لندن ـ ‘القدس العربي’: هل باتت الازمة الليبية تتجه نحو حالة وقف اطلاق النار، وماذا سيكون اثر ذلك على الموقف الامريكي. وعلى الرغم من اللهجة التي يتبناها المجلس الوطني الانتقالي الرافض لأي حوار او خطط تؤدي لحل سياسي للازمة قبل رحيل القذافي وابنائه او اجباره على الرحيل من خلال زحف الشعب كما قال مصطفى عبدالجليل – رئيس المجلس الانتقالي ـ في معرض رفض المجلس للخطة الافريقية التي قال انها جاءت متأخرة. لكن المراقبين يرون ان هذا الموقف غير القابل للتفاوض يواجه واقعاً كئيباً يشير الى ان القيادة المعارضة في بنغازي قد لا يكون لديها ما يعطيها القوة للتمسك بهذا الموقف، لأن القوى التي تحمل السلاح ضد انظمة بلادها لن يكون لديها الكثير من الاوراق لتحقيق انجازات على طاولة المفاوضات طالما لم تحقق الكثير في ساحة المعركة. وبعد ستة اسابيع من القتال يبدو ان ما يتحدث عنه قادة المعارضة من زحف شعبي لم يعد قابلا ً للتحقيق وانه لن يصل قريبا لابواب العزيزية، مركز قيادة الزعيم الليبي، كما يقول تحليل في مجلة ‘تايم’ الامريكية، كما ان الدول الغربية المشاركة في فرض الحظر الجوي وتدمير القوة العسكرية للقذافي لا نية لها لتقديم الدعم العسكري كي يقوم المقاتلون بتحقيق تقدمهم. ومنذ بداية العملية العسكرية خسر المقاتلون كل ما حققوه بعد الصدمة التي اصيبت بها قوات القذافي، حيث كانت الاخيرة قادرة على استيعاب الصدمة واستعادة عدد من المدن التي خسرتها واستطاعت ان تركز المعركة بين مدينة البريقة والطريق المؤدي الى بنغازي معقل المعارضة. وجميع المراقبين يعرفون ان ما يمنع قوات القذافي من التقدم هو استمرار الضربات الجوية التي تقوم بها قوات الناتو. ويعترف الجميع حسب المجلة ان اي حل للازمة لن يتم بدون تدخل عسكري خارجي، وهو ما تصر المعارضة على رفضه مع انها ليست اهلا ً للمهمة كما اثبتت الايام الماضية. وفي معرض الحديث عن الازمة تتم الاشارة الى الدور الامريكي الذي تراجع حيث قررت الولايات المتحدة ان تجلس في المقعد الخلفي، فهناك حديث يدور حول قدرة حلف الناتو على مواصلة العملية بدون دعم امريكي. وتشير المجلة الى السكرتير العام للناتو، اندريز فوغ رامسوسين الذي قال فيها ان الحل في ليبيا لن يكون عسكريا، مما يعني ان الدول الغربية لم تقم بنشر القوات وضرب القوة العسكرية يهدف الى تغيير النظام بل لمنع الاخير من هزيمة المعارضة والدخول الى معقلها بنغازي. ومما يدعو للحديث عن الحل السياسي هو ان مهمة الناتو محدودة وليست بدون سقف زمني. والناتو ودول التحالف تتوقع هدنة او وقف اطلاق النار وليس انتصارا. وعليه فان شروط المعارضة باستبعاد القذافي من اي دور سياسي مرهون بقدرتها على تحقيق انجاز عسكري، مما سيعطيها القدرة على اقناع قوات الناتو بتطبيق هذا الشرط. ففي تصريحات هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الامريكية، استبعدت في حديثها عن وقف اطلاق النار رحيل القذافي وركزت بدلا من ذلك على الانسحاب من المدن التي احتلتها قوات القذافي بالقوة، واعادة المياه والكهرباء وتوفير الاغاثة الانسانية وما الى ذلك. ومع ان الخطة الافريقية لم تلق اهتماما من الدول الغربية ورفضتها المعارضة الا ان بعض بنودها قريبة من بنود الخطة التركية التي تركز على انهاء الحصار على المدن، وفتح معابر للاغاثة وتنحي القذافي عن السلطة. ومع ان المعارضة قد لا تقبل بهذه البنود فبدون تقدم عسكري فانها ستدفع للتنازل. فما يمنع النظام من سحق المعارضة هو قوات الناتو، ولكن المعارضة غير قادرة على سحق القذافي. مما يعني ان المعركة على الارض تتجه الى حل على طاولة المفاوضات.
وبالعودة الى الموقف الامريكي من الازمة فان هناك تساؤلات حول موقف الادارة من المأزق الحالي وان كان باراك اوباما مستعداً للتعايش معه. فقد بدت تصريحات هيلاري كلينتون متناقضة من ناحية انها اكدت على الوضع الانساني ثم عادت واكدت ان اي تغيير في الوضع لن يتم طالما ظل القذافي في الحكم. وترى صحيفة ‘نيويورك تايمز’ ان تصريحات كلينتون تعكس الحالة المترددة للموقف الامريكي، خاصة ان واشنطن وحلفاءها من الدول المتحالفة تخشى من الدخول في معمعان حرب اهلية في ضوء عجز المقاتلين. وفي تحليلها للموقف الامريكي ترى ان قرار اوباما المشاركة سيحكم عليه بالفشل ان كانت نتيجة الازمة تقسيما للبلاد. وتضيف انه في حالة استمرار الازمة فسيكون اوباما مطالب بالاجابة على انتقادات الذين اتهموه بانه دخل المعركة متأخرا وانه قرر الانسحاب منها بشكل سريع وانه اخطأ في تقدير قوة معارضة غير منظمة وتفتقر للتجربة. ويبدو هذا النقد واضحا في تصريحات السناتور الجمهوري، ومرشح انتخابات الرئاسة عام 2008، جون ماكين الذي قال انه لو تم فرض الحظر الجوي مبكرا، قبل ثلاثة اسابيع او اكثر فان القذافي لم يكن بالقوة التي هو عليها اليوم. وتقول الصحيفة انه في مقابلات مع مسؤولين امريكيين دعا فيها الجميع لضبط النفس، والصبر، حيث قالوا ان عمر التدخل 23 يوما وان ما تحقق على الارض هو تدمير قوة القذافي وانشقاق عدد كبير من حلفائه والمقربين منه، وبحسب تومي فيتور- المتحدث باسم مجلس الامن القومي ـ فان الطريق لتحقيق النجاح النهائي هو مواصلة ارسال رسائل للحلقة المقربة من القذافي والقول لهم ان كل شيء مكتوب على الجدار وعليهم الرحيل. واكد فيتور ان سياسة من طرف واحد تقول على تغيير نظام عبر الحل العسكري ليست استراتيجية جيدة ولن تكون في صالح امريكا ومصداقيتها. واضاف ان وقف المذابح وبناء تحالف دولي ومواصلة الضغط على القذافي يعمل في صالح امريكا وهو ما ستقوم امريكا بعمله. وتقول الصحيفة ان الاستراتيجية قد تنجح بعد وقت والادارة تقامر على حدوث شيء من مثل انتفاضة في الغرب، وتجويع النظام او اغتيال القذافي اما بطلقة طائشة او صاروخ يضرب موقعه. وتقول الصحيفة ان اشكالية اوباما انه وفي الوقت الذي كان يتنقد فيه حربي العراق وافغانستان فان الامل ليس حلا، والمعضلة ان الحروب التي تشن بدافع انساني عادة تتطور حسب باحث في جامعة برنستون. واشار الباحث إلى ان الحروب الاهلية عادة تطول لسنين، وعندما تتدخل الدول فان من طلب التدخل عادة يطالب بمزيد من التدخل. ومن ناحية اخرى تنقل عن مسؤول في مكافحة الارهاب انه كلما بقي القذافي في السلطة زادت مخاطر هجمات ارهابية خارج ليبيا. مخاوف من نفاد النقدوركزت صحيفة ‘ الغارديان’ على آثار الحصار الاقتصادية على النظام وتصريحات لوزير مالية النظام عبدالحفيظ الزنتيني، اشار فيها لخشية الحكومة من نفاد الارصدة في البنوك الليبية في غضون شهور في حالة لم يتم فيها التوصل لحل سياسي. وقال الوزير ان الحكومة ستقوم بمضاعفة الفائدة لحث المواطنين على وضع اموالهم في البنوك بدلا من تخزينها في البيوت. وقالت الصحيفة ان قرار رفع سعر الفائدة هو من القرارات الطارئة التي اتخذتها الحكومة في الاسابيع الماضية، وتتضمن الخطوات، اتباع التقشف في استخدام الوقود ومنع المواطنين من سحب اموال من ايداعاتهم. وتعيش نسبة 75 بالمئة من السكان في غرب البلاد حيث لا يزال الموظفون يتلقون رواتبهم ورواتبهم التقاعدية والمساعدات الحكومية على الرغم من الحصار الدولي. ويقول الوزير ان الحكومة في الوقت الحالي لا تعاني من مشكلة دفع الرواتب والتقاعد على الرغم من ان الفواتير مكلفة. وقال المسؤول ان الوضع لن يستمر، وعندما سئل ان كان يقصد الانتفاضة والتوصل لحل ام اصابة النظام المالي بالاجهاد، اجاب ‘كلاهما’. ووصف الوضع بانه مؤسف وان الحكومة لم تكن تتوقع حدوثه، مشيرا الى ان الامور كانت تسير في طريق جيد. وقال ان ليبيا الغنية بالنفط استطاعت حل كل المشاكل السياسية مع الغرب بدون ان تتأثر اقتصاديا ولم تعان ِ ايضا من آثار الازمة المالية العالمية. ولكن منذ بداية الازمة فان نسبة كبيرة من السكان قاموا بعملية شراء وتخزين للمواد الغذائية فيما تأثرت نسبة 50 بالمئة من المواد الاستهلاكية بالحصار، كما غادرت غالبية العمالة الاجنبية التي تقدر بميلونين. وقال الزنتيني ان سعر الفائدة الان هو 3 بالمئة وسيتم رفعه الى 6 بالمئة. وقال ان الناس قلقون فهم يفضلون المال نقدا في ايديهم بدلا من ايداعه في البنوك. ويحتاج السوق سيولة نقدية 7 بلايين دينار ليبي ولكن الموجود الان هو 13 بليوناً. ويقول الوزير انه في حالة معرفة السكان ان اموالهم آمنة بالبنوك وانهم يتلقون عليها فوائد عالية فان ثقتهم ستزيد، لان الخوف لا يعرف العقلانية. وقامت الحكومة بتقييد سحب المال الى الف دينار بناء على حسبة التكاليف التي يحتاجها المواطن شهريا. وتشجع السكان على شراء الذهب الذي يعتبرونه احسن من الاوراق المالية. وأدت الازمة الى حالة ذعر بين السكان الذين اقبلوا على تخزين المواد الغذائية والوقود مما دعا الحكومة الى تنظيم عملية الحصول على الوقود بنظام البطاقة حيث يسمح للمواطن بملء خزان سيارته مرة في الاسبوع. وتحدث عن خطورة تخزين الوقود في البيوت، خاصة ان قدرة المصافي المحلية غير كافية لسد حاجات المواطنين لكن الزنتيني يقول ان الامور تعود الى طبيعتها على الرغم من توقف انتاج النفط. ويقول المسؤول ان اسعار الوقود مستقرة وان معظم الحاجيات الاساسية مدعومة من الحكومة، وان الطلب على المواد قد خف بسبب رحيل العمال الاجانب. وقال ان حالة الذعر احيانا تصيب الناس وتجعلهم يعتقدون ان العالم على حافة النهاية، ويقول ان الليبيين الذين مروا بظروف صعبة في السابق غيروا من اشكال الاستهلاك وتكيفوا مع الوضع. ولان رحيل العمال الاجانب اثر على عجلة الاقتصاد فقد قامت الحكومة بزيادة الرواتب وشجعت المواطنين على ملء فراغ العمالة وشجعت النساء على العمل في المخازن. وعلق قائلا ‘إن من العادات السيئة للدول الغنية بالنفط أن المواطنين يصبحون كسالى ولا يرغبون في العمل، وإن النفط ليس أمرا حسنا على الدوام فهو رصيد ينضب وسينفذ في النهاية، وما لم يدرك الناس ذلك ستحدث كارثة’. ورفض الوزير الدخول في نقاش حول الوضع السياسي قائلا انه من ناحية اقتصادية فالحكومة في الوضع الحالي تدير الازمة بنجاح. وعندما سـألته ان كان حرا للسفر خارج البلاد بعد انشقاق موسى كوسا، وزير الخارجية اجاب ان الوقت ليس وقت سفر، اليس كذلك؟. وكان قد علق اثناء الحديث قائلا ان القذافي ‘لا يلعب أي دور في إدارة البلاد اقتصاديا ‘فهو فيلسوف، سياسي، ولا علاقة له بعدد المساكن او الطرق التي يتم بناؤها’. وفي اطار اخر، اشارت الصحيفة الى المنطقة التي يسيطر عليها المجلس الوطني الانتقالي فالمعارضة هي الأخرى تشعر بالضائقة المالية كما صرح أحمد الشريف رئيس البنك المركزي للمعارضة قبل أسبوع بقوله إن الخزينة ستنفد خلال أسابيع’. ومع ان رواتب الموظفين في القطاع العام قد دفعت لشهري شباط/فبراير وآذار/مارس، إلا أن المعارضة تحاول توفير الأموال الكافية لدفع مرتبات نيسان /ابريل وتطالب الدول بتحويل الارصدة الليبية المجمدة في الخارج. لكن تحويل هذه الارصدة يحتاج إلى اجراءات قانونية معقدة، ولهذا تحاول المعارضة تصدير النفط حيث استعدت دولة قطر لتسويق نفط المعارضة.