الحكومة التونسيّة و مزاعم فشلها

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراط لا حديث هذه الأيام إلاّ عن فشل الحكومة في جميع الميادين. و لكنّ الذين يزعمون ذلك هم الفاشلون الذين أقصاهم الشعب في انتخابات أكتوبر. وفي مقدّمتهم أحمد نجيب الشابي الذي أصبح يثير الشفقة عليه وعلى حزبه. الرجل مبحر في محيط متقلّب دون بوصلة. وعشقه للسلطة جعله يرتمي في أحضان كلّ من يتصوّر أنّه سيمهّد له الطريق إليها. كان معارضا لحلّ التجمّع فأغضب شرائح واسعة كانت تؤمن بتاريخه النضاليّ، ومع ذلك بقي على موقفه المتعاطف مع التجمّعيّين فهرول إلي مبادرتهم المسمّاة ‘نداء الوطن’ ليقف مع مرجان وجغام وقايد السبسي على أطلال ما سمّي بالفكر البورقيبي. وقد عارض الشابّي الحكومة حتّى قبل تشكيلها، فلم يكن موقفه من عملها مفاجئا، فهو جاهز منذ البداية لذلك يعتقد ‘أنّها لم تحقّق أيّة نتائج بسبب الضبابيّة وانعدام الوضوح وغياب البرامج الأمر الذي أدخل الحيرة والقلق في نفوس التونسيّين’. بشرى بالحاج حميدة نجحت هي أيضا في التعبير عن فشل الحكومة فوصفته بالفشل الذريع في مواجهة المشاكل التي أدّت إلى الثورة كالفقر والبطالة و الفساد ولم تنس التفاوت الطبقي وتهديد الأقلّيات وخاصّة اليهود. وتكلّمت باسم التونسيّين كما فعل نجيب الشابي فقالت إنّهم يعتبرون النهضة حزبا شبيها بالتجمّع في احتكاره للسلطة. وأضافت أنّ النجاح الوحيد لحكومة الترويكا ظهر في بثّ الفرقة و تقسيم المجتمع إلى مؤمنين وكفّار. وبنفس الأسلوب القائم على نفيٍ كليّ لأيّ إنجاز مهما قلّ شأنه، أوضح شكري بالعيد أنّ الحكومة تجني ثمار انفرادها و رفضها مبدأ الوفاق، مؤكّدا أنّ حركة الوطنيّين الديمقراطيّين تزخر بالكفاءات، ولعلّه بتلك الإشارة يلمح إلى ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنيّة كحلّ وحيد دعا إليه نجيب الشابي أيضا في تصريحاته الأخيرة.

وقائمة الذين تحدّثوا عن فشل حكوميّ طويلة فهي تضمّ أغلب الشخصيّات السياسيّة التي منيت بهزيمة مخيّبة لآمالها في الانتخابات السابقة، لذلك نكتفي بالعيّنة التي قدّمت حتّى لا يتحوّل مقالنا إلى استعراض ركيك لفاشلين يتحدّثون عن فشل، دون أن يعني ذلك مصادرة حقّهم فيما ذهبوا إليه من رأي يلزمهم، ودون أن يُفهم حديثنا على انّه دفاع عن حكومة اعترفت هي نفسها بوجود أخطاء بسبب انعدام الخبرة لدى فريقها. لكنّ تقويم العمل الحكوميّ يجب أن يتجاوز في الحقيقة شخصيّات المعارضة ليشمل خبراء محليّين و دوليّين و مؤسّسات نزيهة قادرة على تقديم تقارير محايدة و دقيقة، بعيدا عن المواقف السياسيّة المحسوبة، و في الظروف التي تمكّن الحكومات من العمل بأريحيّة أكبر، لذلك يسود الآن رأي يقول إنّ المائة يوم الماضية لا تمثّل فترة كافية لمحاسبة الترويكا على ما أنجزت و ما لم تنجز.

و في هذا السياق، قدّمت مؤسّسة ”سيجما” للإحصاء بعض المساهمات، و كان آخرها سبر للآراء حول مدى نجاح الحكومة في الفترة المنقضية، والنتيجة المعلنة ترى أنّها فشلت على كل المستويات، وأنّها لم تتوصّل إلى تحقيق أهداف الثورة. حيث اعتبر 86 بالمئة من التونسيين أن الحكومة لم تفعل شيئا في مكافحة البطالة، و75 بالمئة أقرّوا بفشلها في مقاومة الفساد والرشوة، و90 بالمئة قالوا إنّها فشلت في الحدّ من غلاء الأسعار، و70 بالمئة رأوا أن الشعب التونسي أصبح أكثر انقساما. ‘و لكنّ هذه النتائج لم تسلم من النقد و التشكيك بحجّة أنّ شريحة من ألف مواطن، نجهل كيف تمّ اختيارهم، لا يمكن لها أن تكون ممثّلة لملايين التونسيين الذين لم يشملهم هذا الاستبيان ‘المريب’. و مبعث الريبة يكمن في نوعيّة الأسئلة و طريقة طرحها بذلك الشكل الذي لا يعدّ بريئا، لأنّه يدفع المستجوبين آليّا إلى إجابات سلبيّة. فكلّنا يعلم أنّ تحقيق أهداف الثورة أو القضاء على البطالة لا قدرة لأيّ حكومة أن تدركها في فترة وجيزة لم تتجاوز المائة يوم مهما بلغت من كفاءة و تجربة.

ولذلك اعترف حمّة الهمّامي في تصريح سابق لصحيفة عربيّة أنّه لا وجود لبديل قادر على القيام بأفضل ممّا قامت به الترويكا. و ردّ عبد الوهاب معطّر وزير التشغيل على المعارضة التي تتّهم الحكومة بالفشل طالبا منها ما تملكه من مقترحات لمعالجة المشكلات القائمة وعلى رأسها مشكلة البطالة التي تحتاج إلى عصا سحريّة أو إلى خطط يستغرق تنفيذها بعض الوقت.

وإذا كنّا لا نمانع من الاعتراف بمحدوديّة النتائج في الفترة السابقة نظرا لقصرها، فعلينا الإقرار بأنّ بعض المؤشّرات تبدو واعدة على غرار ما نشهده هذه الأيام من توافد لآلاف السيّاح. وما أُعلن من مناظرات لتشغيل أعداد كبيرة من العاطلين في القطاعين العموميّ والخاصّ. بالإضافة إلى المشاريع التنمويّة العاجلة التي فُصّلت في الميزانيّة التكميليّة، وتنتظر موافقة المجلس التأسيسيّ لمباشرة إنجازها في عموم البلاد ومع ذلك لا نتوقّع أن يتطوّر الجدل السياسيّ المرافق لعمل الحكومة إلى المستوى المأمول من الموضوعيّة و النزاهة، بسبب افتقارنا إلى المؤسّسات المحترفة والمحايدة في مجال سبر الآراء ولانعدام التجارب التقويميّة بمنطقتنا العربيّة حيث تعتبر محاسبة الوزراء والرؤساء من المحرّمات، ليظلّ هذا الفراغ فرصة للمنخرطين في الأحزاب الذين لا يستطيعون التخلّص من حساباتهم ومصالحهم الضيّقة فيلقون بأحكامهم جزافا، ولعلّ ذلك سيبقى التونسيّين منقسمين بين متشائم ومتفائل، هذا ينفّر و ذاك يبشّر. ‘ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية