الحكومة الموريتانية تخاطر بأمن البلاد

حجم الخط
0

محمد المختار عثمان

كم مذهل إقدام الحكومة الموريتانية علي إجراء مناورات عسكرية سرية، أعلنت عنها السفارة الأمريكية “في إطار مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات” حسب البيان وكأن موريتانيا ليست بها حكومة من واجبها إبلاغ الشعب وممثليه عن أنشطة في مثل هذه الخطورة. ليس من حق الحكومة الموريتانية الدخول في تحالفات واتفاقيات عسكرية قبل الرجوع إلي البرلمان و الإحتياط للأمن الوطني. للإرهاب سببان داخلي أو خارجي هما ظلم المواطن وإحباطه أو قهر الشعوب والأمم الأخري. السبب الأول مما تجمع عليه الأنظمة العربية و قد جربته موريتانيا أيام حكم معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع الذي ألقي بالبلاد في أتون المعسكر الأمريكي وسلم مواطنين للزج بهم في اغوانتنامو، وقمع الحريات وتسلط علي الحركات السياسية بتلفيق تهم الإرهاب، بل و حارب مظاهر التدين، دافعا ببعض الشباب حينها إلي أحضان عصابات قطاع الطرق وأئمة الهرج في ديار المسلمين كالجماعة السلفية للدعوة والقتال. أين الرئيس اليوم وما الذي تقدمه له أمريكا؟ طبعا لا ننصف السلطات الحالية إذا لم نعترف أنها وضعت حدا، علي الأقل ظاهرا، لهذا النهج.

أما السبب الثاني فمتروك لأمريكا وحروبها العدوانية ضد الشعوب والعرب خاصة بعد تحرر أنظمة وشعوب أمريكا الجنوبية. موضوعيا ليست موريتانيا مهددة بالإرهاب حتي الآن وكفي الله المؤمنين القتال. غير أن التسهيلات العسكرية للقوات الأمريكية وتنظيم المناورات معها والدخول في تحالفتها الموجهة ضد المسلمين والعرب هي التي ستجلب الإرهاب إلي بلادنا و نرجوا أن لا تكون حكومتنا من الغباء لتتوهم أن أمريكا حرز ضد الجماعات الإرهابية.

نعرف أن هناك نظرية بل عقيدة عند البعض مؤداها أن طلبات أمريكا لا يمكن رفضها و من يفعل فقد أزفت نهايته. هذا الإعتقاد مصدره قراءة موتورة و قاصرة للسياسة و واقع العلاقات الدولية. فأمريكا لم تسقط نظامي كاسترو و لا تشافيز اللذين يسمعانها ما لا يقول مالك في الخمر الأول منذ خمسين سنة والثاني منذ تسع سنوات. طبعا لا نطلب من الحكومة الموريتانية أن ترفع راية الحرب ضد أمريكا لكن بالإمكان و من الوجب أن يتم توضيح المخاوف الموريتانية ضمن محيطها ثم حساسية رأيها العام الداخلي مما يمنعها من المشاركة في الأعمال ذات الطابع العسكري. في مجال المخدرات عجزت الحكومات الأمريكية المتعاقبة عن الحد من زراعتها في أمريكا اللاتينية بل و عجزت حتي عن إيقاف تدفقها إلي الأراضي الأمريكية.

أما الإرهاب فمن أكبر دواعي قدومه إلي بلد ما تواجد أمريكا فيه. ولابد أن الحكومة الموريتانية تعيش في الكهوف لتتوقع خيرا من أمريكا الفاشلة في عدوانها علي العراق المحتل والمهزومة في حربها ضد الإرهاب في أفغانستان حيث تتضاعف جرائمها ضدالمدنيين. وليس خفيا أن الإرهاب تضاغف جراء الحروب الأمريكية ضاربا كل البلاد الإسلامية المنخرطة في الحرب الأمريكية. فالقاعدة لم تكن موجودة في العراق. وباكستان و السعودية والمغرب وغيرها لم تكن تعاني من الإرهاب المجنون. وما كانت موريتانيا لتكتوي بلظي القتل الأعمي لولا أخطاء الرئيس الأسبق وانتصاره للمخططات الأمريكية واعتزامه السماح بتواجد عسكري أمريكي. لا ندري هل إقالة قائد الأركان مرتبطة بهذه المناورات التي تبرهن علي غياب التفكير الإستراتيجي عن السياسة الخارجية والدفاعية. فالبرنامج الذي أعلن عنه وزير الخارجية الحالي وتعيينات بعض السفراء تنبئ بعودة ديبلوماسيتنا إلي الحقبة الطائعية. فكيف يتم إغلاق سفارة موريتانيا في عمان دون انتهاز الفرصة لإغلاق السفارة الموجودة في تل آبيب؟ علي السلطات الموريتانية أن تفهم أن مراعاة السياسة الخارجية مشاعر الشعب الموريتاني تعزز ثقته في دولته وحكامها وقدرتهم علي صيانة استقلال البلاد والدفاع عن سيادتها ومصالحها ضد الأقوياء قبل الضعفاء. وهذا يتطلب خطوات عملية ورمزية تكرس القطيعة مع العهد الطائعي و من ضمن هذه الخطوات أولا: وقف التعاون العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية والخروج من تحالفاتها الأمنية لما تمثل من استحقاقات عاجلة الدفع من أمن العباد و استقرار البلاد.

ُثانيا: تجميد العلاقات الديبلوماسية مع إسرائيل لمواصلتها إحتلال الأرض الفلسطينية و السورية وعدم استجابتها للمبادرة العربية. نعرف أن هذه الفكرة سباحة عكس التيار الرسمي العربي غير أن هذه العلاقات تكرس عزل المواطن الموريتاني عن قضايا أمته وتوهن من عزيمته وتقوض وطنيته وتطفئ جذوة الكفاح والمقاومة في صميمه. خطوة كهذه تنفع موريتانيا ولا تضرها فالإعتقاد أن إسرائيل ضرورة وأن موريتانيا لن تقوم لها قائمة بدون إسرائيل يعني أن حكامنا ليسوا أهلا للنهوض بالبلاد. ُثالثا: إدراك البعد الإستراتيجي للقضية الفلسطينية باعتبارها عامل لحمة للشعب الموريتاني ومحل إجماعهو العمل علي ترسيخ هذا البعد. و يتأتي ذلك بالإنفتاح علي كل الإتجاهات السياسية الفلسطينية و استقبال قادتها. رابعا: علي السلطات الموريتانية الإقتناع بعوامل قوتها، فهي منتخبة، مما يلزمها مراجعة المؤسسات الدستورية قبل الإقدام علي بعض الخطوات المتعلقة بالأمن. موقف كهذا سيكون مبعث احترام للدولة داخليا و خارجيا بإبراز التزامها الشرعية والإنضباط في سلوكها ومعاملاتها. أما الإقدام علي قبول الطلبات دون تمحيص فنيتجته مزيد من الطلبات و الأوامر لأن من يتجاهل رأي مواطنيه و يحيد مؤسسات دولته سيكون موضع احتقار الآخرين خارجيا وسببا في إضعاف الثقة بالدولة داخليا. لولا إعلان السفارة الأمريكية لظل إجراء هذه المناورات طي الكتمان مما يثير الشكوك حول مصداقية بيانات النفي الصادرة عن السلطات الموريتانية حول وجود سجون سرية تديرها المخابرات الأمريكية. هذه المناورات مقامرة بسيادة البلاد واستقلالها وأمنها علي البرلمان التحقيق فيها واستجواب وزراء الدفاع والخارجية والداخلية بشأنها. كما يلزم الإعلان عن مضمون التعاون العسكري والأمني مع الدول الأجنبية. نستغرب الرد الباهت من المعارضة و إهمال وسائل الإعلام لهذا الحدث. فيا ليت السياسيين الموريتانيين تدبروا حالتي كاسترو و شافيز ليدركوا أن الشعب غير المقهور وحده قادر علي حماية أي نظام.

ہ باحث موريتاني يقيم في فرنسا 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية