القاهرة ـ «القدس العربي» : تحول الكاتب جمال الجمل الذي تم إيقافه في مطار القاهرة عقب عودته من تركيا لأيقونة، بسبب التعاطف الشديد الذي انتاب الكثيرين تجاهه، والذي تجاوز تأثيره قوى المعارضة، ليسكن بعض ضمائر المنتمين للسلطة، حيث صرخ أمس مجدي شندي رئيس تحرير “المشهد” أحد المقربين من النظام “أليس منكم رجل رشيد؟!” واصفاً الجمل بأنه يطفح بالوطنية والتفاني لوطنه، داعياً للأفراج عنه كي نفوت الفرصة على خصوم السلطة. وحذّر عدد من الكتّاب والمراقبين من اللعب بقضية الكاتب والمفكر المستقل، الذي يخضع للتحقيق حالياً لتشويه صورة “الدولة المصرية” في الخارج، في ظل لحظة تبدو فيها الإدارة الأمريكية الجديدة متنمرة وراغبة بقوة في التدخل في أدق شؤون مصر وشؤون دول المنطقة.. فيما تسبب صمت حمدين صباحي المرشح الرئاسي السابق تجاه قضية صديقه الجمل لهجوم واسع ضده، ومن بين الذين هاجموا صباحي متهماً إياه بالتخلي عن صديقه جمال سلطان رئيس تحرير جريدة “المصريون”، الذي ندد بصمت من وصفه بـ”المناضل” حمدين صباحي على اعتقال صديقه ورفيق دربه الناصري جمال الجمل، مؤكداً أنه خرج في اليوم التالي بسطرين على الفيسبوك، هرب بهما من إدانة النظام، يقول لجمال: وجودك في السجن هنا في مصر أفضل من وجودك في تركيا، فأرضى جمال ورفاقه، وفي المقابل لم يغضب السلطة منه. ومن أبرز تقارير صحف الثلاثاء 2 مارس/آذار: وافقت اللجنة التشريعية في مجلس النواب بالإجماع برئاسة المستشار إبراهيم الهنيدى، وبحضور المستشار علاء فؤاد وزير شؤون المجالس النيابية، على تأجيل العمل بقانون الشهر العقاري حتى 30 يونيو/حزيران 2023. وحول مستجدات الموقف بشأن سد النهضة، أكد سامح شكري وزير الخارجية، حرص مصر على تفعيل جميع الآليات والاتفاقيات، التي تم إبرامها لصالح الشعبين المصري والسوداني، لافتا إلى أنه تطرق خلال المباحثات مع نظيرته السودانية إلى القضايا المهمة بمنتهى العمق. وقال إنه من الضروري الوصول لاتفاق قانوني منصف يؤدي إلى استفادة إثيوبيا من سد النهضة في التنمية، لكن دون الضرر الجسيم في مصر والسودان. ومن أخبار المحاكم: قضت محكمة النقض برفض الطعن المقدم من مرتضى منصور على نتيجة انتخابات مجلس النواب 2020 عن دائرة ميت غمر في محافظة الدقهلية. وكان مرتضى قد، حصل على 21271 صوتا؛ ليحتل الترتيب السادس.
لو توافرت الشجاعة
حرص مجدي شندي رئيس تحرير “المشهد” على مدار سنوات على دعوة منتقدي السلطة إلى التوقف عن انتقادها من الخارج، والعودة إلى مصر لمعايشة الواقع، والجهر بآرائهم بدون وجل، يقينا منه أن الإدلاء بالرأي ـ معارضا كان أو مساندا – هو من صميم العمل الوطني، الذي يجب أن يكرم صاحبه، لا أن يهان، وإيمانا بأن مصر ـ مهما كان شطط حكامها ـ ليست جمهورية موز، بل دولة عريقة فيها إرث حضاري ومؤسسات وقانون وعقول سياسية نابهة، لا تعدمها أي سلطة، وتعرف أن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن نقد السياسات والتوجهات ليس عملا يعادي الدولة، بل يصوب خطاها ويضيء لها الطريق، وأنه لو توافرت الشجاعة لمقربين من السلطة بمكاشفتها بحقيقة ما كانت عليه البلاد قبيل هزيمة 1967 (على سبيل المثال) من عدم استعداد وترهل، لتجنبت مصر مرارات الهزيمة التي تركت ندوبا عميقة في قلوب وأرواح عشرات الملايين من أجيال متلاحقة، وكسرت حلم دولة فتية، كان يتوقع لها أن تحتل المكانة التي تليق بها وبشعبها، تقدما وإشعاعا حضاريا، يصل الماضي التليد بالحاضر المحفوف بالتحديات. تابع شندي، عندما سمعت خبر توقيف جمال الجمل لدى عودته إلى مطار القاهرة، قدرت أنه سيخضع لاستجواب أمني يستغرق ساعات قليلة عن الفترات التي قضاها في الخارج، يترك بعدها ليذهب إلى بيته آمنا مطمئنا، فرغم خلافي في الرأي معه على الشاشات، إلا أن الرجل ينضح وطنية ويحظى باستقلالية في الرأي، وكثيرا ما عانى لدى وجوده في الخارج ودفع أثمان عدم الالتحاق بآخرين، غير أن الساعات مرت بطيئة ولم يصدر بيان يبرر توقيفه أو احتجازه، أو يكشف عما يجري معه وما إن كان سيحال إلى جهة تحقيق قضائية وبأي تهم.
مطلوب رجل رشيد
سأل مجدي شندي نفسه، بشأن المعارضين الذين صدقوا كلامه: هل يا ترى يظنون أني كنت أوقع بهم أو أنصب لهم فخا؟ هل كنت أغرر بهم وأعرض نموذجا لدولة في خيالي، غير متحقق في الواقع، وهل ينسف ذلك كل رأي قلته أو رؤية عرضتها؟ حسبي أني أفعل ما أقول. الرأي ليس جريمة، وانتقاد السياسات والأشخاص الذين ينفذونها ليس عداء للدولة بقدر ما هو غيرة على ماضيها وحاضرها، ورغبة في أن تجد الأجيال اللاحقة وطنا متقدما متحضرا منتصرا على التحديات، تعيش فيه ويعيش في ضمائرها، مصر أكبر من أن تضيق برأي أو تعصف بمعارض أو تعاقب عاشقا على عشقه، لذلك أطلب من كل صاحب عقل ورأي حصيف، في أجهزة الدولة، أن يتدخل فورا لإخلاء سبيل جمال الجمل، وتركه يعيش ويكتب بالطريقة التي يحبها، طالما لم يرتكب الرجل جريمة في حق بلده. سيكون إخلاء سبيل جمال الجمل انتصارا لفكرة المعارضة من الداخل، وبادرة تغيير تسدل الستار على فترة كئيبة عانينا فيها من الدعاية السوداء، التي تبثها منابر الخارج، وسيبطل الذرائع التي يستخدمها خصوم النظام في الكيد لمصر، وينسف الأسس الأخلاقية للاستقواء بالخارج. لا أتمنى أن تتحقق مقولة جمال الجمل الذي كتب يوما: “أكتب بلا حسابات للسقوف المنخفضة، في بلد صار كل شيء فيه منخفضا، بلد نغرس في أوحاله الورد فيرمينا بالشوك، نغني فيه للأمل وبالأمل فيغرقنا في اليأس والبؤس، ننصره فيخذلنا”. هل كثير على كتاب مصر أن يغنوا للأمل فيزهر من بين حروفهم، وأن يغرسوا الورد فيطرح وردا وعبقا، وأن ينصروا بلدهم ضد التخلف وقصر النظر والإدارة الخاطئة، فينصرهم وينزلهم المنزلة اللائقة بهم؟ أتمنى أن يتدخل رجل رشيد فورا لإنهاء محنة جمال الجمل.
هيا بنا نعارض
وضع مجدي حلمي في “الوفد” خمسة شروط لتوفر مناخ معارض: أولها توفير المعلومات لأن أي إنسان سوف يتحدث في موضوع بدون معلومات سيقع في المحظور، وسوف يتحول كلامه إلى شائعات لا قيمة لها والمعلومات تجعل من يمتلكها أكثر هدوءا في التعبير عن رأيه، وتجعله أكثر قدرة على التفكير في إيجاد حلول، فالمعارضة تموت في ظل السرية، وتزدهر في ظل وجود حرية لتداول المعلومات. والشرط الثاني أن يتقبل جميع المسؤولين النقد حتى لو كان قاسيا، فهو يعلم قبل أن يتولى منصبه أنه معرض للنقد، وأنه جاء ليؤدي دورا وسيغادر منصبه في حالة الخطأ، وأنه ليس مخلدا فيه، وبالتالي يجب أن يتسع صدره لأي نقد، حتى لو كان جائرا وعدم التسرع في اللجوء إلى القضاء لمحاسبة كل من يخالفهم في الرأي، أو من يوجه إليهم نقدا. والشرط الثالث لوجود معارضة وطنية هو عدم اختباء المسؤولين خلف الحصانة التي حصلوا عليها بحكم مناصبهم، وأن مبدأ الصواب والعقاب يسري على الكل، ولا يوجد ما نسمعه عن الرموز أو الشخصيات غير القابلة للانتقاد، ولا توجد كيانات محصنة من النقد طالما ارتضينا أن تكون لدينا معارضة قوية. أما الشرط الرابع فهو على الأحزاب السياسية التي يجب أن تفهم أن وظيفتها هو الوصول إلى الحكم، وأن عملها الأساسي هو استيعاب كل من يرغب في أن يكون له دور سياسي في بلده، فكل الاحزاب أمامها فرصة لإعادة هيكلة برامجها السياسية والاجتماعية وصياغتها من جديد، أن تضع خططا لضم أكبر عدد من الشباب، لأن الأحزاب ستظل هي الوعاء الوحيد لممارسة العمل السياسي في أي بلد، وتحرك الأحزاب في الشارع سوف يقضي على ظاهرة المستقلين التي أصابت الحياة السياسية في السنوات الأخيرة، بحالة الارتباك وعدم الثقة في القدرة على إدارة أي حوار سياسي منفتح وراق بين أطراف المجتمع في مصر. والشرط الخامس والأخير وهو الأهم الحماية القانونية للمعارضين السلميين، ووقف سيل المحتسبين الجدد الذين يلاحقون كل من يبدي رأيا مخالفا للحكومة في المحاكم، وتنهال البلاغات أمام النيابة والتشهير به حتى يصل مرحلة الاتهام بالخيانة تارة، واتهام بالعمالة تارة فلابد من وقف هؤلاء.
راعوا ربنا فينا
من فرط غضبه تخلى محمد أمين في “المصري اليوم” عن الفصحى وقرر اللجوء للعامية عند نقده للحكومة: “هذه كلمة واقفة في زوري أوجهها للحكومة.. بلاش مفاجآت.. على فكرة إحنا قاعدين مش هنهاجر.. خلوا القوانين تستوي وتاخد حقها كويس في الفرن.. بلاش تهديد للسلم والأمن الاجتماعيين.. كل القوانين مستعجلة ليه.. قانون التصالح وقانون الشهر العقاري.. ثم تنتهي بالتأجيل والتخفيض والتقسيط.. إحنا مش هنهرب والله.. راعوا ربنا فينا.. إحنا معاكوا.. ولما تجهزوا بلغونا.. وبعدين فين الحوار المجتمعي.. ألسنا شركاءكم في هذا الوطن؟ كفاية حرائق، الناس لا تتحمل.. وإذا كان التسجيل العقاري لا يلقى قبولاً في ظروفه العادية، فهل كان يصلح مع كل هذه الزيادات الرهيبة في الأسعار، بالنسبة للتصرفات العقارية ورسم المحامين؟ نرجو فقط اعتبارها ملاحظة أفرزتها أزمة التسجيل العقاري.. فلا تفكروا في أشياء أخرى، ما جعل هناك جماعات تستغل الظرف وتضع قوانين أخرى أكثر إرهاقا وتنسبها للحكومة.. وحِلّنى بقى لما الحكومة تنفي، تكون الشائعات ملت الدنيا وأشعلت الحرائق في البلد. أعتذر عن هذه اللغة في الكتابة، فقد قررت أن أكتب بطريقة بسيطة، حتى لا تجد الحكومة مشكلة في تفسيرها ولا استيعابها.. إنها لغة أهل البلد.. خلوا البساط أحمدي.. إنها رسالة من الأحياء الشعبية التي ستتحمل العبء الأكبر، ومطلوب منها سداد كل الضرائب والرسوم، وهي لا تستطيع تدبير الحياة اليومية، ودفع الصيانة الشهرية.. واعتبروا الصحافة هي جهاز المطافي الذي يساعدكم عند اللزوم.. نحن نمثل نبض الناس، ونمثل الفئات والشرائح الأقل في المجتمع.. فلا تضغطوا أكثر فنشعر بالاختناق! ما الذي استفادته الحكومة من زعزعة استقرار الناس إلى هذا الحد؟ وما هو المعنى من فتح الباب للتسجيل وغلقه بعد أيام؟ هل تريد الحكومة أن تقول إنها استجابت للرأي العام؟ هناك ملفات كثيرة لم تستجب فيها الحكومة ولم تسمع للرأي العام، ولم تسمح لأحد بإجراء الحوار المجتمعي.. الحوار المجتمعي مهم في أي تشريع من أن يهبط على الناس مثل القضاء والقدر”.
المشكلة في هذا
وضع محمد عصمت في “الشروق” يده على سبب الأزمة: لن تتوقف موجات الضرائب المتتالية التي تضرب جيوب المصريين طوال السنوات الأخيرة، ما لم تعالج حكوماتنا المتعاقبة نفسها من إدمان الاقتراض من الخارج، الذي وصل إلى حد الهوس، لدرجة أنها أصبحت تقترض لكي تستطيع تسديد فوائد ديونها السابقة، كما اعترف وزير المالية محمد معيط بنفسه في برنامج تلفزيوني. صحيح أن حكومة مصطفى مدبولي تراجعت خطوة للخلف، وقررت تأجيل تنفيذ قانون الشهر العقاري وتحصيل ضريبة التصرفات العقارية لنهاية هذا العام، لتنظيم ـ كما تقول ـ حوار مجتمعي حوله، لإجراء تعديلات عليه، لكن حقيقة الأمر أن هذا التراجع جاء تحسبا لتصاعد الاستياء الشعبي، الذي بلغ مداه على مواقع السوشيال ميديا والمداخلات التلفزيونية، بدون أن يعرف أحد بالضبط ما الذي سوف يؤول إليه؟ ملايين المصريين الذين ضربهم زلزال كورونا ومن بعدهما بركان التصالح في مخالفات البناء، وقبله فرض ضريبة على الدخل، لم يخطر في بالهم مطلقا أن الحكومة ستفتش في دفاترها القديمة، لتفرض عليهم ضرائب أخرى، لكن حكومة مدبولي لم يكن أمامها أي طريق آخر غير جيوب المصريين لتوفير الأموال اللازمة لدفع فوائد القروض المستحقة عليها، وهو ما سوف تستمر فيه طوال السنوات المقبلة، خاصة مع التراجع الرهيب في إيرادات السياحة وتحويلات المصريين من الخارج وغيرها من الموارد.
ما خفي أعظم
واصل محمد عصمت سرده لتفاصيل المأساة التي تنتظرنا: إجمالي الديون الخارجية المستحقة على مصر وصل طبقا لبيانات البنك المركزي إلى 125.3 مليار دولار، وهو رقم تضاعف نحو 3 مرات خلال السنوات الأخيرة، بدون أن يدرب أحد في مصر كم عدد الأجيال المقبلة التي سوف تتحمل تبعات تسديده، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة على المستوى الدولي، التي تحول دون مضاعفة إيراداتنا من التصدير مثلا، أو من إيرادات قناة السويس، أو حتى قدرتنا على جذب الاستثمارات الأجنبية بالقدر المطلوب، لمواجهة أعباء هذه القروض. كما أن كل المشاريع التي أنفقنا عليها أموال هذه القروض ليست من النوع الذي يعطي عائدا سريعا، ولا حتى من النوع الذي يوفر فرص عمل كبيرة، يمكن أن تحل مشاكل البطالة، أو توفر دخولا حقيقية للأسر المصرية من الفقراء ومحدودي الدخل، فبسبب ارتباطنا الوثيق بالاقتصاد العالمي أصبحنا ندفع فاتورة باهظة التكاليف، لكل أزماته التي لا يتوقع أحد أن تجد حلا قريبا لها. ربما كان غياب السياسة هو السبب الحقيقي وراء أزماتنا الاقتصادية الراهنة، فكل سياساتنا الاقتصادية تم اعتمادها في الغرف المغلقة، لم تناقشها الأحزاب، ولا القوى السياسية المختلفة ولا حتى البرلمان، لم تبحث حكوماتنا عن البدائل ولم تهتم بمجرد الاستماع لآراء المخالفين لها، حتى وصلنا إلى مرحلة صعبة، بعد أن أصبحت القروض من أمامنا والضرائب من خلفنا.
يضحك وهو يبكي
نبقى مع “الشروق” إذ أشار طلعت إسماعيل إلى أن الشعب المصري يتسم بخفة الدم، ويكمن المرح تحت جلده، وهو لا يكف عن استدعاء البهجة وسط الأزمة، ولذلك اخترع النكات التي يعبر بها من بوابة التحديات الغلاظ التي ربما تقصم ظهور شعوب كثيرة، متسلحا بروح تسخر من كل ما يعكر صفوه، وتنفيسا لمراجل الغضب أو الكدر، وبما يجنب المصريين ورود المهالك النفسية، ويقيهم شر تدني معنوياتهم في أصعب الظروف والمحن. حب المصريين للنكتة، كسلاح في وجه صعوبات الحياة، كان وراء السيل المنهمر الذي حفلت به وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام العشرة الأخيرة على الأقل، من نقد لقانون التسجيل في الشهر العقاري، الذي لقي معارضة شديدة، وكان سببا في مسارعة الحكومة لتشكيل لجنة وزارية لتيسير إجراءات تنفيذه، قبل إعلانها إجراء تعديلات عليه، بما يرجئ تنفيذه حتى نهاية العام الجاري. إعلان الحكومة عن إجراء تعديلات على قانون التسجيل في الشهر العقاري، جاء، أيضا، عقب ساعات من تقديم الأغلبية البرلمانية في مجلس النواب، مشروع قانون بتعديل المواد التي أدخلت الشارع المصري في دوامة من الجدل والنقاش الحاد، ونزع فتيل أزمة وغيوم ضبابية تجمعت في أفق الحياة السياسية، وكان يمكن لها أن تهدد السلم الاجتماعي، في وقت تواجه فيه مصر ما يكفي من تحديات محلية وإقليمية ودولية. وخيرا فعل الدكتور مصطفى مدبولي، الذي قال إن إرجاء نفاذ القانون حتى نهاية العام الجاري، بدلا من تطبيقه في 6 مارس/آذار الجاري سيتيح الفرصة للتعاون مع البرلمان في طرح الأفكار للتيسير على المواطنين، والتحفيز على التسجيل، وعلى رأسها فصل سداد ضريبة التصرفات العقارية عن إجراء التسجيل العقاري وتوصيل المرافق.
البحث عن شماعة
أحد مبررات تعديل قانون الشهر العقاري الذي جرى ما يشبه التراجع عنه، كما قال سليمان جودة في “المصري اليوم”، أن الحكومة كانت تريد من ورائه موارد تنفق منها على الخدمات العامة للمواطنين!هذا ما قرأناه على لسان الدكتور مدبولي في وقت الصخب الذي دار حول القانون، ورغم أن الإنفاق العام على هذه الخدمات هدف ثابت، تسعى إليه الحكومات كلها في بلاد العالم المتطور، إلا أن الملاحظ في حالة قانون الشهر العقاري المعدل أنه صادف مقاومة واضحة من جانب كثير من المواطنين المعنيين بالخدمات العامة أنفسهم، كما صادف رفضا وصل إلى حد التجاوز في اللفظ في حالات كثيرة، فلماذا المقاومة ولماذا الرفض المتجاوز، رغم أن الهدف المعلن هو الإنفاق على الخدمات العامة، التي يجب تقديمها للناس، وبالذات خدمة التعليم، وخدمة الصحة، ومعهما بالطبع باقي الخدمات؟ الغالب أن هناك سببين، أحدهما أن الحكومة لم تبذل الجهد الكافي الذي يجعل المواطنين على درجة كافية من الوعي بأن الخدمات العامة الجيدة تحتاج إنفاقًا عامًا كبيرًا، وأن هذا الإنفاق لا يمكن أن يتوفر بطبع البنكنوت، وإنما يتوفر من خلال الضرائب أساسا، ومعها سائر الرسوم وموارد الدخل العام الأخرى. والسبب الثاني أن المواطنين في حاجة إلى أن يلاحظوا تحسنا واضحا في الخدمات العامة مقدما. هناك بالطبع إنجاز واضح في الطرق الجديدة مثلًا، وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة.. ولكن الطرق القديمة لاتزال في مستوى سيئ، ولاتزال هي التي تستخدمها الغالبية من الناس. نظرة واحدة على مدخل طريق أسوان الزراعي في منطقة ما بعد المعادي تقول هذا وتؤكده.. ونظرة أخرى على طريق القاهرة – الإسكندرية الزراعي تقول الشيء نفسه.. ونظرة ثالثة على شوارع القاهرة تؤدي إلى النتيجة نفسها.. وكذلك نظرة رابعة على شوارع باقى المدن.. إننى أشير هنا إلى خدمة عامة واحدة هي الطرق التي بذلت الدولة جهدها الأكبر في الجديد منها، ولكنها نسيت القديم أو رأت فيه أولوية تالية.
حمى القوانين
رحب فاروق جويدة في “الأهرام” بالروح الجديدة وحالة الحماس التي تسيطر على أداء مجلس النواب: هناك أصوات جديدة شابة تحاول أن تكون صاحبة موقف حتى لو كان صادماً في بعض الأحيان.. وهذه الروح تذكرنا بأسماء كثيرة في عهود مضت، علوي حافظ والقاضي وحلمي مراد وأبو العز الحريري.. إن رئيس المجلس الدكتور حنفي جبالي يحاول أن يستوعب هذه الأصوات الشابة بقدر من سعة الصدر والحكمة.. ونحن أحوج ما نكون لهذه الروح وهذا الحوار لأن غلق النوافذ يشجع على انتشار كورونا.. إن المجلس أسرع كثيرًا في إصدار سلسلة من القوانين مثل الأحوال الشخصية والشهر العقاري وأمامه مشروع قانون المساكن القديمة والإيجارات.. وإذا كان بعض العوار قد ظهر في تطبيق هذه القوانين فإن الأمر يتطلب عدم الاستعجال والسرعة، بحيث تكون دراسة القوانين أعمق وأكمل.. حماس المجلس يتطلب التشجيع بما لا يضر بمصالح المواطن المصري وحتى لا تتحول القوانين إلى سيف مسلط على رقاب الناس.. قدر أكبر من البحث والدراسة يجعل الأشياء أكثر حكمة، كما أن مجلس الشعب لابد أن يضبط إيقاع الحكومة، ورغبتها في سرعة إصدار القوانين.. في أسبوع واحد كانت القوانين مثل الألغام التي انفجرت في الشارع المصري.. ما بين الأسرة والبيت والزواج والطلاق والشهر العقاري وتنظيم الأسرة.. أعلم أن أمام المجلس عددا آخر من القوانين الشائكة، في مقدمتها إيجارات العقارات القديمة.. وهى قضية قديمة ثار حولها جدل كثير فيها أطراف متعددة ومصالح متعارضة، وهي مثار خلاف من زمن بعيد بين الملاك والمستأجرين.. وتحتاج إلى قدر كبير من الحكمة ومراعاة مصالح جميع الأطراف ولهذا فهي تتطلب المزيد من البحث والدراسة.
قلق مشروع
لا يستطيع أحد كما أشار صلاح منتصر في “الأهرام” إنكار حجم القلق الذي أصاب ملايين المصريين بعد الإعلان عن بدء تنفيذ تعديلات قانون الشهر العقاري، الذي صدر عام 1946 منذ 75 عاما عندما كانت الشقق للإيجار، وليس معروفا في ذلك الوقت شراء شقة، إنما شراء المبنى من بابه. أرادت ثورة يوليو/تموز كسب رضا مستأجري الوحدات السكنية فأصدرت في 22 فبراير/شباط 1965 أول قانون بتخفيض إيجارات المساكن بنسبة 20% تلته قوانين أخرى صاحبها التعامل بشدة مع ملاك العقارات، وصلت بالنسبة لأحد محافظي القاهرة إلى استدعاء المالك الذي يشكوه السكان، وجلده داخل المحافظة، ما أدى إلى توقف حركة البناء في مصر لفترة واختفاء لافتات للإيجار التي كانت موجودة في معظم الشوارع، وظهور تمليك الشقق لأول مرة في تاريخ مصر. وفي ظل هذه التطورات جرت عمليات نصب كثيرة وبيعت شقق لأكثر من مشتر وزادت بشكل واضح قضايا الإسكان، وساءت العلاقات بين الملاك والمستأجرين، وتدهورت أحوال المباني القديمة الكثيرة بسبب عزوف أصحابها عن صيانتها، وأصبح من الظواهر الجديدة التي عرفتها مصر تمسك المستأجر بشقته القديمة، حتى إن انتقل إلى سكن جديد ما أدى إلى ارتفاع أعداد الشقق القديمة المغلقة، وتمنى معظم الملاك انهيار مبانيهم القديمة على سكانها حتى يمكنهم استغلال الأرض في ناطحات سحاب تحقق لهم الملايين، بدلا من الملاليم التي يقبضونها. وبينما كان من يشترى عقارا يحرص على سرعة تسجيل ملكيته، ففي ظل التطورات الكثيرة التي عرفتها سوق البناء أصبحت عملية تسجيل الملكية تمثل ركنا ثانويا في حركة التمليك، فالمهم هو الحيازة وعلى أساس أن الحيازة سند الملكية. وانتشرت عمليات البناء على أراض غير مملوكة وارتفاع عمارات أكثرها مخالف، وحسب آخر تعداد عام 2017 فإن عدد الوحدات السكنية في مصر بلغ 43 مليون وحدة سكنية، لا يتجاوز نسبة المسجل منها أقل من عدد أصابع اليد الواحدة. وبعد الضريبة العقارية وحكايات العشوائيات والتصالح جاء التعديل الجديد لقانون الشهر العقاري.
تحديات أمام المهنة
اقتربت انتخابات نقابة الصحافيين، وبات المبنى العريق على موعد مع نقيب جديد، و6 من أعضاء المجلس، في ظل ظروف استثنائية لم تشهدها النقابة من قبل، وتحديات مهنية وإدارية كبيرة مرتبطة بمصير ومستقبل مهنة الصحافة، إلا أن اللافت وما يدعو إلى النظر والتأمل، غياب البرامج الانتخابية للمرشحين، تابع محمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع”، وسائل التواصل الاجتماعي مليئة بالزملاء الذين تقدموا لانتخابات مجلس النقابة والنقيب، ولم أجد برنامجا واحدا حقيقيا، أو قابلا للتطبيق حتى الآن، فالدعاية تنصب على فكرة أساسية مفادها “الصيت ولا الغنى”، و”انتخبوا فلان فهو صادق أمين”، و”انتخبوا أخوكم وحبيبكم من أجل حصانة الصحافي وكرامة المهنة”، و”أنا خير من يمثلكم ويدافع عن مصالحكم”، وهكذا بدون خطة أو برنامج. هل من المعقول أن تكون كل برامج المرشحين في انتخابات نقابة الصحافيين مجرد “الحمد لله الانتخابات في موعدها”، أو “موعدنا يوم الجمعة المقبل في الجمعية العمومية”، التي بالمناسبة لم نعرف حتى الآن الموازنة التي تناقشها، وجدول الأعمال، وهل مقبول أن تكون انتخابات 2021 بهذا الشكل، ومن أين هذه الثقة التي يتحلى بها البعض، وكأنهم سيكتسحون بمجرد إعلان أسمائهم، مع العلم أنهم لم يقدموا شيئا، سواء خلال وجودهم في مجلس النقابة أو خارجه. من لديه مشروع حقيقي تستفيد منه الجماعة الصحافية، عليه أن يطرحه ويقدمه، بشرط أن يكون واقعيا وقابلا للتطبيق ومخططا بالورقة والقلم، بدون أن يكون من عينة “انتخبوني هتلاقوني”، وعلى من يستطيع أن يقدم خدمات حقيقية للصحافيين والمهنة أن يعلن عنها في برنامج انتخابي واضح ومحدد، له معالم وتفاصيل وإجراءات، فالنوايا الحسنة ليست كافية في قضية مثل الانتخابات تنتظر فيها الجماهير وعودا وخدمات قابلة للتطبيق. انتخابات الصحافيين المنتظر إجراؤها 5 مارس/آذار حال اكتمال حضور الجمعية العمومية، ستكون فارقة وكاشفة لكل ما جرى خلال الفترة الماضية.
ضمير البشري
ما زال رحيل المستشار طارق البشري يفجر ينابيع من الأحزان ومن بين من نعوه الدكتور ناجح إبراهيم في “الوطن”، كان البشري يردد: «المسافة بين سن القلم والورقة هي وقف لله تعالى»، ولهذا جمع بين قوة الفكر والعقل مع الضمير الحي، في كل حكم قضاه، وفي كل فكرة نشرها وفي كل كلمة كتبها. قال عنه صديقه وصهره العلامة الدكتور سليم العوا: «كان أمة وحده، لم ينشغل قط في مختلف مراحل حياته إلا بمعالي الأمور وكبارها، وهو الوحيد في تاريخ الفكر العربي والغربي، الذي كتب في مقدمة أحد كتبه: إنني كتبت النصف الأول من هذا الكتاب وأنا على موقف فكري معين ثم كتبت النصف الثاني، وأنا على موقف مغاير له، وآثرت إبقاء كل من الكتابتين على ما هي عليه». كان يرى أن الوطن يسير بجناحين هما قوة مؤسسات الدولة وقوة المجتمع، وأن ذلك حدث في أوروبا والغرب، أما في بلاد العرب والمسلمين فقد تمددت أجهزة إدارة الدولة وتغولت، لتحل محل الأنشطة الأهلية للأفراد ومؤسسات المجتمع الأهلية، وهيمنت على كل السلطات، ما جعل هذه الأوطان تطير بجناح واحد. ومن كلماته: «الفقه الإسلامي حوصر بين قواعد اجتماعية وعادات ونماذج سلوك تخالف الإسلام وطُلب منه أن يقرها ويعترف بها حتى لو كان على حساب الشريعة، وإما أن يُتهم بالجمود والعجز عن ملاحقة التطور، والتجديد الحقيقي لا يعني إقرارها مخالفة للشريعة، ولكن التجديد يعنى استجابة الفقه وقدرته على مجابهة التحديات التي يفرضها الواقع بما يحفظ مصالح الإسلام والمسلمين»، وكان يعشق كلمة مالك بن نبي «إنها لشرعة السماء.. غيّر نفسك تغير التاريخ».
يوم حزين
تابع الدكتور ناجح إبراهيم رصده لبعض الشهادات عن البشري: إنه العلامة والفقيه القانوني والدستوري والمفكر والمؤرخ النزيه والقاضي العادل والمناضل المستقيم والمتصوف الزاهد الكريم بن الكريم بن الكريم، والذى يمكن أن ينطبق عليه قوله تعالى «رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» أحبه الجميع من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ولم يختلف على محبته أحد. قال عنه الدكتور محمد شومان أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية: «رحم الله الفقيه الدستوري النزيه والمؤرخ الجاد المدقق، تعلمت أنا وأجيال على يديه بشكل مباشر أو غير مباشر، كيف نكتب وكيف نقرأ التاريخ، رحل ولكنه سيبقى معنا بأعماله وكتاباته، وسيبقى النموذج الإنساني الفريد، خلوق وودود مع المختلفين معه في الرأي قبل المتفقين». أما المفكر المخضرم نبيل مرقص فرثاه بقوله: «المستشار البشري سيظل يمثل جيلاً عظيماً من رموز الوطن المخلصين، الذين لم يبخلوا على وطنهم بالبذل والعطاء حتى النفس الأخير، تعلّم على يديه الكثيرون وأنا واحد منهم، سنظل نفتقده حتى يوارينا التراب، وإن كنا نعجز عن اللحاق بعلمه ورؤيته وصدقه». أما الدكتور هاني نسيرة فقال: «يوم حزين، رحل أحد الأكابر بحق خلقاً وعلماً وتواضعاً واستقلالاً يحترم الاختلاف ولا يبالي به». وكتب عنه معاصروه ومنهم صهره الدكتور العوا: «بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 عكف البشري ومجموعة من أصدقائه على دراسة ما حدث منذ ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وكانوا جميعاً من مؤيديها وانتهوا إلى نتيجة واحدة هي أنه لا محرك لهذه الأمة نحو مجد مستحق واستقلال حقيقي سوى الإسلام، بما هو ميراث الأمة الحقيقي وتراثها الدافع». قال عنه الكاتب جمال سلطان: «إن ضاق صدري والتبست عليّ الرؤية أذهب إليه فأخرج من عنده خلقاً آخر فكراً ووجداناً، مات الإنسان النبيل، القاضي العادل، المؤرخ الثقة والمفكر الملهم».
أمامه الكثير ليفعله
فوجئت الدكتورة عزة أحمد هيكل بحالة الفرح التي انتابت الكثيرين كما أكدت في “الوفد” بقدوم بايدن المنقذ والمخلص للحريات والمدافع عن الحق وحقوق الإنسان والحيوان والضعفاء والمقهورين، ففي غضون عدة أسابيع من بداية حكم الرئيس الأمريكي الجديد نجد العالم قد انقلب رأسًا على عقب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وبدأت بوادر حروب ممنهجة وثورات جديدة وحالة عدم استقرار وفوضى شعبية واقتصادية معظمها يصب في مصلحة الخزينة الأمريكية خاصة بعد أن ظهر ذلك العدو الخفي المسمى كورونا. ففي آسيا اشتعلت الحرب بسبب الانقلاب العسكري في ميانمار- بورما وهي بلدة متعددة الأعراق والديانات. أما في أفريقيا فمشكلة سد النهضة بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا على الجانب الآخر فإن إدارة بايدن العظيمة سوف تقوم بدعم جنوب السودان وإثيوبيا ضد السودان ومصر، وستكون أولى رحلات السيد الرئيس الجديد إلى «جنوب السودان»، أما في البلدان العربية فقد نصبت أمريكا نفسها محكمة دولية جديدة تقرر من قتل من ومن يستحق العقاب وتفرض سيادتها القانونية وتلغي شرعية المملكة السعودية وقضاءها في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي ولا يعرف العالم حدود في ظل تلك الهيمنة الديمقراطية الأمريكية الجديدة.