الحكومة تتلاعب بالألفاظ لخداع المواطنين… وأطلقت على «القرض» مصطلح «تمويل»… وأخطاء في الملف الاقتصادي

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يلتقط المصريون بعد أنفاسهم من أزمة الغلاء العاصف للسلع الغذائية، فداهمهم ما لم يكن في الحسبان، اذ مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي الجديد، اشتكى عدد كبير من أولياء أمور الطلاب من ارتفاع أسعار الكتب الخارجية، حيث شهدت الأسعار زيادة بمتوسط 20%. وكشفت شعبة الأدوات المدرسية في غرفة القاهرة التجارية، سبب زيادة أسعار الكتب الخارجية لزيادة تكاليف مدخلات الإنتاج من أسعار الورق وخامات الطباعة، علاوة على زيادة تكلفة الشحن، حيث ارتفع سعر طن الورق إلى 35 ألف جنيه خلال الموسم الحالي، مقارنة بـ21 ألف جنيه في الموسم الماضي، بنسبة زيادة 48%، ما انعكس على زيادة أسعار الكتب الخارجية 20%. ما يمثل عبئا على كاهل ولي الأمر الذي يكون لديه أكثر من طالب في مراحل دراسية مختلفة. من جانبها ترى داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، إنه رغم إنفاق الوزارة مبالغ طائلة لطباعة الكتب المدرسية، إلا أن أولياء الأمور يلجأون للكتب الخارجية لأنهم يجدون فيها شرحا مبسطا ومزيدا من التدريبات وعرضا شيقا للمنهج، علاوة على إلزام المدرسين لهم بشراء هذه الكتب لاستخدامها في دروسهم الخصوصية، مطالبة الوزارة بضرورة تطوير الكتب المدرسية، حتى تكون منافسا قويا للكتب الخارجية، لأن التطوير هو الحل الوحيد حتى يتم القضاء على مافيا الكتب الخارجية.
ومن أخبار نجوم الساحرة المستديرة: أكد محمد شريف مهاجم منتخب مصر، والمنضم حديثا إلى نادي الخليج السعودي، أنه حرص على استفادة الأهلي ماليا من بيعه، وأشار إلى أنه سعيد بمغادرة القلعة الحمراء من الباب الكبير”. وكان النادي الأهلي قد أعلن رحيل محمد شريف إلى صفوف الخليج السعودي، لمدة موسمين مقبلين حتى صيف 2025. وكشف مصدر “أن شريف طلب الحصول على راتب الفئة الأولى، وهو ما رفضته إدارة الأهلي، بعدما عرضت عليه 9 ملايين جنيه فقط في الموسم”.. ومن الحوادث: شهدت منطقة السلام التابعة لمحاظفة القاهرة، جريمة قتل مأساوية، عندما أقدم عاطل عن العمل على إلقاء صديقه من الطابق التاسع في ظروف غامضة، وقد جرى نقله إلى مشرحة زينهم تحت تصرف النيابة العامة.
أخطاء لا تحصى

الخطايا الاقتصادية اتخذت في بلادنا على حد رأي الدكتور مدحت نافع في “الشروق” العديد من الصور، في مقدمة تلك الخطايا عدم الاهتمام بالتخصص الاقتصادي، بل إن أحد محافظي البنك المركزي السابقين، كان له قول مشهور في عدم فهمه أو تقبله لأي نصيحة من شخص “اقتصادي” هو لا يعرف سوى «المحاسبين» في مجال العلوم المالية، أو كما قال لمذيعة البرنامج التي استضافته للتعليق على السياسة النقدية للبلاد، والتى يديرها اقتصاديون مهرة في معظم الدول الكبرى، ومنهم من حاز جائزة «نوبل» في الاقتصاد التي ليس لها مثيل في علم المحاسبة. من أبرز الخطايا الاقتصادية، الاهتمام بالإيراد على حساب التكلفة. وقد لاحظنا خطابا لعدد من المسؤولين، يرصد الإيرادات المتوقعة للمشروعات المزمع إقامتها في نطاق إدارتهم المالية، دون أدنى عناية بالمصروفات المباشرة، ناهيك عن التكاليف غير المباشرة وأبرزها تكلفة الفرصة البديلة، التي يمثل إغفالها إحدى أهم الخطايا التي يقع فيها الكثيرون من متصدري المشهد الاقتصادي في مصر. مفهوم تكلفة الفرصة البديلة يظل حاكما في تطويع أي مؤشر لحكم يصدر لصالح تجربة ما أو ضدها. فلو أن مشروعا ما حقق إيرادا كبيرا وعائدا على الاستثمار قدره 20% مثلا، فإن نجاح ذلك المشروع يظل موقوفا على التأكد من أن ما تم إنفاقه فيه لا يحقق إيرادا أكبر وعائدا أعظم لو أنه أنفق في فرصة بديلة أو مشروع بديل، ربما حقق عائدا على الاستثمار قدره 35% بالتكاليف ذاتها.

أزمة تلازمنا

يجنح الكثيرون من صانعي القرار الاقتصادي الكلي إلى المفاضلة بين المشروعات على أساس مؤشرات متحيزة، ولا تصلح إلا في حالة المشروع الصغير. فمثلا وفق ما يرى الدكتور مدحت نافع لا يمكن المفاضلة بين مشروع صناعي له جدوى اقتصادية واجتماعية، وله عائد مستدام طويل الأجل، وله مزايا استراتيجية تتصل بالاكتفاء الذاتي والتخلي عن الاستيراد والتخلص جزئيا من أزمة النقد الأجنبي.. بمشروع عقاري أو بمركز تسوق تجاري، على أساس العائد النقدي على الاستثمار وحده، هذا المعيار يصلح استخدامه من قبل الأفراد في ما يتعلق بأموالهم الخاصة وقراراتهم الاستثمارية، لكن الدولة لا تفكر بهذا المنطق. من أهم الخطايا الاقتصادية التي يقع فيها المستثمر الخاص والحكومي على حد سواء، الاهتمام بمؤشرات تحقيق الأرباح على حساب مؤشرات الدين، ومدى استدامة هذا الدين وقدرة المؤسسة أو المنشأة على سداده من إيرادات النشاط في فترة زمنية معقولة. يتصل بهذا العديد من القوائم المالية التي يصدر أربابها رقم الربح الإجمالي والربح الصافي، مهملين نسبة الدين إلى حقوق الملكية، مثلا يترتب على هذا الكثير من الأخطاء التي تصنف المشروعات باعتبارها ناجحة، وهي في حقيقة الأمر متعثرة ومآلها إلى الزوال السريع.وقد وقعت مصر ضحية لنماذج الاقتصاد «البونزي» Ponzi Scheme في ثمانينيات القرن الماضي متمثلة في شركات توظيف الأموال، التي كانت تسدد أرباحا مغرية للمستثمرين من رؤوس أموالهم ورؤوس أموال مستثمرين آخرين، ولا يزال النموذج ناجحا (برؤية قاصرة محدودة) ما دامت الأموال تتدفق على تلك الشركات. النتيجة كانت إفلاس شركات توظيف الأموال، وانهيارها بصورة مؤلمة لقطاع كبير من المواطنين، الذين كانوا ينظرون إلى الربح المرتفع السريع، ويغفلون حجم الالتزامات الضخمة على تلك الشركات. وخلال الأيام المقبلة سوف تداهمنا بعض القوى النشيطة بمشروعات اقتصادية للخروج من الأزمة كنوع من الدعاية الانتخابية لمرشحيهم. علينا أن نقرأ تلك المشروعات جيدا ونرى إلى أى حد استطاعت التمييز بين ما هو سياسي أو عاطفي وما هو اقتصادي.

الحل في العدالة

أكد الدكتور جودة عبد الخالق، رئيس اللجنة الاقتصادية في حزب التجمع، وعضو مجلس أمناء الحوار الوطني، ووزير التموين الأسبق، أهمية صدور توصية عن الحوار، بوضع سقف للدين الداخلي والخارجي، وقال إنه ليس بدعة، مضيفا “نحن في أزمة شديدة ونقر ونعترف بذلك”، مطالبا بإعادة النظر في قائمة المشروعات القومية في ضوء المعطيات الجديدة.وتابع وفقا لصحيفة “الأهالي”: “إذا كنا نتكلم عن جمهورية جديدة، أدعو لإعادة النظر في المشكلة السكانية في مصر، فنحن نزيد 2 مليون سنويا أي ما يعادل دولة صغيرة، لو قارنا نجد بلادا أضعاف عددنا مثل الصين والهند، فلماذا نتوجع من زيادة السكان ومجتمعات أخرى لا، وفي الجانب الآخر للبحر المتوسط مجتمعات شاخت”. وأضاف أن إحدى مزايا مصر اقتصاديا أنها سوق كبير رغم تواضع مستوى الدخل، مرجعا سبب الأزمات الحالية إلى السياسات العامة التي تتسم بالعوار في عدد منها، وذلك بالتحيز الصارخ لكل ما هو ريعي، والبعد عن كل ما هو إنتاجي، قائلا: هذا ليس قدرا، ولكنه نتاج سياسات، وأيضا ثنائية البشر والحجر في المجتمع تحتاج مراجعة جذرية، وشدد على ضرورة إعلاء قيمة ووضعية الإنتاج من جانب الحكومة والمواطن أيضا. طالب عبد الخالق بوقف العمل بقانون التوريد الإجباري للمزارعين؛ لأننا نعيش في مجتمع يتعامل بالسوق الحر، لذا يجب أن لا يتم تطبيق سياسة التوريد الإجباري على المحاصيل الزراعية، مشيرا إلى أنه سبق وتمت مناقشة العدالة الاجتماعية، لكن معظم المناقشات ركزت على الحماية الاجتماعية، بينما العدالة الاجتماعية منظور أوسع وأشمل.
سياسات جائرة

أوضح الدكتور جودة عبد الخالق أن إجراءات الحماية الاجتماعية ناتجة عن تطبيق سياسات جائرة، أوجدت ضحايا وفقراء، ما أدى إلى تقديم الدول سياسات تضمن الحماية الاجتماعية، مثل برامج تكافل وكرامة. وأضاف أن الدستور المصري وإستراتيجية مصر للتنمية المستدامة رؤية مصر 2030 تنص على العدالة الاجتماعية، وتحقيق تكافؤ وعدالة توزيع الفرص بين المواطنين باعتبارهم شركاء في وطن واحد. ولفت وزير التموين الأسبق، إلى أن تصريحات وزير المالية بأن استحقاقات التعليم والصحة تم استيفاؤها، أمر غير صحيح، حيث إن مخصصات التعليم في الموازنة العامة للدولة العام الجديد تمثل 2% من إجمالي الناتج الإجمالي، وكذلك الصحة، متابعا: نطالب رئيس الجمهورية بإعادة النظر في هذه النسب، حيث إنها تنطوي على تمييز بين فئات المجتمع. وقال إن المزارعين تطبق عليهم ضرائب جائرة تعادل ما يزيد على 50% وهو أكبر معدل ضريبي لضرائب الدخل، مقابل ذلك هناك بعض الفئات المعفاة من الضرائب تماما، وأوصى في هذا الصدد، بإعادة النظر في جوهر السياسات المالية لدينا، بحيث تراعي مخصصات السياسة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية من ناحية أخرى، موصيا بإعادة النظر في قانون الإصلاح الزراعي، ومعالجة (بزرميط التعليم) على حد تعبيره، وتعدد قوانين الإسكان السارية وتحقيق العدالة الإيجارية، مشيرا إلى أن أصحاب المعاشات فئة مظلومة، وسياق العدالة الاجتماعية لا يكتمل إلا بإنصاف هذه الفئة من المجتمع، التي أخذت منهم أموال “عنوة”، لافتا إلى أن أسعار الفائدة حاليا 20% بينما المعاشات 8%.

قارب النجاة

في ظل أزمة نقص العملات الأجنبية، وقبلها الظروف التي فرضها على العالم كله وباء «كورونا».. تتأكد حقيقة أن مضاعفة الإنتاج المحلي اعتبرها جلال عارف في “الأخبار”، قارب النجاة، وأن تعميق وتوطين الصناعة الوطنية هي الضرورة الأساسية التي لا بديل عنها، خاصة بعد التجربة المريرة التي عرفناها مع سنوات الانفتاح «السبهللي» وفتح أبواب الاستيراد على البحري، وعلى حساب الصناعة الوطنية. في الأزمات تكمن أيضا الفرص، والمهم أن نعرف كيف نستغلها، وكل الظروف الآن مهيأة لذلك.. البنية الأساسية المتطورة، قوانين الاستثمار الجديدة، والسوق الواسعة، وفرص التصدير للدول الافريقية والعربية، وقبل كل ذلك الإرادة السياسية التي توفر المناخ الملائم وتدفع العمل في هذا الاتجاه لدى كل مؤسسات الدولة. بالأمس أعلنت هيئة التنمية الصناعية عن أكثر من 150 فرصة استثمارية في القطاع الصناعي وفي كل المجالات، بدءا من الصناعات الهندسية إلى المواد الغذائية ومواد البناء والأدوية. مشروعات مدروسة جيدا ومطلوبة بشدة لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير، لتساهم في سد الفجوة الاستيرادية التي تزيد على ثلاثين مليار دولار.. والمشروعات كلها متاحة أمام المستثمر الوطني والأجنبي. خطوة أولى مهمة ينبغي أن تتآزر الجهود الرسمية من مختلف الوزارات والهيئات لتعمل معا من أجل الترويج الجيد لهذه المشروعات، التي يمكن أن تبدأ بسرعة، خاصة أن الإعلان عنها تم مع إعلان آخر عن توفير المئات من قطع الأراضي المخصصة للصناعة، التى تم تجهيزها في كل المرافق لتكون جاهزة للعمل.. والكرة الآن في ملعب رجال الصناعة الوطنية القادرين على أن يكونوا الأساس في نقلة جديدة ومهمة وضرورية للصناعة المصرية وللاقتصاد الوطني. ومع ذلك يبقى مهما أن نجتذب المستثمر الصغير من العاملين في الخارج، أو داخل الوطن، لكي يساهم في مشروعات إنتاجية بدلا من الإنفاق الاستهلاكي، والأمر يحتاج لجهد من المتخصصين ولوعي يحمي مدخرات البسطاء، التي رأينا مرارا كيف وقعت في جيوب المحتالين و«المستريحين» منذ أن بدأت ظاهرة توظيف الأموال.. أو سرقتها، ليكون الاستثمار الوطني الناجح هو عامل الجذب الأكبر للمستثمر الأجنبي. تصنيع مصر هو الهدف الأهم أمامنا.. ليس فقط لتجاوز أزمة العملة الصعبة، ولكن لبناء الاقتصاد القوي الذي تستحقه مصر وتملك كل مقوماته رغم كل التحديات.

الغلاء لا يرحم

حالة كبيرة من الجدل انتشرت خلال الأيام الماضية عقب تداول بعض المنشورات على المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي عن ارتفاع أسعار الكتب الخارجية للعام الدراسي الجديد. الثانوية العامة كما أوضح هشام الهلوتي في “الوفد”، كان لها نصيب الأسد في هذه الأزمة، أحد الكتب تجاوز في مادة واحدة وهي الـMath مبلغ 800 جنيه، فيما وصل سعر كتاب خارجي في اللغة العربية إلى670 جنيها، وهي أسعار مرتفعة جدا عن الأعوام الماضية، وتزيد من أعباء أولياء الأمور الذين يواجهون من ناحية أخرى مافيا الدروس الخصوصية. هذه الأسعار انسحبت على باقي الصفوف من الابتدائي إلى الثانوي، تراوحت ما بين مئة ومئتى جنيه للكتاب الواحد. الخبراء في مجال الكتب أرجعوا الزيادات في الأسعار إلى ارتفاع أسعار الورق بشكل كبير خلال الموسم الحالي، بالإضافة إلى احتكار شركة واحدة لطباعة كتاب الرياضيات للصف الثالث الثانوي. وأوضح الخبراء أن هناك مبالغة في استخدام أغلفة وورق طباعة فاخرة جدا لا تتناسب مع كتب تعليمية لا يتجاوز استخدامها ثلاثة أشهر هي مدة التيرم الواحد، وربما أقل من ذلك، وقالوا إن استخدام أوراق أقل فخامة لن ينقص من المعلومات شيئا، ولكنه يخفف من أعباء الأسرة المصرية. ويرى خبراء التعليم أن معظم الأسر المصرية، تضطر لشراء الكتب الخارجية، لما تحتويه من شرح مبسط، وأسئلة امتحانات وتدريبات تسهم بشكل كبير في تحصيل التلاميذ للدروس الصعبة والغامضة في الكتاب المدرسي، وأن هذا هو السبب الرئيسي في استغلال منتجي الكتب الخارجية لأولياء الأمور، وأن على وزارة التربية والتعليم إيجاد حل لهذه الأزمة، والعمل على تطوير الكتاب المدرسي حتى يعتمد عليه الطالب. أما أولياء الأمور فطالبوا بتدخل وزير التربية والتعليم الدكتور رضا حجازي لإعادة الانضباط إلى أسواق الكتب الخارجية، التي تجاوزت كل الحدود، كما طالبوا بضرورة التزام المدرسين بالكتب المدرسية ومقاطعة الكتب الخارجية.

المأساة واحدة

تفتق ذهن المقترضين الذين يراقبهم عن كثب محمود الحضري في “المشهد”، على تخفيف لفظ قروض عند الاستدانة بلفظ “تمويل”، في محاولة للتغطية على وقع الصدمة من ارتفاع حجم القروض والديون وأعبائها، التي من شأنها زيادة حد الاستدانة على البلاد، والأجيال القادمة. ولكن مهما تغيرت الألفاظ إلا أن المصيبة والنكبة لم تتغير، وهي واحدة في كل الأحوال على المواطن البسيط، وحتى غير البسيط، لتزداد مع الأيام فاتورة، بل فواتير الدين، وترتفع حصة المواطن من الحجم العام للدين، الذي لم توضح الحكومة طريقا حتى الآن للحد منه، فالقضية ما زالت محل جدل وحوار في الشارع وفي كل المجالس والمؤتمرات، وهذا “الحوار الوطني”. ورغم كثرة النقاش وضرورة وقف هذا النزيف، تسير الحكومة في طريقها لمزيد من الاستدانة، عن طريق ما تسميه بـ”التمويل”، وأحدثها ما تعكف عليه حاليا للحصول على تمويل جديد “قرض” من صندوق النقد الدولي قبل نهاية العام الحالي بقيمة إجمالية تصل إلى 1.3 مليار دولار في إطار برنامج “الصلابة والاستدامة” الذي أطلقه الصندوق الدولي لدعم نحو 70 بلدا حول العالم، تعاني من ندرة في النقد الأجنبي. يأتي هذا في وقت طالبت فيه الحكومة صندوق النقد إرجاء المراجعة الأولى لبرنامج الإصلاح إلى منتصف سبتمبر/أيلول المقبل، بالتوازي مع المراجعة الثانية، على أمل أن تحصل الحكومة على شريحتي القرض البالغ 3 مليارات دولار بقيمة 700 مليون دولار في الشهر المقبل، لتضاف للشريحة الأولى البالغة 350 مليون دولار، ورغم أن قرض برنامج “الصلابة والاستدامة” المرتقب بفائدة أقل 50% من أسعار الفائدة العالمية، ويمتد سداده على 20 عاما، وبفترة سماح 10 سنوات، إلا أنه في النهاية قرض، وعبء على الأجيال في المستقبل.

هم في الليل والنهار

ربما أفضل ما توصلت إليه الحكومة مع مسؤولي صندوق النقد من وجهة نظر محمود الحضري إرجاء تطبيق سعر صرف مرن أو خفض رابع لقيمة العملة، حتى تتوفر حصيلة دولارية تتيح للبنك المركزي التدخل السريع للحفاظ على توازن الجنيه، خصوصا مع بلوغ التضخم السنوي لأسعار المستهلكين 38.2% فأي خفض لقيمة الجنيه يعني مزيدا من الأعباء على المواطنين. تبقى قضية الديون، الهمّ الأكبر، ولا مفر من التوقف عن الاقتراض، بعدما فاقت الديون 113% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا في حد ذاته أمر مزعج للمواطنين، ويصبح الأمر أكثر خطورة أن الجانب الأعظم من الديون هي ديون تمويل تجارية، ولم تتجه للاستثمار، بل وفقا لتقارير البنك المركزي، تم توجيه قروض الاستدانة لسد عجز الموازنة وقطاع الخدمات، ما يعني أن لا عوائد استثمارية لها، تغطي في المستقبل أي التزامات من خدمات الدين. القضية برمتها المتعلقة بالدين بحاجة إلى وقفة جادة، بعدما تجاوز حجم الدين الخارجي مرحلة خطيرة، ليصل إلى أكثر من 165 مليار دولار، مع تقديرات أنه ارتفع بمعدل يصل إلى 615%، أي أكثر من ستة أضعاف بين عامي 2018 و2023. وفي الوقت ذاته ارتفع حجم الدين المحلي لأكثر من الضعف من 2.52 تريليون إلى 4.78 تريليون جنيه بما يعادل 110% خلال الفترة نفسها، وهذا يعني أن كل مواطن في مصر له حصة في الدين الخارجي بعشرات الآلاف من الجنيهات. وإذا كانت الحكومة عاجزة عن اتخاذ ما يلزم لوقف سيل الديون، فقد أعجبني اقتراح تم طرحه في مناقشات المحور الاقتصادي في جلسات الحوار الوطني، بإقرار قانون من البرلمان لوضع سقف للدين العام، واللجوء لإعادة الجدولة، وتبادل الديون، أي أنه قانون يستهدف وضع الحكومة على الطريق الأمثل، ويقيدها، طالما تستسهل الاقتراض. وعلى الحكومة أن تدرك الخطر أكثر مما تدركه حاليا، بدلا من الدخول في لعبة الألفاظ، ما بين “التمويل والاقتراض”.. فالشعب لا يتحمل مزيدا من اللعب بحياته.

سكة التهلكة

الاعتراض أو النقد قد يؤدي إلى الاستبعاد من دوائر عدة، وعندما تفتح العين بقوة، يأخذ بك إلى المهالك، كما أقرت بذلك الدكتورة عزة أحمد هيكل في “الوفد”: المتابع للمجتمع وأحداثه اليومية والحياتية يكتشف أننا نفقد يوميا قيمة أخلاقية ومعنى ومشاعر، ففي الماضي كانت الأسرة المصرية مترابطة تجمعها أواصر المودة والعيب والغلط والصح والذوق، فمثلا احترام الكبار يبدأ باحترام الأب لأبيه وأمه، والأم لزوجها وأسرته، وكانت السينما والدراما تهتم بتقديم هذه المعاني وتلك القيم، ولكننا الآن نغمض أعيننا عما يحدث ونقول إنه تطور، وفي المدرسة كان المدرس بصورة لائقة وله كامل التقدير، ولكن الآن يتعامل بوجهين أحدهما في الفصل والآخر في السنتر ليعطي دروسا خصوصية، وهو يعلم أنها خطأ، ونحن نعلم أنها غلط، فلا مانع من أن نغمض جميعا أعيننا عن كل ما يتوالى من تبعات وسيئات، فلا الطالب يحترم أستاذه ولا المراقب في الامتحانات، لأنه لا يرى أن التعليم في حد ذاته قيمة ترفعه وترتقي به في سلم المجتمع، ولا تحقق له أي عائد أكان معنويا أو ماديا، فالمؤسسات والهيئات لا تحتفي ولا تحتفل إلا بالمطربين والمطربات والفنانين ولاعبي الكرة. أما الأدباء أو المثقفون أو حتى العلماء والخبراء في مجالات الاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا فلا وجود لهم، اللهم إلا بعض الأطباء الذين يتحدثون عن التجميل أو التكميم، هؤلاء بعضهم يدفع للظهور كنوع من الإعلان الخفي والبعض صداقات ومجاملات. وعلينا أيضا أن نغمض أعيننا عما يجري على الساحة الثقافية، فالمهرجانات والجوائز للأصدقاء ودائرة المعارف، وحتى العروض توارت وتلاشت لأنها ليست إلا ترجمات أو إعادة تدوير لأعمال قديمة؛ لأن دور قصور الثقافة والثقافة الجماهيرية والمسابقات المسرحية والأدبية بين المحافظات، لا نعلم عنها أي شيء، ومن ثم فالمهرجانات سواء السينمائية، أو المسرحية لا يهمها وجود حركة فنية وإبداعية أو نقدية جادة تؤرخ وتؤصل بمهنية وبمنهجية علمية لما يجري، وبعض الصور والندوات المغلقة، وتكريم بعضنا بعضا والمحصلة صفر كبير، وأكبر دليل على هذا ضعف الإنتاج الثقافي الجاد، وغياب كامل للمسرح المصري الذي هو أساس المسرح في الوطن العربي.. فهل نستمر في «غمض عينك» أم ننتفض ونبدأ ونفتح العين والقلب والرأس؛ لنأكل الملبن؟

ضميرها استيقظ

في سابقة نادرة، وصفت الولايات المتحدة الأمريكية مقتل الشاب الفلسطيني قُصى جمال معطان، 19 عاما، برصاص قطعان المستوطنين الإسرائيليين- بالعمل الإرهابي، واستطردت الخارجية الأمريكية التي نقل عنها أسامة سرايا في “الأهرام” أنها قلقة إزاء هذا العمل الإرهابي، بل طالبت بتوقيف المجرمين، وتقديمهم للعدالة، واللافت للانتباه أن أمريكا دائما هي شريكة لدولة الاحتلال (إسرائيل)، وعندما تأخذ هذا الموقف من جريمة محددة، وواضحة للعيان والبيان، فإن هذا تطور في مسار علاقات البلدين، يجب عدم تجاهله، أما قيام الوزير الإسرائيلي المتنفذ في حكومة بنيامين نتنياهو بوصف مرتكبي جريمة قتل الفتى معطان بأنهم أبطال، فهو هنا محرض على جريمة إرهابية محددة، من السهل محاكمته بسببها، بل حرمانه من الخروج من إسرائيل، وأن يعامل معاملة المجرمين، والإرهابيين – كما يستحق بأفعاله، وجرائمه المستمرة. إن قضية فلسطين تمر بمتغيرات مهمة على المسرح العالمي يجب أن ينتهزها القادة العرب، وأولهم القادة الفلسطينيون، ولذلك فنحن نثمن، ونُعلي من القمم المتتابعة التي نجريها مع الفلسطينيين، ومشاركة الأردن (هذا اللقاء هو الثاني خلال هذا الشهر بين القادة الثلاثة في العلمين، بعد اللقاء الذي أعقبه حضور الفصائل الفلسطينية) للوصول إلى صيغة للتعاون المشترك، وتحقيق وحدة الصف الفلسطيني، وانتهاز المتغيرات العالمية، التي أصبحت كلها عقبة في مسار القضية الفلسطينية، وانتصارها، لنجعلها تسير في الاتجاه نفسه، مع رغبة الفلسطينيين في الوحدة، وقيام الدولة، حتى لا تصبح المسارات الدولية، والمتغيرات على طبيعة الأمم المتحدة في مسار، والقضية الفلسطينية في مسار آخر (لا يلتقيان). يرى أسامة سرايا أن انتصار الفلسطينيين، وقيام دولتهم المرتقبة يجب أن يحشد له العرب، الفلسطينيين أولا، ثم كل شركائنا الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا وإيران، حتى لا يحدث استغلال من أي طرف إقليمي لحساب قضاياه المحلية، والإقليمية على حساب القضية الفلسطينية، وعموما ليس هناك في المنطقة العربية، وفي العالم كله، هدفه القضية الفلسطينية مثل مصر، فهي تعطيها الأولوية في كل سياساتها الخارجية.

الراعي والذئب

هكذا تبدأ الرواية «الواحدة»، التي أطلعنا عليها مهدي مصطفى في “الأهرام”: تنشر صحيفة مرموقة تسريبا، أو قصة خبرية متماسكة، ترويها مصادر مهمة عن بلد معين مستهدف. فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأمريكية نهاية شهر يوليو/تموز 2023 هذه القصة: تعتقد الإدارة الأمريكية أن الصين زرعت برمجيات خبيثة في شبكات الكهرباء، والاتصالات الأمريكية، تستطيع من خلالها الصين أن تقطع الكهرباء عن المنازل، والشركات في أنحاء عديدة من الولايات المتحدة، حسب الرواية، “فإن شركة ميكروسوفت الأمريكية العملاقة في التكنولوجيا، رصدت نشاطا لقراصنة صينيين، اخترقوا مؤسسات وبنى تحتية أمريكية حساسة، تحديدا في منطقة “غوام” في المحيط الهادئ، وهي أرض تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وتضم مركزا عسكريا مهما، وحددت ميكروسوفت وقت الاختراق في منتصف عام 2021. اكتشاف ميكروسوفت المبكر، استدعى بعد عامين سلسلة اجتماعات في غرفة الطوارئ في البيت الأبيض، شارك فيها كبار مسؤولي الجيش والاستخبارات والأمن القومي الأمريكي بهدف تتبع هذه الشيفرة، والقضاء عليها. وبدأ الحشد الإعلامي والسياسي والجماهيري، فوصف مسؤول في الكونغرس الأمريكي القصة بأنها أشبه بـ«قنبلة موقوتة». “نيويورك تايمز” كصحيفة ذكرت اسم الصين، لكن البيت الأبيض لم يفعل، مؤكدا أن الأمر يتعلق بصراع إقليمي كبير، تهدف من ورائه القوى المخترقة للبنية التحتية الأمريكية، عرقلتها إذا ما حدث أي طوارئ على المسرح الدولي، كلام دبلوماسي وسياسي، لكنه يترك الأمر للصحافة والخبراء المتخصصين. من جانب آخر يأخذ البيت الأبيض الأمر على محمل التمثيل الجاد، فالأمة في خطر، ولا وقت للخلاف. عبر عن هذا الموقف، المتحدث باسم الأمن القومي الأمريكي آدم هودج خير تعبير، حين قال، إن الرئيس الأمريكي جو بايدن طلب للمرة الأولى تنفيذ قواعد صارمة في الأمن المعلوماتي، وإن الإدارة تعمل على تأمين البنية التحتية الحيوية من مياه، وكهرباء، وخطوط سكك حديدية، وخطوط أنابيب، وأنظمة طيران.

ترى في الظلام

كأن أمريكا وفق ما أشار إليه مهدي مصطفى تحت الهجوم الفعلي، هذا يستدعي حالة أمريكا لحظة 11 سبتمبر/أيلول 2001 حين رفعت شعار “أمريكا تحت الهجوم”. عزفت «نيويورك تايمز»، النشيد المعتاد، سارعت منظمة “العيون الخمس”: بريطانيا وأمريكا ونيوزيلندا وكندا وأستراليا إلى تأكيد رواية الصحيفة المرموقة، بأن القراصنة الصينيين تحدثوا معا على مستوى العالم، والعيون الخمس منظمة توصف بأنها العيون المفتوحة عن آخرها في الظلام، أو أنها شمس منتصف الليل. حقا، لا جديد في جراب “أبطال” الحرب العالمية الثانية “المنتصرين”، قصة واحدة تعاد وتكرر، وفخ واحد ينصب بالطريقة نفسها، وتشن الحرب وراء الحرب بالأدوات نفسها، ويوما بعد يوم يعاني النظام الدولي من الهشاشة السياسية، وتتداعى مؤسساته الدولية. تستدعي قصة “نيويورك تايمز”، أجواء من نهاية الثمانينيات حول العراق، فبعد أن وضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها، بدأت القصص والتسريبات حول المدفع العراقي العملاق، والمفاعل النووي العراقي الخطير، وأسلحة الدمار الشامل، وصواريخ العراق التي تستطيع تدمير الكرة الأرضية في 45 دقيقة، وصولا إلى أنابيب كولن باول الغازية، بقية القصة معروفة، وتستدعي المسرح الروسي – الأوكراني، فهل هناك مسرح جديد من وراء نشر هذه القصة؟ إن الوقائع التي نشرتها “نيويورك تايمز”، تستدعي حشدا جماهيريا أمريكيا وراء إدارة بلاده، وهو المطلوب فورا، وتجعل الخلافات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين تتلاشى، وتتهيأ مسارح العمليات لمعركة جديدة. شخصيا لا أصدق ولا أكذب هذه القصة، فهي تشبه قصة الراعي والذئب، لا أحد سيهتم به بعد ادعائه مرتين كاذبتين، فما بالك بالادعاء عشرات المرات منذ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، وماذا سيفيد اعتذار المتحاربين بعد الموت؟ صحيح أن الحرب الهجين هي سمة العصر، بين الدول والأمم في اللحظة الراهنة، وأن استخدام التكنولوجيا الفائقة، والذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية تأخذ مسارا خطيرا، لكن هذه القصة، على تماسكها الصحافي، تتعلق بصراع قوى عظمى، تتنافس على المقعد الأول، وكل طرف يحاول حشد الجماهير المسكينة للأحداث المرتقبة.

يجب علينا أن ننتبه

ينصحنا سليمان جودة في “المصري اليوم” بأن نتابع ما يجري بشأن النيجر، لأنها تحولت لأهم دولة في القارة كلها تقريبا. وبالطبع فإن وجود اليورانيوم في باطن أرضها بكميات كبيرة، يمنحها أهمية لا شك فيها، لأن مفاعلات توليد الطاقة نوويا في فرنسا تعمل على اليورانيوم، ولهذا، فإن باريس قد أصيبت بما يشبه الجنون، عندما عرفت بنبأ الانقلاب الذي وقع هناك ضد الرئيس محمد بازوم يوم 26 يوليو/تموز. وكان بازوم يوصف في العادة بأنه رجل فرنسا في بلاده، وعندما تكون هذه إحدى صفاته التي كان الوسط السياسي الفرنسي يتداولها، فمعنى ذلك أنه كان صاحب توجه سياسي غربي في سياساته، وأنه كان أقرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وحلفائهما منه إلى روسيا. والمشكلة أن الرجل الذي تولى السلطة من بعده كشف عن توجه سياسي معاكس، وكان من علامات هذا التوجه أن الذين تظاهروا معه من مواطنيه رفعوا أعلام النيجر وروسيا معا.. ولم يكن هذا من الحكمة السياسية في شيء، لأن الكشف عن التوجه نحو الروس قد أكسبه عداء الغرب كله، ولأن رفع الأعلام الروسية قد استفز واشنطن لأقصى حد، فلم يعد لها همّ إلا الإفراج الفوري عن بازوم المحددة إقامته، وإلا العودة إلى المسار الدستوري السابق على مجيء عبد الرحمن تياني، رئيس المجلس العسكرى الحاكم، الذي حل في محل الرئيس بازوم. ومع كل صباح يشعر هذا المجلس بأن الخناق يضيق حول رقبته أكثر، لأن دول غرب افريقيا التي يضمها تجمع «إيكواس» والتي يصل عددها إلى 15 دولة افريقية، صارت تشارك الولايات المتحدة والغرب عموما رغبته في إعادة بازوم، ولم يتوقف «إيكواس» عند هذا الحد، ولكنه عقد اجتماعا في نيجيريا بكامل أعضائه وطرح حلا سياسيا للأزمة، ولم يستبعد التدخل لإعادة الرئيس السابق بالقوة، وأعلن عن البدء في تحريك قوة الاحتياطي التي يملكها. ولم تشأ واشنطن أن تخفي دعمها لـ«إيكواس»، فأعلنت ذلك صراحة على لسان وزير خارجيتها أنتونى بلينكن. ولو أن السلطة الجديدة لم تعلن عن قربها من موسكو، ما كانت الولايات المتحدة قد تحركت، وما كان الجنون قد أصاب فرنسا، وما كان بازوم قد اكتسب هذا الوزن السياسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية