حميدان التركي المدان بالاعتداء على عاملة في منزله
واشنطن ـ “القدس العربي”: نشرت صحيفة “اوريغون لايف” الأمريكية تقريرا موسعا حول مواطنين سعوديين ملاحقين بتهم جنائية في الولايات المتحدة، يتم تهريبهم إلى المملكة
بدأ التقرير الذي كتبه الصحافي نويل كرومبي بالحديث عن قيام المدعي الأمريكي جون سوذرز بزيارة السعودية وانتقاله فورا إلى قصر ملكي، ولقائه بالملك عبد الله.
تحت السقف المغطى بالذهب في غرفة في القصر، بدأ سوذرز في الدفاع عن محاكمة ولاية كولورادو لمواطن سعودي مدان بالتحرش الجنسي بعاملة في منزله كانت تنام على فرشة في الطابق السفلي. كان الملك يشك في أن القضية كان سببها التحيز ضد المسلمين وتم ارسال المدعي العام، لشرح النظام القضائي الأمريكي.
الملك وولي العهد والسفير يتوسطون لاطلاق متهم بجرائم جنسية
توضح القضية التي حدثت قبل 13 عاما المدى الذي يذهب إليه السعوديون للدفاع عن مواطنيهم الذين يواجهون اتهامات جنائية في الولايات المتحدة.
وقد حددت صحيفة “أوريغونيان / أوريغون ليف” أكثر من 12 حالة فر فيها سعوديون في ولاية أوريغون وفي أماكن أخرى من أمريكا في السنوات الأخيرة في الوقت الذي يواجهون فيه قضايا جنائية. معظمهم، مثل قضية كولورادو المتهم فيها حميدان التركي، متهمين بجرائم جنسية. اختفى بعض المتهمين قبل المحاكمة، بمن فيهم أولئك الذين سلموا جوازات سفرهم إلى السلطات الأمريكية.
قضية حميدان التركي مختلفة عن القضايا الأخرى لأنه لم يختف ولكنه واجه المحاكمة وأُدين. ومع ذلك، فإن الضغط الدبلوماسي بعد ذلك يسلط الضوء على مواضيع مشتركة في كل هذه القضايا: وهي مخاوف سعودية من أن المحاكم الأمريكية لن تحكم عليهم بالعدل بحسب تعريف المملكة المختلف للعدل وما إذا كانت التهمة (معظمها جنسية) تعتبر جريمة.
والسعوديون يتبعون سياسة دفع الكفالات لإطلاق سراح المواطنين المحتجزين في الولايات المتحدة وتوظيف محام لهم. في كولورادو، أفادت تقارير إخبارية أن المملكة دفعت مبلغ 400،000 دولار ككفالة لصالح التركي.
ويشتبه مسؤولو الحفاظ على القانون في أمريكا في أن المملكة ذهبت أبعد من ذلك في قضية عام 2017 وساعدت أحد مواطنيها على الفرار قبل محاكمته، وهو شاب يدرس في بورتلاند، متهم بالقتل.
لا تزال العديد عن الحالات الأخيرة غير معروفة، وهي الآن موضوع تحقيق فيدرالي. ومع ذلك، فقضية كولورادو موثقة في السجلات العامة. وقد أجرت صحيفة “أوريغونيان / أوريغون لايف” مقابلات مع أشخاص رئيسيين قاموا بشرح دور المملكة.
يقول روبرت جوردان، الذي عمل سفيرا للولايات المتحدة في السعودية من عام 2001 حتى عام 2003، إنه خلال فترة توليه المنصب الدبلوماسي، لم ير إشارات على تدخل السعودية في القضايا الجنائية، لكن المملكة كانت منخرطة بشكل كبير في منازعات الحضانة مع أطفال السعوديين.
وقال: “كان هناك عدد من الحالات التي بدا فيها أن السعوديين يساعدون الآباء السعوديين في خطف الأطفال في نزاعات الحضانة المتنازع عليها مع الأمهات الأمريكيات”.
مشاركة السعودية في حياة مواطنيها في الخارج ليست مفاجئة لمتابعي سياسة المملكة. يقول بروس ريدل، وهو زميل بارز في معهد بروكينغز ومتابع لسياسة الشرق الأوسط والأمن القومي: “إن الحكومة السعودية تعمل كل ما بوسعها لحماية مواطنيها”. “إنهم يفعلون ذلك من خلال تجاهل جرائمهم وتجاهل القوانين في الدولة التي تحدث فيها هذه الجرائم.”
عاش حميدان التركي (50 عاما)، وهو مبتعث لغوي يملك شركة للنشر في منطقة دنفر، في الولايات المتحدة لأكثر من عشر سنوات، عندما أدين في عام 2006 بتهم تتعلق بإساءة معاملة الأندونيسية التي جلبها إلى الولايات المتحدة للعمل في منزله. وحكم عليه بالسجن من ثماني سنوات إلى مدى الحياة.
عرفت العائلة المالكة السعودية بالقضية وقلقت من أن مواطنيها في الولايات المتحدة في السنوات التي تلت الحادي عشر من سبتمبر / أيلول لن يحصلوا على معاملة منصفة إذا ما تعرضوا للمتاعب. حتى أن الحكومة قدمت مذكرة إلى المحكمة العليا في الولايات المتحدة، قائلة إن محاكمة التركي كانت مدفوعة بالشك وعدم التسامح مع المسلمين.
وقالت المملكة إنها تريد التأكد من أن مواطنيها، بما في ذلك عشرات الآلاف من الطلاب الذين يدرسون في الكليات والجامعات الأمريكية، “يتلقون محاكمة عادلة عند مقاضاتهم في الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص أن لا يعانوا من الانحياز لأنهم عرب أو مسلمون”.
قال السفير الأمريكي في المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، جيمس أوبرويتر، إنه لا يتذكر إذا كان الزعماء الدينيون السعوديون أو عائلة التركي أول من شكك في القضية.
لكن في مرحلة ما، طرحها الملك شخصيا خلال محادثة خاصة مع أوبرويتر. وقال الملك للدبلوماسي، الذي عينه الرئيس جورج دبليو بوش، إنه يعتقد أن الادعاء نابع من جهود التركي للتبشير بالإسلام في الولايات المتحدة.
قال أوبرويتر “وكما استمعت إليه، بدا لي واضحا أن من عرض القضية على الملك لم يكن أمينا بتقديم وقائعها”. لذلك طلب أوبرويتر من حاكم ولاية كولورادو حينها بيل أوينز أن يرسل ممثلاً إلى المملكة لشرح النظام القضائي الأمريكي للمسؤولين الحكوميين. وحينها أرسل الحاكم سوذرز للذهاب للرياض.
قبل قيامه بالرحلة، التقى سوذرز مع المدعي العام في القضية ومكتب التحقيقات الفيدرالي. وامتنع عن مناقشة ما قاله العملاء الاتحاديون ولكن تذكر أنه كان من الواضح أنهم كانوا متوترين من أن يضغط السعوديون على الحكومة الأمريكية لإرسال التركي للمملكة.
قال سوذرز: “اتفقنا أن أقول إن هذا ليس من صلاحياتي”. “فقط الحاكم يمكن أن يفعل ذلك.”
“من وجهة نظري، كنت سأدافع عن نظام العدالة الجنائية الأمريكي وكنت على أتم استعداد للقيام بذلك.”
بعد ساعات من وصول سوذرز تم اصطحابه إلى قصر الملك عبد الله حيث أخذ مقعده، واستمع إلى الملك من خلال مترجم. واستغرب الملك عند إخباره أن التركي أثناء شهادته لم يدافع عن نفسه، كما استغرب الملك أيضا التقارير التي تفيد بأن نساء أخريات اتهمن التركي بالاعتداء عليهن جنسياً.
خلال الاجتماع، لم يطلب عبدالله من الولايات المتحدة إعادة التركي إلى السعودية، ثم التقى سوذرز مع ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز الذي بدا اهتمامه مركزاً على خلفية الضحية. وتساءل “لماذا هذا الاهتمام الكبير بالقضية؟”
وقال سوذرز: “سأخبركم أن الجميع في المملكة العربية السعودية أشاروا إليها على أنها خادمة أندونيسية أمية”. “في الواقع، تتحدث بخمس لغات، ومن الواضح أنها كانت مقنعة للغاية لأن هيئة المحلفين وجدت بما لا يدع مجالًا للشك أنه ارتكب هذه الجرائم”.
تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2017 يقول إن المملكة العربية السعودية تضم ما يقدر بعشرة ملايين عامل أجنبي. وأشار التقرير إلى أن الإيذاء والاستغلال الجنسي والبدني للعمال المنزليين أمر شائع، وقال إن بعض العمال الذين حاولوا الإبلاغ عن الانتهاكات يواجهون المحاكمة.
في العام الماضي، قامت المملكة العربية السعودية بإعدام عاملة منزلية أندونيسية أدينت بقتل صاحب عملها. وبحسب منظمة تساعد الإندونيسيين العاملين في الخارج، فإن المرأة تصرفت دفاعًا عن النفس لأن رب العمل اعتدى عليها جنسياً.
بشكل عام، يعطي القانون الإسلامي الذي يمارس في المملكة العربية السعودية المدعين العامين سلطة تقديرية واسعة في كيفية متابعة القضايا الجنائية مثل الاغتصاب. يمكن أن تتضمن الملاحقات القضائية اعترافات وحسابات الشهود الذكور كمعايير للإثبات، كما يقول آدم كوغل، الخبير في السعودية في منظمة هيومن رايتس ووتش.
وقال إن المملكة مشهورة بإجبارها المشتبه بهم على الاعتراف. والعقوبات على الاغتصاب يمكن أن تصل للموت؛ ويقول كوغل إن وكالات مراقبة حقوق الإنسان تفيد أن هناك ما بين اثنين وثلاث عمليات إعدام في السنة بتهمة الاغتصاب في المتوسط.
وفي قضية كولورادو، قال سوذرز إنه أخبر شقيق التركي وأقارب آخرين بأن شهادة الضحية “متسقة للغاية”. وأضاف “أوضحت للجميع أن المسألة في أمريكا ليست مستوى الفقر أو مستوى التعليم أو أي شيء للضحية. بل بالأدلة، وهل تم إقناع هيئة المحلفين بما لا يدع مجالًا للشك بأنه تم ارتكاب جريمة؟”
طلب شقيق التركي من الحكومة الأمريكية أن تسمح للتركي بأن يقضي مدة عقوبته في السعودية، وهو قرار يقول سوذرز إنه ليس من صلاحياته. وعاد سوذرز إلى أمريكا بعد أسبوع.
وقال أوبرويتر، سفير الولايات المتحدة، إنه لم يطلب منه أي شخص في الحكومة السعودية نقل تركي إلى المملكة العربية السعودية لاستكمال مدة العقوبة.
وقال الدبلوماسي إن “عبد الله بدا مسرورا بالجهود الأمريكية للدفاع عن الادعاء، لكنه لم يكن راض تماما. لقد استنتجت أنه لا يزال هناك شك في أن الاعتقال جاء لأن الرجل كان يمارس التبشير”.
مرت سبع سنوات قبل أن يسمع سوذرز عن القضية مرة أخرى. هذه المرة، اتصل به مساعد خليفة أوينز، حينها حاكم الولاية جون هيكنلوبر. وقال سوذرز إن التركي استنفد طعونه وكان محاموه يضغطون على الحاكم لإعادة إرساله إلى بلاده.
وذكر سوذرز، الذي يعمل اليوم كرئيس لبلدية كولورادو سبرينغز، أن المساعد قال أن الحاكم خطط لترك القرار إلى مدير إدارة الإصلاح في كولورادو، توم كليمنتس.
وأضاف المساعد “إذا كان لديك أي اعتراض على هذا تحتاج إلى الاتصال بكليمينتس”.
وهكذا فعل سوذرز، الذي أخبر رئيس السجون أنه لا يعتقد أن السعوديين سيعاقبون التركي.
وأنه يجب عدم مكافأته.” قرر المسؤولون في ولاية كولورادو في النهاية عدم إعادة التركي إلى المملكة العربية السعودية.
في غضون أيام، اتصل عادل الجبير، السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، (الجبير هو مسؤول سعودي منذ فترة طويلة وقد ارتقى من المترجم إلى السفير، ثم وزير الخارجية. في أواخر العام الماضي، تمت إقالته كوزير للخارجية وعين وزير دولة للشؤون الخارجية).
“ما هي المشكلة هنا؟” سأل الجبير.
وقال سوذرز إنه أخبر الجبير بأن التركي رفض أن يشارك في المعاملة الإجبارية لمرتكبي الجرائم الجنسية وأنه من المحتمل أن يحرم من الإفراج المشروط بسبب عدم مشاركته.
كانت المكالمة ودية، قال سوذرز، لكن خيبة أمل السفير كانت واضحة. “أنا متأكد من أنه يعاني من ضغوط كبيرة.”
في تطور مزعج، قتل مدير سجن الولاية بالرصاص في منزله في الأسبوع التالي. وتعتقد السلطات أن للأمر علاقة بعصابات، قتل أحد أفرادها في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.
وتردد اسم التركي بعد قضية كليمينتس، لكن السعودي لم يُتهم قط بالقتل، وينكر محاموه أنه متورط.
اليوم، لا يزال التركي في السجن. في مرحلة ما، تم نقله إلى سجن فيدرالي في ولاية بنسلفانيا.
وقد سبق أن تم رفض الإفراج عنه بسبب رفضه المشاركة في برنامج معاملة مرتكبي الجرائم الجنسية؛ بشكل عام تم رفض طلب الإفراج المشروط عنه ست مرات.
لم يستجب التركي لخطاب يطلب مقابلة هاتفية. درست مجلة دنفر، 5280، قضية التركي العام الماضي، مشيرة إلى أن السعودي لم يتحدث إلى المراسلين الأمريكيين منذ إدانته. ورفض محام يمثله التعليق على القضية.
التركي مؤهل لتقديم طلب الإفراج المشروط مرة أخرى في مايو، وفقا لسلطات كولورادو.
من جانبه، قال أوبرويتر، إنه صدم من التقارير الأخيرة عن عدد السعوديين الذين غادروا الولايات المتحدة قبل حل قضاياهم الجنائية.
وقال أوبرويتر: “إذا كان السعوديون متورطين في كل هذا، فإنه يجب استدعاؤهم”.