إسطنبول- “القدس العربي”:
في الوقت الذي سخّرت فيه الحكومة التركية كافة إمكانياتها من أجل البدء بإعادة إعمار المباني المدمرة في المحافظات الجنوبية العشرة المنكوبة بالزلزال، تجد نفسها أمام استحقاق خطير لا يقل أهمية يتمثل في البدء بخطوات عاجلة لمعاجلة معضلة مئات آلاف المنازل القديمة المهددة بالانهيار في حال وقوع “زلزال إسطنبول” وذلك لتجنب وقوع كارثة مماثلة لما حدث في زلزال الجنوب، وحماية حياة مئات آلاف المواطنين في إسطنبول ومحيطها.
وعقب وقوع زلزال كهرمان مرعش الذي بلغت قوته 7.8 درجات، وأعقبه آخر بقوة 7.6 درجات، وآلاف الهزات الارتدادية في المنطقة، ووقوع زلازل أخرى في تركيا والمنطقة بشكل عام، تزايدت المخاوف من وقوع زلزال كبير في إسطنبول يحذر الخبراء منذ سنوات طويلة من إمكانية وقوعه في أي وقت، وبقوة لا تقل عن 7.4 درجات على مقياس ريختر.
وبناء على هذه التحذيرات، يقول خبراء وتشير دراسات رسمية منها ما هو صادر عن وزارة الإسكان وما صدر مؤخراً عن رئاسة بلدية إسطنبول، إن هناك مئات آلاف الوحدات السكنية القديمة والمترهلة والمعرضة للسقوط الكامل في حال وقوع زلزال في إسطنبول بقوة 7.4 درجات، وهو ما سيؤدي إلى مقتل وإصابة عشرات وربما مئات آلاف السكان.
هذه التقديرات والتحذيرات أثارت حالة من الخوف والقلق لدى سكان المدينة الذين باشروا بطلب فحص مبانيهم من حيث مدى قدرتها على مقاومة الزلازل، حيث أدت مشاعر القلق والخوف هذه إلى الضغط على الجهات الرسمية سواء بلدية إسطنبول أو الحكومة من أجل التحرك العاجل لفحص مدى مقاومة المنازل، وتقديم حلول سريعة لإعادة بناء المنازل القديمة والمترهلة.
الحكومة بدورها التي تقع عليها المسؤولية الأساسية في تقديم حلول لهذه المسألة التي يصفها الأتراك بأنها باتت “مسألة حياة أو موت”، تجد نفسها مشتتة ما بين سرعة العمل على إعادة المناطق المنكوبة من زلزال الجنوب لتسكين قرابة 2 مليون شخص باتوا بلا مأوى، وما بين مباشرة العمل في هدم وإعادة بناء المنازل المهددة في إسطنبول. وهما استحقاقان لا يمكن تقديم أحدهما على الآخر.
فعقب وقوع زلزال كهرمان مرعش، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعادة بناء جميع المنازل المدمرة خلال عام واحد فقط، وهو تعهد ضخم يتعلق بإعادة بناء مئات آلاف الوحدات السكنية خلال فترة زمنية قصيرة وبتكاليف قد تصل إلى مليارات الدولارات، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات والتساؤلات حول مدى واقعية وإمكانية تنفيذ هذا التعهد الضخم.
وحتى الآن، لا يوجد إحصائية دقيقة لعدد المباني أو الوحدات السكنية التي تدمرت بالكامل بفعل الزلزال، إلا أن المؤكد أن قرابة 1.7 مليون إنسان باتوا بلا سكن ويعيشون حالياً في البدائل التي تعمل الحكومة على توفيرها للمشردين من خلال تخصيص سكنات الطلاب الجامعيين والفنادق والخيام ومدن الكونتينر والسفن السياحية، يضاف إليهم مئات آلاف الأشخاص الذين يمتلكون مساكن بديلة في محافظات أخرى أو من لجأوا إلى منازل أقرباء لهم، وهو ما يعني أن قرابة 2.5 مليون إنسان على أقل تقدير قد فقدوا مساكنهم.
وإلى جانب عدد المباني الهائل، تظهر التكاليف المالية لإعادة بناء هذا الكم من المباني والمرافق العامة والبنية التحتية التي تدمرت أيضاً في المنطقة. ورغم عدم وجود أرقام رسمية دقيقة حتى الآن، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الحكومة التركية سوف تكون بحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء وتأهيل المناطق المنكوبة.
وعلى الرغم من تعويل أردوغان على إمكانيات تركيا الكبيرة في قطاع الإنشاءات سواء من خلال هيئة البناء الحكومية “توكي” أو شركات البناء الضخمة في إعادة بناء المناطق المنكوبة، إلا أن هذه الشركات لن تستطيع القيام بعمليات واسعة في الجنوب وإسطنبول بنفس الوقت، وهو ما سيدفع الحكومة للمفاضلة أو توزيع الجهد ما بين الجنوب وإسطنبول.
وبعيداً عن الإمكانيات اللوجستية التي يمكن التغلب عليها بطرق مختلفة، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة الحكومة المالية على تغطية تكاليف مشروع ضخم يتعلق بإعادة بناء مئات آلاف الوحدات السكنية القديمة في إسطنبول، وبزخم كبير وبالتزامن مع كارثة الجنوب، وهي المهمة التي لم تتمكن من القيام بها كافة الحكومات طوال العقود الماضية.