق.

م). ويحكي هذا النص قصة يوم دراسي منحوس من ايام احد التلاميذ وقد كتبه مؤلفه بصيغة اقرب الي الصيغة التي تكتب بها المذكرات الشخصية. ويري الدكتور فاضل عبد الواحد علي ان هذا المؤلف قد يكون معلما فدون ذكري من ذكرياته عن ايام الدراسة، وهذا احتمال من احتمالات اخري في رأينا.

يبدأ النص بسؤال وجواب اذ يفترض المؤلف ان هناك من يسأله: الي اين كنت تذهب في صغرك؟ فيجيب: كنت اذهب الي المدرسة؟ ثم يعود السائل فيسأل: وماذا كنت تفعل فيها؟ وعندئذ يبدأ المؤلف بسرد ذكرياته عن يومه الدراسي فيتحدث بتفصيل عما كان يفعله في المدرسة وما يفعله في البيت عند عودته منها. ثم يتحدث عن يوم تأخر فيه في الصومال الي المدرسة رغم استيقاظه المبكر، وعن العقاب الذي انزل به بسبب تأخره والعقوبات الاخري التي تبعتها بسبب سوء تصرفاته واهماله هندامه، ثم يخبرنا انه عاد الي البيت في ذلك اليوم حزينا تعيسا، وطلب من ابيه العون فاستجاب لطلبه ودعا المعلم الي بيته، ولبي المعلم الدعوة شاكرا وقام هو علي خدمته عند مجيئه وسرد لأبيه بحضور المعلم ما تعلمه في المدرسة، فسر ابوه به واشاد بفضل معلمه. ولما جاء دور المعلم راح يتحدث الي تلميذه باسهاب ناصحا وموجها وتمني له بعد هذا الحديث النجاح. واخيرا تثمر نصائح المعلم وتوجيهاته فتعزز ثقة التلميذ في نفسه وتبث فيه روح السعي والمثابرة. اما المعلم فقد نال جزاء تعبه فحظي بهدية من الأب وكانت الهدية: ثوبا جديدا وخاتما ثمينا.

قد يكون ما يسرده هذا النص ذكري يوم دراسي منحوس مر به مؤلفه فعلا، او يكون مجرد قصة اراد بها المؤلف غاية تربوية خالصة، ولكنه نص قصصي يسرد بلغة موضوعية مجردة من التصنع والبلاغة حكاية يوم دراسي في المدارس العراقية القديمة ويرسم لنا بهذا جانبا من جوانب الحياة في ذلك الزمان الموغل في القدم لنكتشف اخيرا ان اليوم الدراسي في تلك المدارس يكاد يشبه في اطاره العام وفي كثير من تفاصيله نظيره في حياتنا الراهنة.

وثمة قصة بابلية عرفت لدي المتخصصين بعنوان فقير نفر بطلها مواطن بابلي يدعي جميل ـ ننورتا. ونفر مدينة عريقة ومقدسة، خاصة عند السومريين والقصة تتألف من (160) بيتا مع تذييل نثري من (13) سطرا بحسب الاستاذ طه باقر وقد اكتشف لوحان من الواحها في سلطان تبة احد تلول (حران). كما اكتشفت كسرة من لوح ثالث في مكتبة آشور بانيبال وجاء في هامش هذا اللوح ما يفيد بأنه كتب بتاريخ الحادي والعشرين من آذار (مارس) عام (701 ق.

م) وهذا يعني ان القصة كانت واسعة الانتشار في حينها. وقد اثارت لدي اكتشافها اهتماما كبيرا وقام بترجمتها الي العربية الدكتور فاضل عبد الواحد علي، ونشرت أول مرة في مجلة سومر عام 1970. ويروي نص القصة حكاية طريفة دارت احداثها في مدينة نفر وها نحن نقدمها كما لخصها هاري ساكز في كتابه الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور:

كان الفقير المسكين جميل ـ تنورتا يعيش في مدينة نفر ولم يكن يملك ذهبا الي فضة وكان وجهه ذاوياً لقلة طعامه وشرابه، فقرر اخيرا ان يبيع ثيابه ليشتري معزي ويأكل لحمها وحده. ولكن اكلها وحده يعد عيبا لدي الناس وانه ان دعا ضيوفا فان عليه ان يقدم لهم شرابا لا يملكه، ففكر في الامر مليا فرأي ان افضل ما يقوم به هو ان يقدم المعزي هدية لحاكم مدينته علي امل ان ينال رضاه ويحصل منه هدية مضاعفة. ولكن الامور سارت علي غير ما توقع، فقد غضب الحاكم وأخذت حاشيته المعزي منه وامر باخراجه من بيته. متهما اياه بمحاولة ارشائه. فغلي الغيظ في قلب جميل ـ ننورتا وتوعد الحاكم بأن يرد له الاهانة بثلاثة اضعافها. واخبر البواب بأن يبلغ سيده بذلك، ولكن هذا التهديد بدا للحاكم عقيما فظل يضحك مما سمعه طوال النهار كما يقول النص.

اتجه جميل ـ ننورتا الي الملك مباشرة وبعد ان قبل الارض بين يديه طلب منه ان يعيره عربة لمدة يوم واحد مقابل منا من الذهب، فوافق الملك فأعطاه العربة وكساه برداء فبدا وكأنه نبيل من النبلاء.

عاد جميل ـ ننورتا متنكرا الي بيت الحاكم في نفر، ومعه صندوق مال فارغ وادعي انه رسول من الملك يحمل منه مالا للمعبد تقربا للاله فخرج اليه الحاكم مرحبا واستضافه في بيته وفي منتصف الليل نهض جميل من فراشه وراح يصرخ عاليا مدعيا ان المال قد سرق منه وهجم علي الحاكم وانهال عليه بضرب مبرح فأعطاه الحاكم ضعف ما ادعي انه سرق منه في بيته ولما خرج من بيت الحاكم بعربته قال للبواب: قل لسيدك لقد انتقمت منك بواحدة!

ثم ذهب جميل ـ ننورتا وحلق شعر رأسه وعاد الي بيت الحاكم مرة اخري وادعي هذه المرة بأنه طبيب من مدينة ايسن فادخل في البيت ودخل علي الحاكم فكشف له هذا عن الكدمات التي نجمت عن ضربات الرسول الملكي المزعوم. وكانت الطريقة التي عاين بها الطبيب المزيف كدمات الحاكم قد اوحت اليه بالثقة. فلما قال له ان علاجه لا يتم الا في مكان مظلم اخذه الحاكم الي حجرة خاصة. وكان جميل ـ ننورتا قد جلب معه عدة طبية مزيفة فملأ وعاء بماء واشعل نارا ثم اطفأ النار بالماء ولما عم الظلام الحجرة اوثق الحاكم بحبل كان معه وضربه ضربا مبرحا ثم غادر المكان وقال للبواب: قل لسيدك: هذه هي الثانية!

استنتج الحاكم عندئذ ان الرجل الذي اهداه المعزي هو وراء هذه المشكلات، فأمر جميع موظفيه بأن يفتشوا عنه ويراقبوا قدومه عند عودته مرة اخري. وتوقع جميل ـ ننورتا هذا التصرف منه فاختبأ هذه المرة تحت قنطرة قرب بيت الحاكم، واتفق مع رجل لقاء مكافأة علي ان يركض وينادي: انا اعرف مكان صاحب المعزي، ففعل الرجل فركض وراءه جميع موظفي الحاكم وحراسه وتركوا سيدهم وحده فخرج جميل ننورتا من مخبئه وقبض علي الحاكم وضربه مرة ثالثة. وعندئذ اكتفي بما حققه من عدل ثم تواري في الريف تاركا الحاكم التعيس اقرب الي الموت منه الي الحياة.

ربما يصح ان نصف هذه القصة بأنها واقعية اذا شئنا استخدام المصطلح الحديث فهي انعكاس لما كان يحدث علي ارض الواقع وصلتها جد وثيقة بالحياة اليومية للناس في العراق القديم، اذ تتجلي فيها حقائق عملهم اليومي واساليب تخاطبهم، وترشح منها معلومات لا يمكن العثور عليها في الوثائق الاعتيادية كما يقول ليو اوبنهايم. ثم انها ترينا بعد هذا وذاك شكلا من اشكال ردود الافعال علي ما كان ذوو النفوذ والسلطان يقترفونه من ظلم. فلأن جميل ـ ننورتا كان مواطنا فقيرا لا حول له ولا قوة لجأ الي الحيلة والمكر لينتقم من الحاكم الذي ظلمه ولكن شعوره بالقهر كان من العمق بحيث لم يجد ما يشفي غليله الا الانتقام من الحاكم ثلاث مرات بدلا من مرة واحدة. ويذكرنا اسلوب هذا المواطن في الانتقام من خصمه بأساليب العيارين حين كانوا ينتقمون من ذوي النفوذ والسلطان في العصور اللاحقة، وهي اساليب تظهر عادة حين تضعف سلطة الدولة وتتردي هيبة الحاكم وتغيب العدالة وتحل سلطة القوة محل سلطة القانون.

ففي مثل هذه الظروف لا يجد المواطن من وسيلة للدفاع عن نفسه وانتزاع حقوقه غير حيلته ومكره او قوة ذراعه او حيلته وقوته معا وهذا ما فعله بطل قصة معروفة من قصص ألف ليلة وليلة تشبه قصتنا هذه الي حد كبير.

وقد تكون قصة فقير نفر هذه رواية لواقعة حقيقة تناقلتها السنة الناس في حينها او حكاية رمزية تعبر عما تختزنه صدورهم من غضب علي ذوي النفوذ والسلطان ومن رغبة في الاقتصاص منهم ولكنها تنبئ في الحالتين بما آلت اليه العلاقة بين السلطة والمواطن يومئذ وما اصبح عليه المواطن من جرأة في موقفه من الحاكم. فهذا الحاكم لم يعد يتمتع بالقدسية التي كان يتمتع بها في الماضي وهو لم يفقد هذه القدسية فحسب، بل فقد معها هيبته في نظر الناس، بحيث صار المواطن العادي الفقير يتجرأ عليه وصار الشاعر يسخر منه مثل هذه السخرية اللاذعة دون خشية من حساب. ولهذا كله نري ان صلتها بأدب القصة اوثق من صلتها بالشعر اي بمعني انها قصة وان نظمت في قصيدة.

اما القصة الآشورية فقد وجدت مدونة علي لوح عثر عليه في مدينة آشور يعود تاريخه الي منتصف القرن السابع قبل الميلاد، وهي عن امير آشوري يدعي كوما، ويرجح الاستاذ طه باقر ان كوما اسم مستعار لامير آشوري حقيقي، واذا صح هذا الترجيح فقد يكون هذا الامير آشور بانيبال قبل ان يصبح ملكا، او يكون ابنا من ابنائه، وهذا مجرد احتمال.

المهم ان هذا الامير استبدت به الرغبة في الوقوف علي احوال العالم الاسفل، عالم ما بعد الموت فصار يتضرع الي الآلهة كي تحقق رغبته. فتم له ما اراد عن طريق الحلم فرأي في العالم الاسفل ما رأي من آلهة جبارة وشياطين مرعبة الاشكال ومخلوقات عجيبة مخيفة يصفها كلها في قصته ويستمر حتي يري اخيرا ترغال ملك ذلك العالم، ويلقاه جالسا علي عرشه ومن حوله عدد من صغار الآلهة (الانوناكي) وكان هذا الملك يحمل بكل يد من يديه دبوسا هائلا ينبعث منه برق وهاج، وما ان يقترب منه كوما حتي يمسك به من ضفائر شعره ويجره اليه فيخر ساجدا له ويقبل قدميه. ومع ذلك هم ترغال بأن يهوي عليه باحد الدبوسين ولكن مستشاره آشوم تشفع له ورجا ترغال ان يبقيه حيا ليحدث الاحياء عن عظمته وقوة بطشه وامجاد مملكته. وبعد تهديد ووعيد يعفو ترغال عن كوما ويسمح له بالخروج من العالم الاسفل والعودة الي عالم الاحياء، ولكن بشرط ان يتعهد بألا ينساه في تعبده، وألا ينقطع عن تمجيده. وعندها يستيقظ كوما من نومه فزعا وينهض وهو يردد يا ويلي.. يا ويلي! ومنها ظل يمجد ترغال وزوجته أرشيكيغال بين رعايا آشور، ولا يكف عن الصلاة والدعاء والتضرع.

لقد كتبت هذه القصة بلغة أدبية عالية تقرب من أن تكون لغة شعرية. واستغل المؤلف في كتابتها مادة أسطورية معروفة ومدونة في أعمال أدبية مختلفة ليعبر عن هواجسه الخاصة. وقد يكون هذا المؤلف كاهناً، وليس أميراً، وقد يكون الوعظ غاية هذا الكاهن من كتابتها، ولكنها، في أية حال، من أفضل ما أنتجه الآشوريون من أدب، علي قلة ما أنتجوا. وهي تضيف دليلاً جديداً علي مدي ما كان يشغله عالم ما بعد الموت من حيز كبير في تفكير العراقيين القدامي، وعلي ما يثيره العالم من مخاوف في نفوسهم.

وبعد، إذا كانت هذه القصص الثلاث هي كل ما عثرنا عليه، فقد تكون هناك قصص أخري لم نعثر عليها، وهي، في جميع الأحوال، ليست كل ما أنتجه العراقيون القدامي من الأدب القصصي. وإذا كان الكثير من نصوص أدب العراق القديم قد ضاع واندثر، ومنها نصوص قصصية حتماً، فإن المتاحف العالمية، كما يقول هاري ساكز، ما زالت تغص بمئات الألوف من الألواح المسمارية التي لم تقرأ بعد، وهناك عدد أكبر لم يكتشف أصلاً، وإن أي نص من نصوص هذه الألواح يمكن أن يقدم لنا عن العراق القديم وأدبه شيئاً جديداً لم نعرفه من قبل.(5) ولكن متي، والعراق اليوم علي ما هو عليه؟!………………………………………………………………………………… هوامش:(1) يذكر بعض المصادر أن العدد المكتشف من القصص والحكايات المصرية يبلغ ما يقرب من مئتين، وأن أغلبها لم يترجم إلي العربية.(2) قبل ظهور الأختام الأسطوانية، كان العراقيون القدامي يستخدمون أختاماً منبسطة، وهذه ظهرت في الألف الخامس قبل الميلاد، في زمن ما يعرف بدور حلف، أي قبل ظهور السومريين بنحو ألف عام أو أكثر. وقد عاود العراقيون استخدام هذا النوع من الأختام إلي جانب الأختام الأسطوانية حتي توقف استخدام النوعين في القرن الرابع قبل الميلاد.(3) الفارق الوحيد بين القصص العراقية وقصص فينون أن أبطال هذه الأخيرة كانوا من البشر، ومنها القصة الآتية: وطد الخادم فيلو علاقته بامرأة لطيفة في بيت سيده الغائب في نويي سبور، ثم اختفي فجأة حاملاً كل شيء عداها.(4) ترجم الكتاب الدكتور عامر سليمان إبراهيم بعنوان عظمة بابل وصدرت هذه الترجمة عام 1979 عن جامعة الموصل.(5) راجع: هاري ساكز / قوة آشور / ت. د. عامر سليمان / المجمع العلمي ـ بغداد / 1999 ص 407.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية