الحكومة الاردنية عالقة بين مخاوف العشائر والتيار المحافظ من الوطن البديل وتطمين الوسط الفلسطيني بشأن الاصلاح

حجم الخط
0

بسام البدارين:

عمان ـ ‘القدس العربي’ اربعة اسئلة على الاقل من اصل ستة طرحها قرويون اردنيون على هامش استضافة محافظة جرش لنخبة من اهم رجال الحكم والدولة الاردنية، يمكن تصنيفها تحت عنوان واحد هو هاجس الوطن البديل، فيما افترض البعض بأن تساؤلات المكان تتعلق فقط بالتنمية والخدمات. ورغم اجتهاد بعض الساسة الكبار من طراز زيد الرفاعي وطاهر المصري ومعروف البخيت بالاجابة قبل فترة وجيزة بقي السؤال المركزي الخامس عالقا: ما الذي يخيف ابناء العشائر والاوساط الاردنية التقليدية والوطنية وحتى البسطاء من سيناريو الوطن البديل؟… هل هو انسداد افاق عملية السلام، كما يلاحظ وزير الخارجية ناصر جودة، ام الاحساس بالضعف وقلة الحيلة، كما لاحظ سلفه صلاح البشير، وهو يجتهد عندما كان وزيرا في طمأنة الجميع على متانة وصلابة الدولة الاردنية في مواجهة اي مؤامرات ومشاريع؟

السؤال الاكثر حساسية واحراجا: لماذا تزرع المؤسسات الرسمية يوميا ثقافة الثقة بالنفس والقدرة على التصدي لاتجاهات حل القضية الفلسطينية على حساب الاردن والاردنيين ولا تحصد الا المزيد من المخاوف، ليس فقط في اوساط الشارع، ولكن ايضا في اوساط النخب بما فيها الرسمية؟

هذه المعضلة الجدلية اصبحت معادلة مطروحة في كل ثنايا المشهد السياسي والاقتصادي الاردني الداخلي، فتأكيدات الحكومة ومن بعدها مؤسسات الدولة ليست منتجة حتى الآن عندما يتعلق الامر بجدل الوحدة الوطنية والجنسيات وهواجس الوطن البديل، ومسؤول رفيع جدا في عمان يعترف لـ’القدس العربي’ بأن دائرة الخيارات الاستراتيجية للدولة عالقة تماما في هذا الجدل، فيما تفشل محاولات الاحتواء او لا تنجح بكفاءة في احسن الاحوال.

ومثل هذا الاعتراف الضمني بالواقع اودع بالصندوق الاسود المعني بتوثيق وتسجيل وتدوين الرحلة الاردنية وسط التعقيدات الاقليمية المفتوحة على كل الاحتمالات، خصوصا بعدما كشفت تسريبات ويكيليكس الشهيرة عن الهاجس الاردني الاساسي على شكل نداء يوجه للامريكيين في الغرف المغلقة بعنوان ‘افعلوا ما شئتم في المنطقة لكن المهم لا تنسونا وحاولوا ان تأخذوا بالاعتبار وضعنا الصعب’. على جبهة موازية يقرأ المراقب للساحة المحلية ملاحظة مهمة للغاية فأحداث الشغب بعد مباراة الوحدات والفيصلي انتهت بتشغيل ما سماه احدهم بـ ‘الحبل السري’ الرابط بين شبكة مثيرة من النشطاء والاعلاميين وحتى السياسيين من اصل فلسطيني داخل الاردن وخارجه.

هؤلاء وبعضهم صناع قرار او حلفاء كلاسيكون لاجهزة الدولة الاردنية، اعاد انتاج مشهد العنف الدركي بعد المباراة المشار اليها على شكل تفعيل لحلقات التذكير والضغط على النظام الاداري والبيروقراطي تحت عناوين مجمل هموم الملف الفلسطيني في الاردن ابتداء من فك الارتباط وسحب الجنسيات، وانتهاء بقانون الانتخاب والتمثيل العادل، ومرورا بتساؤلات البلد الاصلي ومحاصصة الوظائف.

وحلقة النشطاء هؤلاء حولت اولا حادثة شغب عادية في الملاعب الى ‘خبر دولي’ ثم اندفعت في محاولة محمومة للضغط على السلطات لاعادة الاعتبار لمفاهيم المواطنة وحقوق الانسان والعدالة والانصاف، وكلها مفاهيم لا تلتقطها في الواقع مجسات قوى الثقل الوطنية في المؤسسة الاردنية الا على اساس انها اقتراحات لمحاصصة شاملة على مستوى الاصول والمنابت تقاومها البنية البيروقراطية والعشائرية بشدة حتى الآن. كل ذلك لا يعني بالنتيجة الا حقيقة واحدة.. مطبخ القرار عالق بين مطرقة هواجس الوطن البديل التي تمثل القوى التقليدية في كل مستويات الادارة والنخب وبين سنديان قوى الجذب فلسطينية الاصل في المجتمع التي تضغط بدورها لانجاز التغيير المأمول لاستقرار البلاد ودورها ومستقبلها بصرف النظر عن كلفة ذلك على مخرجات القضية الفلسطينية.

الجناح الاول مستحكم جدا في مختلف مسننات المؤسسة الرسمية ويتصرف بانفعال احيانا حفاظا على الذات والمشروع وهوية المملكة، اما الثاني فخارج هذه المسننات، لكن حبله السري ـ بسبب سياسات الاقصاء في الماضي – مشتبك الآن بسلسلة من المفاهيم والمؤسسات الانسانية والمدنية في الداخل والخارج ويحظى بالتعاطف الاعلامي الكوني ومساندته بالنسبة للجناح الاول لا تعني الا التوافق مع المشروع الصهيوني.

المؤسسة الرسمية بوضوح عالقة في مسافة الامان بين الجناحين واستراتيجيتها الملموسة حتى الآن تقف عند حدود ‘تدليك’ عواطف الجناح الاول مرة، ثم اجراء عملية مساج للجناح الثاني، غالبا مع بقاء قواعد اللعبة ووقائعها كما كانت دوما في الماضي، في الوقت الذي تطورت او تغيرت فيه الكثير من المستجدات مع ان بعض النخب ومن الطرفين تشذ احيانا في التحليل وهي تتحدث عن عمليات تدليك سياسي مقصودة لابقاء قواعد الحساسية والاشتباك وهو قول لا يوجد عليه بعد اي ادلة موثوقة.

وبسبب هذا المأزق الذي تجد الحكومات الاردنية نفسها فيه استراتيجيا تحصل ظواهر لا تفسير لها من طراز تلاعب غير مبرر في انتخابات عامة او تعيينات لا احد يفهمها او كمية هائلة من الرجال غير المناسبين في المكان المناسب او مماطلة وتسويف في الاصلاح السياسي او من طراز استرسال الجناحين في ترويج الشعور بعدم وجود مطبخ حقيقي، وكذلك من طراز الخفض القصدي لمستوى التمثيل الفلسطيني في الحياة العامة، اضافة لسحب الجنسيات احيانا ثم ردها لاحقا او التوسع بالتجنيس.

السؤال اذا في الاستخلاص النهائي هو: الى متى يمكن ان تبقى سياسات التدليك والمساج هي الحل الامثل والواقعي والاخطر الوحيد؟ وكم هي الكلفة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية