الحكم علي صدام تعبير عن المأزق الامريكي في العراق
امير سعيدالحكم علي صدام تعبير عن المأزق الامريكي في العراق طلب المندوب السامي الامريكي خليل زاده قبل ايام من الحكومة العراقية تحديد موعد لانهاء نشاطات المقاومة، وايقاف نزيف الدم الامريكي في العراق، لكنه ـ للامانة ـ لم يقرنها بموعد انتخابات الرئاسية الامريكية بعد عامين! علي اية حال، فقد تم للادارة الامريكية الجمهورية مراد ثمين ـ في ظنها ـ بالحكم علي الرئيس العراقي صدام حسين بالاعدام شنقاً قبل يومين اثنين من توجه الناخبين الامريكيين لمراكز الاقتراع للتجديد النصفي للكونغرس، وهو ما يتوقع ان يكون له بعض الاثر فيما يخص تلك الانتخابات. ومسألة الربط بين الحكم علي الرئيس العراقي والانتخابات الامريكية هي تهمة ينأي عنها البيت الابيض والنظام العراقي، مع ان كلاهما لا يكاد يجد مبرراً لهذا التزامن المريب، وقد كان طبيعياً الا تحشر المحكمة الاستثنائية نفسها في زاوية التناغم مع رغبة حزب امريكي في التشبث بالورقة الصدامية في المعركة الانتخابية النيابية، لكنها فضلت ان تقف في مكان يلقي عليها اعباء ينوء بحملها القضاء النزيه، كما ان الحكومة العراقية لم تستطع تسويق تشديد قبضتها الامنية سوي علي انه جاء للحد من فرحة العراقيين بالحكم (الذي من المفروض انها لم تكن تعرفه!)، بيد اننا لا نكاد نفهم من هذا كله، لماذا تستكثر الحكومة العراقية مظاهر الفرح في يوم عيد لهم، بوسعه ان يخرجهم من ديمومة الاحزان التي لم تعطهم هدنة في يوم من الايام، ان كان هذا حقيقة ما يعتقده النظام العراقي؟! الآن من حق العراقيين ان يفرحوا وينزلوا الي الشوارع منتشين بالحكم الامريكي العادل ممتنين لرجاله الذين اصدروه، فلماذا في هذه اللحظة التاريخية تقتل الحكومة العراقية فرحتهم؟!! ولماذا تضرب في مدنهم وقراهم حظر التجوال ان كان هذا هو ما يبهج بلاد الرافدين؟! وهل تراهم اهالي المحافظات الوسطية هم أكثر تطرفاً في فرحهم من الجنوبيين او الشماليين، واقل منهم تحضراً حتي يحرموا من مشاركة اخوانهم فرحتهم بذهاب اللون الاحمر من خريطة العراق مع الحكم باعدام صدام؟! انها في الحقيقة احجية لا تحلها الا كلمات اقل دبلوماسية من تلك، تتعلق برغبة الحكومة العراقية اليمينية التي تحالف نظيرتها الامريكية اليمينية ايضاً في عدم تكدير اجواء الانتخابات الامريكية بأي عمليات مقاومة فوق العادة في المثلث السني فاختارته لتشديد قبضتها عليه في وقت لا يريد فيها المحافظون الجدد الامريكيون التسليم بهزيمتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية والاخلاقية والقانونية في العراق. ولكي نقترب اكثر من الحقيقة، لنذهب الي اليومين الاخيرين من الانتخابات الاسبانية الرئاسية الاخيرة التي اطاحت بحليف الولايات المتحدة الامريكية اثنار واحلت ثاباتيرو بدلاً منه بعد ان قلبت عملية قطارات مدريد الطاولة في وجه اليمينيين الاسبان، وبدا ان اللهاث الاسباني خلف العام سام لم يجلب للبلاد الا الدخول في حزام الارهاب من دون ان يمنح الاسبان ايا من مزايا هذه الشراكة، او لنعد بالذاكرة الي الانتخابات الرئاسية الامريكية السابقة التي اطل قبل ساعات من اجرائها زعيم القاعدة فدخل من باب واسع في مساجلة ترجيحية اخيرة بين المرشحين الرئاسيين بوش وكيري، واذا كانت الذاكرة عيية فلا اقرب من اجابة الرئيس الامريكي علي سؤال في مؤتمر صحافي الاسبوع قبل الماضي في واشنطن حول ما اذا كان العراق يعد المحور الاهم في المعركة الانتخابية، والتي انحرف الرئيس معها بالاجابة الي تحقيق الأمن بصفة عامة لا العراق (كنقطة ضعف كبيرة لادارته)، لكنه لما عجز عن وقف الانتقادات الديمقراطية في الايام الاخيرة ارتأي العودة الي العراق ولكن من بوابة قفص صدام حسين. هذا القفص الــــذي بدا انه ورقــــة قدر الرئيس الامريكي اهميتها وسعي الي توظيفها كورقة جوكر تلقي في اللحظة الاخيرة. وان جاز لنا ان نحترم عقل الشعب الامريكي؛ فاننا سنضعه الآن بين خيارين، احدهما هو ان حكماً كهذا صدر مؤقتاً ومبرمجاً علي النحو الذي رأيناه، من شأنه ان يضعف ثقة الناخب الامريكي في رئيسه لا ان يقويها، فالحكم قد صدر مرتجلاً من جهة، يفتقد الي ابسط معايير العدالة، كما انه قد خرج في توقيت مريب يهدف الي التاثير علي نتائج الانتخابات بما لا يمكن تفسيره سوي انه يستخف بعقل الشعب الامريكي وقدرته علي التمييز. اما الخيار الآخر، فهو يخص التركيبة النفسية للشعب الامريكي، وهو ان عدم التفاته لكل الحيثيات السابقة واهتمامه فقط بالحكم لا بمبرراته وتحقيق مبدأ المحاكمة العادلة، ومن ثم اعتـــباره هذا انجازاً يستاهل ان يطوق راس نظامه الامريكي بالورود، ليس له الا معني التعصب الاعمي المفعم بثقافة الكاوبوي وادارة المسدس حول زناد المسدس واصبع القتل، دونما اكتراث بالمآل القيمي لـ الحضارة الغربيــــة، ومن ثـــــم فهو من ثم حكم بالاعدام علي قيادة الولايات المتحدة للعالم.. وهذا كله اذا ما نحن احترمنا هذا الوجدان الامريكي، واعتبرنا الامريكيين شعباً قد نال اخيراً حريته من ربقة الميديا الامريكية، وامتعض من طرد وزير الدفاع الامريكي الاسبق ومحامي صدام من المحاكمة علي نحو يجرح الشعور الوطني الامريكي..الحاصل ان النطق بالحكم الآن لم يكن بريئاً من ملابسات انتخابية امريكية، وهو جاء في الحقيقة ليعبر عن المأزق الامريكي في العراق لا ليهيل التراب عليه، فثمة اكثر من دافع للاعتقاد بحرج الادارة الامريكـــية وهي تواجه ناخباً امريكياً معنياً بفاتورة الحرب الامريكية علي العراق علي الاقل من الناحية الاقتصادية، وبشري الرئيس الامريكي لشعبه بالحكم علي الصدام او التخلص منه ستدحضها احصاءات تقدر عدد القتلي في العراق بنحو 665 الفاً من العراقيين ونحو 15 الفاً من الامريكيين قضوا من اجل تحقيق هدف قتل صدام دون محاكمة او بمحاكمة شكلية، فيما تراجعت كل مكتسبات ومبررات الحرب الاخري او تلاشت، في حين كان يمكن للاستخبارات الامريكية ان تحقق مثل هذا الهدف دون هذه الكلفة الباهظة. كما وان الاحتفاء بالحكم علي الرئيس العراقي بالاعدام علي نحو يري المراقبون الامريكيون انه مؤثر علي الانتخابات الامريكية يعطي للرجل زخماً اضافياً يبقيه رقماً صعباً في المعادلة العراقية المتذبذبة، وبالعكس ينتقص من انجاز الامريكيين المذعورين من ردة الفعل الشعبية، وان ظلت حبيسة مناطق معينة شاسعة لم تمسها حظوظ الديمقراطية الامريكية في العراق!! وعطفاً علي ذلك، يكمن حرج الامريكيين من ثبات الرئيس العراقي صدام حسين سواء عند الاستماع للحكم الصادر بحقه او اثناء المحاكمة في ان من شــــأن ذلك ان يزيـــــد من صعوبــــة التعامل معه مستقبلاً، فــــقد حشر الامريكيين في زاوية شديدة الضيق، لا في الداخــــل الامريكي بشكل مباشر، وانمـــــا في الخـــارج العراقي او في المحـــيط الاوسع العربي، الذي قد يــــنظر اليه حال اعدامه كـ شهيد ، وفي حال الانتظار كمناضل قوي الشكيمة والمراس. واذا ما نظرنا الي حال العديد من الشخصيات ذات التأثير خارج السجون في العالم، عادة ما نجد سجانيها متريثين في تنفيذ حكم الاعدام ضدها ان كان صادراً بحقها، لعدم خسرانها ورقة قد تحتاج اليها تفاوضياً مع مناصري تلك الشخصيات، ولذا نجد كثيرين محكومين بالاعدام في العالم من دون ان يتم تنفيذ الحكم لسنوات كمثل الزعيم الكردي التركي عبد الله اوجلان، وليس صدام حسين ببدعٍ من هؤلاء، لكنه وهو يشاركهم المصير ربما يخالفهم في الميديا التي صاحبت آخر لحظات ظهوره امام العالم، فالزعيم الكردي الشهير علي سبيل المثال لم تخطئ النظرات دموعه وتوسلاته لخاطفيه ومحاكميه بالافراج عنه بعد الحكم عليه بالاعدام، وخلع معظم قناعاته الثورية علي ابواب السجن وانقض علي فكرة الثورة المسلحة في اول ايام سجنه، ودفع حزبه لتقديم التنازلات من اجل الافراج عنه، حتي اعلن حزبه (حزب العمال الكردستاني) وقف اطلاق النار من جانب واحد مع الحكومة التركية، ومع ذلك يظل الشعب الكردستاني حتي هذه اللحظة يذكر نضاله معه ـ مهما اتفقنا مع هذا النضال او اختلفنا ـ وهو الآن يجمع له 3 ملايين توقيع من اجل الافراج عنه، اما صدام حسين فهو رغم تشابه المصير، لم يقدم ايا من تلك التنازلات ولم يعط لجلاديه فرصة احراجه امام انصاره، ووقف يستقبل حكم الاعدام علي نحو يغيظ البيت الابيض والحزب الجمهوري والنظام العراقي والمحكمة ذاتها، فيما فريق من المقاومة العراقية يصعد هجماته املاً في توجيه صفعة شافية للبيت الابيض في يوم احتفاله، فأي غد ينتظر المحاكمين؟! ہ كاتب من العراق8