الحكم على صحافيي الجزيرة يثير الوجدان العالمي

لعل أهم حدث شغل الرأي العالمي هذا الأسبوع هو الحكم الجائر الذي أصدرته محكمة مصرية على مجموعة من صحافيي قناة الجزيرة، وهو الحكم الذي أثار غضب العالم بأسره.
ويأتي هذا الحكم بعد سلسلة من الأحكام الجائرة التي خضع لها عدد من المصريين الذين تعرضوا للحكم بالإعدام دون محاكمات حقيقية، كما تعرض المئات معهم إلى الحكم بالسجن المؤبد. وكما يبدو فإن التهمة الحقيقية التي توجه إلى جميع هؤلاء هي أنهم يسيرون على غير هوى نظام الحكم، إذ ما الذي يوجب أن يخضع هؤلاء المواطنون إلى أحكام قاسية من هذا النوع، إذا لم تكن المعارضة هي الأساس الذي تبني عليه السلطات المصرية أحكامها؟ ولكن متى كانت المعارضة في أي نظام حكم سببا لإصدار أحكام بالإعدام على هذا النحو في وقت تقنن فيه معظم الدول عمل المعارضة من خلال أحزاب يحمل كل منها وجهات نظر مغايرة تتيح له أن يعرضها على الجمهور ليحكم عليها، لكن هذا الوضع غير مطبق الآن في مصر التي يسيطر عليها نظام عسكري لا يقبل وجهة النظر المغايرة. غير أننا لا نريد أن نسترسل في هذا الجانب وحده، بل نريد التركيز على قضية صحافيي الجزيرة أمام القضاء المصري.
وفي البداية لا بد لنا أن نؤكد أن عمل الصحافي يتركز فقط على الإعلام، وهو عمل لا يدور في الخفاء، إذ أن أعمال الصحافيين إما أنها تنشر في الصحف، وإما أنها تذاع من خلال محطات الإذاعة والتلفزيون، وهي بالتالي لا تخضع لمفهومات العمل السري. وفي جميع الأحوال لا يمكن أن يكون الصحافي متآمرا، ولكن أجهزة قمعية قد تتصور أن أي نقد يوجه لنظام الحكم من خلال تغطية صحافية ربما تكون له أهداف تآمرية، ولا شك أن التفكير بهذا الأسلوب يعكس الخلل في بنية نظام الحكم أكثر مما يعكس الجوانب الأمنية المثارة.
وكما هو معلوم، فقد قضت محكمة الجنايات المصرية بالسجن سبع سنوات على ثلاثة من صحافيي الجزيرة متهمة إياهم بأنهم ينشرون أكاذيب لصالح جماعة تصنفها من وجهة نظرها بأنها جماعة إرهابية. وحتى لو كان ما قالته المحكمة المصرية صحيحا، فإن الأمر لا يستدعي حكما، إذ كان يمكن الاكتفاء فقط بنشر الجوانب التي تدحض ما ذهب إليه الصحافيون وهي جوانب لم تحددها الحكومة المصرية بشكل واضح.
ولم يقتصر الحكم على هؤلاء الثلاثة وحدهم، بل صدرت أحكام غيابية ضد أحد عشر شحصا بينهم بريطاني وبريطانية وهولندية، كما صدرت أحكام بالسجن عشر سنوات ضد هؤلاء لإدانتهم بمساعدة منظمة إرهابية، والمقصود هنا جماعة الإخوان المسلمين من وجهة نظر نظام الحكم، والمثير للاستغراب هو كيف يتعاون أشخاص ينتمون إلى ديانات غير إسلامية مع الإخوان المسلمين من أجل تحقيق أهدافهم ؟
وقد تراوحت المواقف الدولية حول هذه الأحكام ، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» إنه اتصل بوزير الخارجية المصري «سامح شكري»، وأوضح له أن هذه الأحكام قاسية ووحشية ، لكن الولايات المتحدة لم تذهب أبعد من ذلك، فهي تعتبر مصر شريكا استراتيجيا في هذه المنطقة، وذهب» كيري « إلى القول بأن بلاده بحثت مع مصر تقديم مساعدات تتمثل في طائرات هيلوكوبتر من طراز «أباتشي « لاستخدامها ضد المتطرفين، وهكذا يبدو أن الموقف الأمريكي لم يركز كثيرا على القضية المثارة.
ومن جانبها استنكرت قناة الجزيرة هذا الحكم الجائر على صحافييها وقال مدير القناة الإنجليزية «أل آنستي» إن المخرج الوحيد من هذه القضية هو إلغاء الحكم، وذلك أمر ممكن من خلال محكمة النقض، ولكن محكمة النقض في مصر لا تعمل الآن وفق المعايير القضائية المعروفة، لأنها محكمة مسيسة.
ويمكن توقع مواقفها من خلال ما قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي أكد أن حكومته لن تتدخل في أحكام القضاء، بكون القضاء المصري من وجهة نظره مستقلا وشامخا، وقال الرئيس المصري إنه أبلغ وزير العدل بألا يكون هناك تدخل في شؤون القضاء، وذلك بالطبع حتى لا يخرج القضاء عن سلطة الحكومة بالانحياز إلى القضايا العادلة. وقال إن مصر تتفهم حكم قضائها حتى وإن لم يتفهمها الآخرون، واستنادا إلى ما قاله الرئيس السيسي أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانا رفضت فيه بقوة أي تعليق يصدر من جهات أجنبية يشكك في استقلالية القضاء المصري، وأكدت أن مثل هذا التدخل لا يثير فقط حفيظة الحكومة بل يثير حفيظة الشعب المصري بأسره. وفي إطار التطور الدولي لهذه القضية، قالت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة «نافي بيلاي» أن مصر تدخل مخاطرة تؤثر على سمعتها وسمعة قضائها، لأنه لو مر هذا الحكم فإن إجهاض العدالة سيكون هو السمة الأساسية لنظامها القضائي.
ومن جانبها وصفت منظمة العفو الدولية الحكم بأنه يوم اسود لحرية الإعلام. وقالت «سارة ليا ويتسون» من منظمة «هيومان رايتس ووتش» إن هذا الحكم هو إقرار من جانب القضاء المصري بأن الصحافة الاحترافية هي جريمة، وقد استدعت وزارة الخارجية الهولندية السفير المصري في هولندا، لتبلغه موقفها إزاء الحكم الذي اتخذه القضاء المصري ضد صحافيي الجزيرة. وعلى الرغم من موقف وزير الخارجية الأمريكي المهادن فقد أصدر البيت الأبيض بيانا شديد الوضوح قال فيه إن الحكم على الصحافيين في مصر هو لطمة للتقدم الديموقراطي في مصر.
ويلاحظ أن الحكم أثار غضبا شديدا في استراليا، لأن الحكم شمل صحافيا أستراليا يعمل في قناة الجزيرة الإنجليزية وهو «بيتر جريست»وقد استدعت وزارة الخارجية الأسترالية دبلوماسيا مصريا بسب غياب السفير المصري وأبلغته احتجاجها على الحكم على الصحافي الأسترالي.
وقال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، «بان غي مون»إن الأمين العام يشعر يقلق بسبب معاقبة الصحافيين وعقوبات الإعدام التي صدرت أخيرا في مصر».
ومن جانبها احتجت بريطانيا على الأحكام ضد هؤلاء الصحافيين، وقال وزير الخارجية «وليام هيج» إن الأحكام روعته، وانتقد هيج «العوار» غير المقبول الذي تميزت به اجراءات المحاكمة، وعدم اطلاع الدفاع على بعض الأدلة التي ساقها الإدعاء ضد المتهمين.
ويبدو واضحا أنه لم تكن هناك قضية حركت الوجدان الحديث في مختلف أنحاء العالم مثل قضية صحافيي قناة الجزيرة، ذلك أن قضية تأسست على اتهامات غير عادلة وصدرت فيها أحكام تدمر الأسس الديموقراطية التي يقوم عليها نظام العدالة، وكما قال أحد المعلقين فإن هذه الأحكام ستسقط وسيندم الذين وقفوا لدعمها.

٭ كاتب من السودان

د. يوسف نور عوض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية