إسطنبول- “القدس العربي”: بعد مرور عام كامل تقريباً على انتشار فيروس كورونا، تجد الحكومة التركية نفسها مجدداً أمام خيارات صعبة جداً تتمثل بالدرجة الأولى بين مواصلة سياسة القيود والإغلاق للحد من انتشار الفيروس وإنقاذ القطاع الصحي، وبين إنهاء الإغلاق وإعادة فتح المقاهي والمطاعم لإنقاذ اقتصاد البلاد الذي تمر بعض قطاعاته بواحدة من أسوأ أزماته على الإطلاق منذ عقود.
وبشكل تدريجي، تطورت الخشية من الآثار الاقتصادية لسياسات الإغلاق على البلاد بشكل عام من حكومة وأفراد، إلى الخشية من تحول حالة الغضب غير المسبوقة لدى قطاعات اقتصادية واسعة من تواصل سياسات الإغلاق وعدم قدرة الحكومة على تقديم الدعم الكافي لهذه القطاعات، إلى احتجاجات شعبية بدوافع اقتصادية ربما تتحول إلى احتجاجات سياسية لا يمكن التكهن بنتائجها على الإطلاق.
خشية من تحول الضغط الاقتصادي لاحتجاجات سياسية
وتجتمع الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان، الإثنين، لبحث العديد من الملفات وعلى رأسها ملف إجراءات كورونا وبحث مدى إمكانية تخفيف سياسات حظر التجول الجزئي والإغلاق المفروض على قطاعات واسعة في البلاد منذ أسابيع طويلة وذلك بالتماشي مع توصيات اللجنة العلمية العليا المسؤولة عن تحديد سياسات التعامل مع انتشار فيروس كورونا في البلاد.
وما زالت الحكومة تجد نفسها أمام خيارات صعبة ومعقدة وسط تضارب كبير ما بين الحسابات الصحية والعلمية من جهة، والحسابات الاقتصادية والسياسية من جهة أخرى، وهو ما يجعل من اتخاذ أي قرار سواء بتمديد سياسات الإغلاق أو إنهائها عبارة عن مغامرة سياسية ستتحمل الحكومة مسؤوليتها بشكل كامل.
فمن جانب، فإن سياسات حظر التجول الجزئي والإغلاق الذي طال المطاعم والمقاهي بالدرجة الأولى ساهمت في السيطرة على انتشار فيروس كورونا في البلاد بشكل كبير، وبعدما وصلت عدد الحالات اليومية المؤكدة قرابة 35 ألفا، نجحت الإجراءات المطبقة منذ أسابيع في خفض العدد إلى قرابة 6 آلاف حالة يومياً، وهو ما ساهم في منح القطاع الصحي متنفساً كبيراً بعدما كاد أن يصل إلى حافة الانهيار مع الازدياد الهائل في عدد الحالات وقرب امتلاء أسرة العناية المركزة بشكل كامل في عموم البلاد.
وتجمع كافة التقديرات العلمية على أن تخفيف القيود وإعادة فتح المطاعم والمقاهي سيؤدي بلا شك إلى عودة الارتفاع الكبير في عدد الإصابات اليومية، وبالتالي ازدياد الحالات التي تحتاج إلى رعاية صحية مباشرة في غرف العناية المكثفة والأسرة المزودة بأجهزة التنفس الاصطناعي. كما أن المخاطر ما زالت كبيرة في ظل الانخفاض الكبير جداً في درجات الحرارة هذه الأسابيع بتركيا وظهور سلالات جديدة من الفيروس حول العالم تشير معظم التكهنات إلى أنها أشد ضراراً على الصحة وأسرع انتشاراً.
أما من الجانب الآخر، فإن سياسات الإغلاق والتقييد التي طالت مع امتداد أمد انتشار الفيروس حول العالم، أنهكت أصحاب المشاريع التجارية المختلفة في تركيا وصولاً لفقدان معظم أصحاب هذه المشاريع على الصمود أكثر من ذلك في وجه الأزمة التي لا يبدو لها أي نهاية في الأفق القريب، وهو ما ولد حراكاً متصاعداً لا سيما من قبل أصحاب المطاعم والمقاهي التي تعتبر حالياً أكثر المشاريع تضرراً على الإطلاق.
وبعد أن كان الحديث يدور حول مدى قدرة أصحاب هذه المشاريع على الصمود وحماية مشاريعهم لحين انتهاء الأزمة، بات الحديث الآن عن مدى قدرتهم على الصمود لتسيير أمور حياتهم في ظل تأكيد النقابات الراعية لهم أن معظمهم فقد القدرة على تدبير أموره الحياتية، كما أن كثيرين منهم فقدوا القدرة على الاستدانة من البنوك بعدما انهارت مشاريعهم وباتت المقاهي والمطاعم تغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
ومع تصاعد الغضب والاحتقان عند شرائح واسعة من المواطنين الذي يعانون من آثار كارثية للأزمة الاقتصادية، تصاعدت المطالبات للحكومة بالتراجع عن سياسات الإغلاق أو تقديم دعم حقيقي وكاف لهم لتعويضهم عن إغلاق مشاريعهم، وهي خيارات تبدو صعبة ومعقدة أيضاً أمام الحكومة غير القادرة على تقديم دعم أوسع لهذه القطاعات وتخشى أن يؤدي تخفيف قيود الإغلاق إلى انتكاسة كبيرة في القطاع الصحي.
ولبحث كافة الخيارات السابقة المعقدة، تجتمع الحكومة برئاسة أردوغان، الإثنين، لاتخاذ قرار واضعة نصب أعينها التكهنات بإمكانية تحول حالة الغضب الحالية إلى احتجاجات على الأوضاع المعيشية قد تتطور إلى احتجاجات سياسية تستغلها أحزاب المعارضة ضد الحكومة، وهو سيناريو لا ترغب الحكومة في الوصول إليه، وبالتالي يتوقع أن تلجأ خلال أسبوع أو أسبوعين على أبعد تقدير إلى البدء بتخفيف قيود الإغلاق ولو بشكل جزئي وزيادة الدعم المقدم للشرائح الأكثر تضرراً لضمان عدم خروج الأوضاع عن السيطرة.