التيار الصدري الذي كان يصر على تشكيل حكومة أغلبية أو الذهاب للمعارضة ستكون شعبيته في الشارع الشيعي على المحك إذا توصل إلى توافق مع قادة الأحزاب والفصائل الولائية.
بغداد ـ «القدس العربي»: حدثان مترابطان يطغيان على المشهد العراقي هذه الأيام، وهما افتتاح جلسات البرلمان الجديد لتشكيل الحكومة المقبلة، وتصاعد هجمات الفصائل الولائية على القواعد العسكرية التي يتواجد فيها المستشارون الأمريكان، وسط توقعات باتساع المواجهة بين الطرفين.
ومع انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب العراقي اليوم، تتجه أغلب التوقعات والتحليلات إلى السيناريو المعتاد للعملية السياسية الفاشلة، أي توافق أحزاب السلطة الفائزة في الانتخابات الأخيرة، من أجل اختيار الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة الجديدة وتقاسم المناصب ذات الامتيازات، بعيدا عن اهتمامات الشعب وحاجياته، فيما يقابل العراقيون بعدم المبالاة، هذه المعركة المحمومة بين الأحزاب.
ورغم سيناريوهات التصريحات والتهديدات المتبادلة بين جناحي القوى الشيعية، مقتدى الصدر ونوري المالكي، فإنهما عند اقتراب موعد تشكيل كل حكومة، يبرز التوافق للحفاظ على القيادة الشيعية للحكومة ولتقاسم المغانم. وقد ظهر التقارب الشيعي الشيعي، في آخر اجتماع للإطار التنسيقي، الذي يمثل القوى الشيعية عدا الصدر، قبل افتتاح البرلمان الجديد عندما أكد حرصه الشديد على التفاهم مع الصدر. وهو اعتراف بفشل كلا الجناحين، في تحقيق الكتلة النيابية الأكبر وتشكيل الحكومة لوحده، وبالتالي اضطرارهما لتوحيد الأحزاب الشيعية كالسابق. ونفس الحال ينطبق على الأحزاب السنية والكردية التي تعاني من الخلافات الداخلية حول المناصب، حيث يقترب التحالفان السنيان «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي، و«العزم» من توحيد مواقفهما، «لحفظ حقوق المحافظات المحررة (المدمرة)» كما يدعيان، فيما أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني، عن الاتفاق مع الاتحاد الوطني الكردستاني، لتشكيل وفد كردي موحد سيتوجه إلى بغداد للتفاوض حول الحكومة المقبلة، من دون ان يذكرا قضية منصب رئيس الجمهورية الذي يتصارعان من أجله.
ومع قناعة المراقبين لتحالفات العملية السياسية، بان التوافقات بين أحزاب السلطة على شكل الحكومة ستكون هي السائدة، فإن التيار الصدري، الذي كان يصر على تشكيل حكومة أغلبية أو الذهاب للمعارضة، وعدم قبوله «بخلطة العطار» كما يقول، ستكون شعبيته في الشارع الشيعي، على المحك إذا توصل إلى توافق مع قادة الأحزاب والفصائل الولائية.
أما عن تصعيد قصف الفصائل الولائية للقواعد التي يتواجد فيها مستشارون للتحالف الدولي، فهو ليس ببعيد عن الحراك السياسي لتشكيل حكومة جديدة، حيث يتداخل الموضوعان ضمن الأجندات المحلية والإقليمية.
وقد شهد النزاع بين الفصائل الشيعية والقوات الأمريكية، فصلا جديدا من التصعيد، حيث اندلعت مع بدء عام 2022 معركة مواجهة بين الطرفين في العراق وسوريا، من خلال سلسلة هجمات شبه يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة على القواعد الأمريكية في مطار بغداد وقاعدة الأسد في الأنبار وفي سوريا.
ولأن الفصائل تلتزم بتنفيذ أجنداتها المحلية والإقليمية، لتصعيد هجماتها دون إعارة أي اهتمام لاعتراضات حكومة مصطفى الكاظمي، فإن الأخير ليس بيده سوى الشكوى من تجاوزات الفصائل كأي صحافي يبدي رأيه حول تلك التجاوزات، عندما قال خلال جلسة مجلس الوزراء: «هناك بعض التصرفات العبثية، فمع الأيام الأولى من العام الجديد انطلقت عدة صواريخ مستهدفة معسكرات عراقية، وهذا بالتأكيد يعكر صفو الأمن والاستقرار» ولكنه لم يذكر ما سيفعل باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، لوقف تصرفات الفصائل التي تتحدى سيادة وهيبة الدولة وتعرض علاقات العراق الدولية للخطر.
وزير الدفاع العراقي جمعة عناد، بدوره أقر في لقاء تلفزيوني «أن استهداف القواعد العسكرية العراقية التي تضم مستشارين تابعين للتحالف الدولي بعد إتمام انسحاب القوات القتالية هو عمل سياسي» مشددا إن «العراق ما زال يحتاج قدرات إضافية للقوة الجوية، والمعدات والمستشارين ضمن التحالف الدولي».
وبالنسبة للرد الأمريكي على القصف، فقد سارع البنتاغون والتحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة الولايات المتحدة، إلى إعلان «إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا تقف وراء مهاجمة قوات التحالف الدولي» مهددين «بقدرة قوات التحالف على الدفاع عن نفسها». فيما اعتبر البيت الأبيض أن زيادة الهجمات على قواته في العراق وسوريا قد تكون مرتبطة بمفاوضات فيينا وذكرى مقتل القائد السابق لـ«فليق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. وقد أعقب ذلك قيام التحالف بشن عدة ضربات جوية على مواقع إطلاق الصواريخ في سوريا، وقرب الحدود العراقية، تعود إلى الميليشيات التابعة لإيران، مع توقعات ان يمتد الرد الأمريكي إلى مواقع الفصائل الشيعية في العراق، إذا استمر قصف الفصائل، لكون الوجود الأمريكي يعد رسميا وبموافقة الحكومة العراقية.
والحقيقة ان إيران لم تعد تخفي صلتها بتصعيد هجمات الفصائل على القواعد التي تتواجد فيها قوات أمريكية في المنطقة، كجزء من استراتيجيتها لاخضاع المنطقة لنفوذها، واخراج كل القوات الأجنبية منها، باستثناء الفصائل الموالية لها والقوات الروسية في سوريا طبعا.
وكانت الذكرى الثانية لمقتل القائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في بغداد، مناسبة لتكرار توجهات إيران تجاه الولايات المتحدة، حيث أكد قائد فيلق القدس اسماعيل قااني ان «سيف المقاومة سيزيح الأجانب عن المنطقة « وأن «الانتقام من الأمريكيين على جريمة اغتيال سليماني، قد بدأ» فكانت الاستجابة السريعة من الفصائل، كجزء من التصعيد الإيراني ضد واشنطن، بالتزامن مع المفاوضات الإيرانية الأوروبية حول ملفها النووي، ضمن أوراق الضغط الإيرانية.
وبعيدا عن الشعارات الرنانة لبعض القيادات السياسية، يبدو أن الحكومة المقبلة في بغداد متجهة نحو التوافقية والمحاصصة التقليدية، من أجل المحافظة على هيمنة الأحزاب الشيعية على السلطة، خاصة ان المصالح الخاصة لجميع الأحزاب هي التي تتغلب داخل العملية السياسية على المواقف المبدئية، وتعلو على مصالح وحاجات العراقيين، حتى ولو أدت إلى جعل العراق ساحة صراع دولي.