مدريد – بروكسل – سان فرنسيسكو – وكالات الانباء : لقطات تظهر شرطة مكافحة الشغب الأسبانية وهي تقوم بسحب رجل مسن على الأرض وتشده من سترته، بينما يحاول رجال الشرطة تقييده صارخين في وجهه بعدم مقاومة الشرطة، ويرد الرجل ‘أنا لا أقاوم وإنما ذلك يؤلم كالجحيم’. مثل هذه المقاطع المصورة على الإنترنت انتشرت مع تزايد الاحتجاجات ضد الحكومة المتعثرة بشكل متزايد والتي تكافح من أجل التعامل مع أزمة اقتصادية متفاقمة. ويتجمع الآلاف من المتظاهرين في وسط مدريد مرة تلو الأخرى للتنفيس عن غضبهم من الحكومة التي تخفض الإنفاق الاجتماعي بينما تضخ مليارات اليورو لإنقاذ البنوك المتعثرة في البلاد. وتقول فانيسا فيرنانديز، وهي ممرضة شاركت في إحدى المسيرات، إن ‘السياسي الجيد يجب أن ينزل إلى الشارع ليعرف ما يحدث بدلا من إشعال سيجار بينما بلاده تغرق’. وكانت في ذلك تشير إلى رئيس الوزراء ماريانو راخوي الذي تم تصويره مؤخرا وهو يدخن سيكارا في نيوروك بينما المتظاهرون يشتبكون مع الشرطة في مدريد. وقال أستاذ العلوم السياسية بير فيلانوفا لصحيفة (إلباييس) قبل أيام إن ‘فجوة عميقة جدا ظهرت بين المواطنين وما يطلق عليه الطبقة السياسية’ ، مشيرا إلى أن هناك شعورا متناميا ‘بأننا ضدهم’ في البلاد. وقدمت الحكومة مؤخرا موازنة عام 2013 وهي لا تزال تحتوي على المزيد من استقطاعات الإنفاق في قطاعات الصحة والتعليم وإعانات البطالة. وبلغ معدل البطالة في البلاد 25′ مصحوبا باستقطاعات في النفقات الاجتماعية ما أدى إلى زيادة سريعة في تدهور الأحوال المعيشية، مع ارتفاع عدد من المواطنين على مساعدات من جمعية كاريتاس الكاثوليكية الخيرية من نحو 370 ألف شخص في عام 2007 إلى أكثر من مليون شخص العام الماضي. وظهر نوع جديد من التسول في شوارع مدريد إذ يلحظ المارة وجود رجل يرتدي بزة وربطة عنق وحقيبة أوراق أمامه ويعرض لافتة مكتوب عليها ‘ضحية أزمة. تضامن معي من فضلك’. غير أن الحكومة ليس لديها القدرة على التراجع عن خفض النفقات الاجتماعية طالما أنها تتبع إرشادات الاتحاد الأوروبي الذي يريد من أسبانيا خفض عجز ميزانيتها من 9.4′ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011 إلى 6.3′ هذا العام. ويبدو أن الهدف يتعذر بالفعل تحقيقه مع اعتراف الحكومة الآن بأنها تتوقع بلوغ العجز 7.4′ العام الجاري. ومن المتوقع أن يرتفع الدين العام جراء تكلفة إنقاذ البنوك ومن بينها مساعدة مالية تم تقديمها بالفعل وأخرى يتم الإعداد لها من جانب منطقة اليورو لترتفع نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي من 69′ العام الماضي إلى 90.5′ في العام القادم. ويفترض نظريا أن تسدد البنوك رأس المال الذي تحصل عليه، لكن من الواضح أن الكثير منها لن يكون قادرا على ذلك ما أجج غضب المواطنين الذين يرون أن البنوك تلتهم أموال دافعي الضرائب. في حين أن التوفير الذي تم تحقيقه من خفض الميزانية العام القادم ستلتهمه فوائد الدين التي ستصل قيمتها إلى 38 مليار يورو وفقا لبعض التقديرات. كما تعززت الآن حالة انعدام الثقة المستمرة لدى المستثمرين منذ مدة طويلة في الاقتصاد الإسباني جراء تنامي الحركة الانفصالية في إقليم كاتالونيا الواقع في شمال شرق البلاد. ومن المتوقع أن تفوز الأحزاب التي تؤيد الانفصال بالأغلبية في الانتخابات الإقليمية المقررة يوم 25 تشرين ثاني/نوفمبر’وهي نتيجة يمكن أن تزيد عدم الاستقرار السياسي وقت الأزمة. كما أن عجز الميزانية المرتفع بشكل مستمر قد يتسبب في إجراءات تقشف أكثر إذا ما طلبت البلاد مساعدة من البنك المركزي الأوروبي للإبقاء على تكاليف اقتراضها تحت السيطرة أو التقدم بطلب للحصول على حزمة إنقاذ كاملة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. وقال وزير المالية كريستوبال مونتورو إن العجز لن يؤدي إلى فرض الاتحاد الأوروبي شروطا جديدة،لكن القليل فقط هم من يتفقون معه في ذلك. من ناحية أخرى تسببت الإضرابات الأخيرة في شل حركة الحافلات العامة في برشلونة وشبكة أنفاق مدريد في الوقت الذي يهدد فيه اتحاد نقابات ‘سي سي أو أو’ العمالية بتنظيم إضراب عام. وقال أحد ضحايا الأزمة وهو مقاول لم يعد يستطيع دفع إيجاره إنه ‘سيكون هناك المزيد من الإضرابات والاشتباكات إلى أن تنهار الدولة’. من ناحية أخرى قدرت شركة استشارية العجز الرأسمالي لدى البنوك الأسبانية بأنه يبلغ حوالي 54 مليار يورو (69 مليار دولار). ورغم ذلك تقول الحكومة إنها لا تتوقع أن تكون في حاجة لأكثر من 40 مليار يورو من منطقة اليورو التي تتعهد بضخ ما يصل إلى 100 مليار يورو في شكل قروض للقطاع المصرفي الأسباني. وقال وزير الاقتصاد لويس دي غويندوز إن بلاده قد تطلب 40 مليار يورو (52 مليار دولار) فقط من شركائها في منطقة اليورو للمساهمة في خطة إعادة رسملة البنوك الأسبانية المتعثرة ماليا في حين أن دول اليورو قد تعهدت بتقديم حتى 100 مليار يورو لمساعدة قطاعها المصرفي. ياتي ذلك فيما أعلن بنك أسبانيا المركزي الجمعة الماضي أن خطة إعادة هيكلة البنوك الأسبانية المتعثرة ماليا تحتاج إلى 53.7 مليار يورو (69.4 مليار دولار) وفقا لتقديرات مؤسسة أوليفر ويمان للاستشارات التي قدمتها للبنك المركزي. وفي حالة حساب تكاليف صفقات الاندماج القائمة والحاجة إلى ضخ أموال إضافية فإن الحاجة الفعلية تصل إلى59.3 مليار يورو. من ناحيته قال المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية والنقدية أولي رين إن مساعدات منطقة اليورو للقطاع المصرفي الأسباني ستعامل كنفقات غير متكررة، وهو ما يعني أنها لن تؤثر على العجز الهيكلي للميزانية الأسبانية رغم أن هذه القضية مازالت تحتاج إلى توضيح من وكالة الإحصاء الأوروبية المعنية ببيانات الناتج المحلي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأضاف رين أن البنوك الأسبانية ستقدم خطط إعادة هيكلتها إلى المفوضية الأوروبية خلال الشهور المقبلة حتى تتمكن من الحصول على القروض المطلوبة لاتمام عملية إعادة الرسملة. ولم يعلق رين على مشروع موازنة العام المقبل لأسبانيا والذي تم الكشف عنه الأسبوع الماضي. من جهتها قالت وكالة موديز العالمية للتصنيف الائتماني إن البنوك الأسبانية تواجه عجزا في رأس المال يمكن أن يصل إلى 105 مليارات يورو (135 مليار دولار) أي تقريبا ضعف التقدير الذي قدمته الحكومة الأسبوع الماضي. وكتب محللو موديز في تقرير صدر الليلة قبل الماضية أن مؤسسات الإقراض الأسبانية ربما تكون في حاجة لتدفقات مالية بقيمة تتراوح من 70 إلى 105 مليارات يورو لاستيعاب الخسائر والاستمرار في الإبقاء على نسب رأسمال أعلى من العتبة المحددة في تشريع صدر العام الماضي. يأتي هذا بالمقارنة مع عجز قدره 53.7 مليار يورو تم الحديث عنه الأسبوع الماضي بعد أن كلف مسؤولون بإجراء اختبارات تحمل استهدفت تبديد الشكوك بشأن قدرة الصناعة المالية على الصمود أمام الخسائر. وقال المحللان ماريا جوزيه موري وألبرتو بوستيجو في التقرير إن ‘مبالغ إعادة الرسملة التي أعلنتها أسبانيا تقل عما قدرنا بأنه ضروري للبنوك الأسبانية للاحتفاظ بالاستقرار في سيناريوهاتنا الوخمية والمعاكسة بشكل كبير’. وأضافا أنه ‘إذا تشكك المشاركون في السوق بشأن اختبار التحمل،فقد تضر المعنويات السلبية جهود الحكومة في الاستعادة الكاملة للثقة في الملاءة المالية للبنوك الأسبانية’. كانت أسبانيا أعلنت نتائج الاختبار الذي أجرته شركة أوليفر ويمان للاستشارات الإدارية بعد أن تم تكليفها بمراجعة 14 بنكا في إطار شروط للفوز ببرنامج إنقاذ أوروبي تصل قيمته إلى 100 مليار يورو لبنوكها المتعثرة. وتعاني البنوك من خسائر بأكثر من 180 مليار يورو تتعلق بقروض عقارية رديئة. وكانت الحكومة أمرت البنوك في شباط/فبراير وأيار/مايو بالإقرار بوجود خسائر في الأصول العقارية بقيمة 84 مليار يورو. غير أنه برغم المخاوف التي عبرت عنها موديز بأن الحكومة تقلل من احتياجات البنوك الرأسمالية،فلا تزال عملية إعادة الرسملة ‘إيجابية بشكل فعلي’ لكل البنوك الأسبانية إذ أنها ستشمل المزيد من رأس المال والمزيد من البنوك عن الجهود السابقة.