الحكومة تواصل بث التفاؤل قبل الانتهاء من تشكيلها… والأغلبية غير واثقة من عبور النكبة الاقتصادية

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: بات الرأي العام أشد قناعة بأن المضي قدما في مناشدة البيت الأبيض بممارسة ضغوطه على الكيان، لإنهاء الحرب، يعد بمثابة استمرار في المسرحية الهزلية، إذ لا فرق بين واشنطن وتل ابيب، ولا بين نتنياهو وبايدن فكلاهما يريد الاستمرار في إبادة الشعب الفلسطيني.
ينطلق اليوم السبت مؤتمر الاستثمار المصري – الأوروبي المشترك، بحضور الرئيس السيسي، وأورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وبمشاركة حكومية واسعة من ممثلي الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبي والمؤسسات متعددة الأطراف، والقطاع الخاص من الجانبين. تبدأ فعاليات الحدث شديد الأهمية على مدار يومين تحت عنوان “إطلاق العنان للإمكانات المصرية في عالم سريع التغير”، بحضور لفيف من المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى من مصر ودول الاتحاد الأوروبي، فضلا عن مجموعة واسعة من رؤساء ومسؤولي أبرز الشركات المصرية والأوروبية والعالمية، وممثلي منظمات الأعمال المصرية والأوروبية. وواصل وزير المالية الدكتور محمد معيط بث تفاؤله، إذ أكدت وزارة المالية، أن التقرير الجديد لمعهد التمويل الدولي بشأن الاقتصاد المصري يتناول بشكل إيجابي قيام مصر بسداد 25 مليار دولار من الدين العام المحلي والخارجي منذ مارس/آذار الماضي. ويُسلط الضوء على استراتيجية الدولة المصرية في تحسين إدارة الدين وتقليل مخاطر إعادة التمويل لخفض مديونية الحكومة، وأعباء خدمتها، مع تقديرات بتراجع أسعار الفائدة بما يترواح بين 4% إلى 8% بحلول يونيو/حزيران 2025، وتباطؤ معدلات التضخم وتراجعها إلى أقل من 15% في فبراير/شباط 2025.
ومن تصريحات البرلمانيين: قال النائب الدكتور علي مهران رئيس لجنة الصحة والسكان في مجلس الشيوخ، إن استضافة مصر مؤتمر صراعات القرن الافريقي وتداعياتها على الأمن الإقليمي والمصري، يستهدف مناقشة التحديات الأمنية التي تواجه القارة الافريقية، والتأكيد على الحاجة الملحة لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز السلم والاستقرار في المنطقة. وأوضح مهران: أن مصر بموقعها الجغرافي الاستراتيجي ودورها التاريخي، تلتزم بشكل جاد بالمساهمة في حفظ الأمن الافريقي ومكافحة التحديات الأمنية المتعددة، بما في ذلك التطرف والإرهاب. ومن أخبار النقابات: استقبل عبد الحليم علام نقيب المحامين في مصر رئيس اتحاد المحامين العرب، وفدا من نقابة محامي العراق، ضم كلا من زياد اللامي، وأحمد الزيدي، وميساء الشكر، لتفعيل البرتوكول الموقع بين النقابتين في يناير/كانون الثاني الماضي. وكشف عن عقد بروتوكول بين النقابتين، وكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية، لتسهيل إجراءات قيد الطلاب الوافدين من العراق الراغبين في الدراسة في مصر.
إعجاز فلسطيني

كشفت الحرب في غزة وكذلك المواجهات مع حزب الله، كما أخبرنا أشرف راضي في “المشهد” أن إسرائيل وخلافا للمرات السابقة غير قادرة على توجيه ضربات مؤثرة تنال من القدرة التسليحية والقتالية للفصائل الفلسطينية، رغم استمرار الحرب قرابة تسعة أشهر، لقد كان كم السلاح المستخدم من قبل الفصائل الفلسطينية في غزة، ونوعيته، بل قدرة الفصائل المحاصرة على تطوير الأسلحة وتصنيعها، لاسيما مضادات الدروع، الأكثر تأثيرا في مسرح العمليات وتطوير قدرات صاروخية، ومقذوفات قادرة على خداع منظومة القبة الحديدية للدفاع الصاروخي، علاوة على الاستباق والتنوع في استراتيجيات وتكتيكات المقاومة، وتمتع حزب الله بتدفق للطائرات المسيّرة وغيرها من الأسلحة من إيران، وقدرته على دراسة الدفاعات الجوية الإسرائيلية وتحليلها، ومن ثم امتلاكه لتقدم في أساليب جمع المعلومات والتخطيط العسكري، استنادا إليها على النحو الذي كشفته تقارير إسرائيلية وأمريكية حذرت من قدرة حزب الله على شل الدفاعات الصاروخية الإسرائيلية وتهديد المراكز السكانية الإسرائيلية والمنشآت الحيوية بشكل مباشرة وقدرته على حشد المزيد من المقاتلين المدربين، يشير إلى أن القدرات التي يمتلكها الحزب تشكل رادعا يمنع إسرائيل عن تصعيد المواجهة. من ناحية أخرى، كشفت العمليات الراهنة عن عدم امتلاك إسرائيل للاستعدادات اللازمة للتعامل مع تغير القدرات العسكرية للتنظيمات المسلحة، التي لا يردعها حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بالبنية التحتية المدنية والعدوان على المدنيين، وما أحدثه هذا العدوان من كوارث إنسانية قد تعرض إسرائيل لعقوبات من المجتمع الدولي لاحقا، والتي تسببت في ضرر بالغ لصورة إسرائيل في الخارج وتزايد الانتقادات الدولية على المستوى الشعبي الضاغط على سياسات حكومات الدول الغربية الداعمة لإسرائيل.

نتائج مدهشة

تكشف التقييمات الاستراتيجية التي واصل أشرف راضي الاهتمام بتفاصيلها، أن إسرائيل لم تتمكن بعد من اتخاذ إجراءات للتعامل مع بعض الاستنتاجات المقلقة التي من بينها تآكل التفوق العسكري الكامل الذي تمتع به الجيش بشكل نسبي مع امتلاك حماس وحزب الله، قدرات تقترن بجيوش دول، ووجودهما في قلب المناطق الحضرية بطريقة لا مركزية يمكنها من مهاجمة الجبهة الداخلية لإسرائيل بشكل فعال، وتحييد المزايا التي يتمتع بها الجيش الإسرائيلي. ولم تتمكن إسرائيل من إجراء تعديلات تؤهلها للتعامل مع التغيرات إلا بشكل جزئي، لا يمكنها من التغلب على كثير من التحديات الجديدة على مستوى المعلومات والعمليات، سواء ما يخص المواجهة مع حماس، أو مع حزب الله في جنوب لبنان، التي من المتوقع أن تكون أعظم، نظرا لامتلاكه أسلحة مضادة للدبابات ومسيّرات هجومية أكثر تقدما، ووضع قتالي أفضل من خلال القتال وسط دفاعات معدة مسبقا في منطقة مفتوحة، ما يجعله قادرا على الاستهداف المباشر لقوات الجيش الإسرائيلي من على بعد كيلومترات. أثبتت الحرب الراهنة في غزة وكذلك الحرب في أوكرانيا، الحقيقة المستقرة التي أكدتها نظريات الحرب المختلفة، والتي تشير إلى أن قرار إنهاء الحرب ليس كقرار بدئها، فإذا كان من الممكن اتخاذ قرار منفرد بشن الحرب، فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون بقرار منفرد، إذ تتداخل إرادات كثيرة لتؤثر في مجريات الحرب، كما تنخرط في إدارتها أطراف تتجاوز المنخرطين في القتال، كما تؤثر في مجريات الحرب متغيرات كثيرة تتفاعل، سواء في البيئة الداخلية للأطراف المتحاربة، أو في البيئتين الإقليمية والدولية. فمن الواضح أنه لا يمكن للقيادة في إسرائيل أو في روسيا اتخاذ قرار منفرد بوقف الحرب أو إنهائها، نظرا للنتائج المتوقع أن تترتب على خطوة كهذه، فقرار كهذا قد يكون بمثابة إعلان للهزيمة، فضلا عن الحسابات الخاصة باحتمالات استغلاله من قبل الخصم المباشر، أو أي أطراف أخرى معادية لشن هجوم مضاد قد يكلف الطرف المنسحب خسائر باهظة. وفي ظل هذا الوضع فإن الحروب قد تتحول إلى مصيدة لكثير من الدول، وبغض النظر عن أي موازين للقوى قائمة بين الأطراف المتحاربة.

الاختيار ما بين شريرين

معضلة كبيرة تواجهها المجموعات العربية والمسلمة في أمريكا في ما يتعلق بتصويتهم في الانتخابات الرئاسية في 5 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إذ عليهم التصويت لدونالد ترامب، أو لجو بايدن. الخيارات أمام هؤلاء الناخبين والناخبات، كما وصفها محمد الشناوي في “الشروق” شديدة السوء في مختلف التقديرات، فهناك مرشح لا يتردد في التأكيد على صهيونيته، رغم كونه كاثوليكيا، ومرشح آخر لا يتردد في التأكيد على صداقته القوية لإسرائيل لأسباب مختلفة، منها العائلية. ترك السباق الرئاسي أيضا الناخبات والناخبين الأمريكيين ـ بشكل عام ـ أمام اختيار صعب بين مجرم مدان بجرائم جنائية وعمره 78 عاما، ومرشح آخر عمره 81 عاما، ابنه مجرم مدان كذلك بجرائم جنائية. من بين ما يقرب من 336 مليون مواطنة ومواطن أمريكى، 4.5 مليون منهم يعتبرون عربا ومسلمين، أي حوالي 1.3٪ من السكان. وصلت مشاركتهم في انتخابات 2020 تقريبا لـ1.5 مليون، بمعدل إقبال بلغ 71٪. وتعوّل حملة بايدن على أن يقبل هؤلاء مواقفه رغما عنهم، ويصوتون له على أي حال عندما يفكرون في البديل المحتمل. الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي يدعم إسرائيل أيضا وله تاريخ من الخطاب المعادي لمن يدينون بالإسلام. تاريخيا، ومنذ وقوع هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وما تبعها من شن إدارة الرئيس الجمهوري، بوش، «الحرب على الإرهاب» أدى ذلك لاقتراب أغلب العرب من الحزب الديمقراطي، الذي اعتبر أقل جنوحا إلى اللجوء لاستخدام القوة، وعضد من اقترابهم من الحزب الديمقراطي سياسات الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب، بتقييد سفر مواطني ومواطنات عدة دول إسلامية للولايات المتحدة، ودعمه الكبير لإسرائيل. إلا أن دعم بايدن الأعمى، وغير المشروط، سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا واستخباراتيا وماليا لإسرائيل، أدى إلى تآكل بعض النوايا الحسنة التي حاول الحزب الديمقراطي بناءها مع المجموعات العربية والمسلمة في أمريكا على مدى العقدين الماضيين.

هدفهم عقابه

وفقا لدراسة لمركز بيو لأبحاث الرأي العام، واهتم بها محمد المنشاوي فإن 66% من الأمريكيات والأمريكيين المسلمين يقولون إنهم ديمقراطيون أو مستقلون يساريون صوتوا لصالح بايدن عام 2020. ومع ذلك، لن يكون بايدن حكيما إذا اعتبر تصويت العرب أو المسلمين له أمرا مفروغا منه، إذ الآلاف منهم أصبح لهم هدف انتخابى وحيد ألا وهو هزيمة بايدن. إن العرب الأمريكيين والمجموعات المسلمة ليسوا كتلة واحدة، وبينهم انقسامات واسعة، فمنهم محافظون اجتماعيا ودينيا، ويصوتون للحزب الجمهوري بسبب سياسات تتعلق بطبيعة وشكل العائلة التقليدية، وقضيتي الإجهاض والمثلية الجنسية. وهناك الكثير من عرب أمريكا، ربما أغلبية، من المسيحيين، لا تحبذ الحزب الديمقراطي تاريخيا، ويفضلون مرشحا جمهوريا، لذا تراهن حملة بايدن على أن المجتمعات العربية والمسلمة في أمريكا ستدعمه في النهاية على حساب ترامب، على الرغم من أي غضب لديهم بسبب مواقفه بشأن غزة. يبدو أن حسابات بايدن لا تتركه متحمسا لتغيير سياساته كي يجذب أصوات الكتلة العربية والمسلمة في أمريكا. اختار بايدن نهجا آخر وهو تلبية مطالب كبار مانحي الحزب الديمقراطي من المليارديرات اليهود. ومن بين هؤلاء من قدموا تبرعات تقترب من المليون دولار من حساباتهم الشخصية، ومن بين هؤلاء من يُعرف بالعداء الصريح للعرب وللشعب الفلسطينى والتعصب ضد الإسلام، ويبدون في الوقت ذاته تعاطفا ساحقا مع إسرائيل، حتى عندما ترتكب جرائم حرب وإبادة جماعية. من بين هؤلاء يأتي الملياردير، ذو الأصول المصرية، حاييم سابان، وهو ممن ساهموا بأكثر من مليون دولار لحملة بايدن، وساهم كذلك بملايين أخرى في لجان تمويل الحملات الانتخابية التابع لمنظمة آيباك، أكبر منظمات اللوبي اليهودي في أمريكا، وهو عضو في مجلس إدارة جمعية أصدقاء الجيش الإسرائيلي. قبل أسابيع، وعقب تعطيل بايدن المؤقت لشحن القنابل العملاقة التي تزن 2000 رطل، بعث سابان رسالة بريد إلكتروني إلى بايدن منتقدا قرار الرئيس، ومحذرا بالقول «دعونا لا ننسى أن هناك ناخبين يهودا، يهتمون بإسرائيل، أكثر من الناخبين المسلمين الذين يهتمون بحماس»، مشيرا إلى أن وضع شروط على عمليات شحن الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل يشبه دعم حماس. وأوضح سابان أولوياته قائلا: “أنا رجل ذو قضية واحدة وقضيتي هي إسرائيل”.

السفاح يفوز مؤقتا

قال حازم الغبرا المستشار السابق في الخارجية الأمريكية، إن مناظرة الرئيس الأمريكي جو بايدن أمام الرئيس السابق دونالد ترامب تعد الأولى من مناظرتين، لكن بدا على بايدن التعب بشكل غريب بعض الشيء، بينما بدا ترامب المرشح القادر على المنافسة، وطرح نقاطه والدفاع عن موقفه بشكل مستمر، مردفا: “هذه كانت ليلة ترامب بشكل واضح”. ونقلت هدى عبد الرازق في “الأهالي” عن الغبرا قوله، إن المناظرة ركزت على المنافسة الشخصية، ولم يكن هناك ما يكفي لمناقشة الوضع العام والوضع الخارجي وسياسات كلا الطرفين، ولكن كانت هناك منافسة بين شخصين، ولم تكن المنافسة بين سياساتهما. ولفت إلى أن الموضوع الأهم بالنسبة للشعب العربي، وهو الموضوع الفلسطيني، لم يتم التطرق له بشكل واضح وصريح، وهذا كان مثيرا لخيبة الأمل والإحباط للمشاهد الذي كان ينتظر رأي المرشحين لقضية حل الدولتين، لكن التركيز كان على موضوعات واسعة من الطرفين، ولم يكن هناك حل جذري ملموس لأي من القضايا. وفي السياق نفسه قال الداه يعقوب الخبير في الشؤون الأمريكية، إن الرابح الوحيد من المناظرة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة بعد الدعم الذي قدم من كلا المرشحين، حيث قال ترامب، إنه يجب أن تترك إسرائيل تفعل ما تريد في غزة، وحاول بايدن أن يراوغ ويقول، إن المسؤولية تقع على حماس، وبأنه يجب العمل مع تل أبيب من أجل القضاء على الحركة. وأضاف يعقوب، خلال مداخلة على قناة “القاهرة الإخبارية”، إن نتنياهو سيزداد غطرسة وصلفا، وسيواصل المزيد من العمليات التي يقوم بها حاليا، بعد أن وجد هذا الدعم الكبير للغاية، لذلك يبدو أن الانتخابات الأمريكية لن تعيق رئيس الوزراء الإسرائيلي عما يقوم به من عمليات في غزة، في ظل ضعف الإدارة الديمقراطية التي تسابق الوقت والزمن بعد نهاية المناظرة، وخروج بايدن فاشلا منها. وأشار إلى أن ترامب أعلن عن نواياه اليوم، بالوقوف مع إسرائيل، مردفا: “نحن نعلم الفاتورة التي دفعها العالم العربي مع ترامب في ولايته الأولى، عندما نقل السفارة، وكان دعمه دائما للدولة العبرية، وبالتالي بايدن يحاول التعويل على الجمهور العربي”.

الاعتذار لا يكفي

لعلها المرة الأولى التي يعتذر فيها الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء لشعبنا عن انقطاع الكهرباء في بعض الأماكن. توقف يوسف القعيد في “الأخبار” طويلا أمام توجيهات الرئيس السيسي بإنهاء الأزمة. وهذا معناه أن ما يجري لنا من أمورٍ ليست بعيدة عن أعين الرئيس باعتباره المسؤول الأول عن توفير حياة كريمة للمصريين. لكننا لم نجد لدى أي حكومة سابقة تلك القُدرة الفريدة على الاعتذار للناس، بل القول إن هذه المشكلة ستنتهي تماما بنهاية 2024، وإن رئيس الحكومة اعترف بمعاناة المواطنين، وإن الحكومة تسعى جاهدة لحل الموضوع جذريا. وأتمنى مع حل مشكلة انقطاع التيار أن تُعلن حكومتنا أنه لا يوجد شِبر في مصر يسكن فيه المصريون من دون كهرباء، خاصة أن رئيس الوزراء كان واضحا عندما أكد أن تخفيف الأحمال لن يمس المواطنين، لكن يمس صناعات أخرى كالصناعة والاستثمار وغيرهما. ونحن عاصرنا موجة الحر الشديدة التي ربما كانت مستمرة للآن ومهمة الحكومة وحق المواطن على الدولة أن توفر له أسباب الحياة المعقولة. ولهذا توقفت طويلا أمام قول الدكتور مصطفى مدبولي أن الأمر لن يتكرر، وأن الدولة وضعت خطة شاملة لتجاوز الصيف، خاصة مع الموجات العنيفة للحرارة الشديدة. كان وزير البترول المهندس طارق الملا قد عرض زيادة الاحتياطي الاستراتيجي من المازوت، وجرت الموافقة على تدبير 300 ألف طن بقيمة 180 مليون دولار، تعاقدت الحكومة عليها فعلا، وستصل إلى مصر ابتداء من الأسبوع المقبل. نعتذر للشعب ربما كانت المرة الأولى التي نسمعها من رئيس الوزراء ومعه وزيرا الطاقة والبترول، وقد بدأ على الفور العمل لتخصيص 1.2 مليار دولار لاستيراد شحنات إضافية من المازوت والغاز. مع إننا جميعا كمصريين نعرف أن استهلاك الطاقة خلال الأيام الماضية سجل أرقاما غير مسبوقة من قبل. ولم يحدث أن جرت قبل ذلك إطلاقا. مصر تستعد لكي تكون مركزا إقليميا للكهرباء، لديها شبكة إقليمية تربطها بالدول المجاورة. ولهذا لا بد من أن يكون لدينا فائض في الإنتاج نصدره من خلال الشبكة الإقليمية للآخرين.

مريضة كأهلها

هناك عبارة ترددها ألسنة المصريين كثيرا، ولاسيما في الوقت الراهن، تقول: «أنا لا أخاف الموت، بل أخاف المرض». طبيعي وفق ما يرى الدكتور عمار علي حسن في “المصري اليوم” أن يخشى أي إنسان الألم والعجز، ويُضنيه العبء الثقيل الذي يلقيه على كاهل كل مَن حوله. أما إذا كان المرض مزمنا، فالمرء يخشى قضاء بقية عمره في معاناة قاسية، خاصة مع القلق العارم المصاحب لانتظار النهاية المحتومة. تلك حالة عامة بين البشر أجمعين، لكنها تزداد سوءا لدى المصريين بفعل سبعة أسباب لافتة، يمكن تبيانها على النحو التالي: عدم القدرة على الالتزام بقاعدة «غذاؤك دواؤك» لضيق ذات يد أغلبية السكان، بما يحرمهم من الحصول على الأطعمة التي تعزز قوة الجسم ومناعته، وتلبي احتياجاته الطبيعية إلى مختلف العناصر اللازمة لبنيانه ولياقته، بما لا يجعله فريسة سهلة للمرض. فى الوقت نفسه فإن فرص أغلب المصريين ضعيفة في الحفاظ على لياقة أبدانهم، فنسبة بسيطة من المواطنين مشتركة في أندية رياضية، وأقل منها من يذهب إلى صالات التريض وتقوية الأبدان. أما الأغلبية فمحرومة حتى من وجود مكان ممتد ممهد للتريض، مشيا أو بركوب الدراجات. ويتفاقم الأمر مع هجوم التلوث المركب للماء والهواء والتربة على صحة الناس. تراجع إمكانية إنفاق الفرد على العلاج حال حدوث المرض، في ظل تدني نفقات الدولة على الصحة، وغياب نظام التأمين الصحي الشامل في الواقع، حتى إن تم ذكره نظريا في قوانين وخطط صحية حكومية، ولاسيما مع انتقاله في طوره الجديد من مراعاة البعد الاجتماعي إلى النزوع التجاري البحت، حيث يتعزز الربح على حساب السلامة.

البحث عن طبيب

واصل الدكتور عمار علي حسن، التنقيب في أسباب المشاكل الصحية للمواطنين المصريين، وخطوات العلاج. الخوف من الوقوع في أيدي أطباء عديمي الكفاءة أو مغالين في أجورهم، أو يُضخمون المرض لابتزاز المريض واقتناص أي مال منه، أو للنقص المستمر في عدد الأطباء قياسا إلى تزايد حجم السكان. وتنصب بعض المستشفيات الخاصة فخاخا للمرضى لتُطيل أمد بقائهم تحت الملاحظة والعلاج ما دام هذا يدر عليها عائدا طائلا. وهناك أطباء متعاقدون مع معامل تحاليل أو صيدليات، فيبالغون في طلب الفحوصات، ووصف الأدوية، أو يكتفون بصرف دواء يعرفون بوجوده أو تكدسه في هذه الصيدليات، حتى لو لم يكن هو العلاج الأفضل لمرضاهم. وفي جراحات التجميل حدث ولا حرج. ويمكن للناس أن يقعوا أيضا ضحايا في أيدي مَن يدفعونهم إلى ما يسمى «الطب البديل» أو «الطب الأخضر»، الذي غلب فيه الأدعياء الأولياء. المعاناة الشديدة التي يواجهها الفقراء في المستشفيات الحكومية وبعض المستوصفات، فهناك زحام شديد في ظل قلة غرف الفحص، وعدم وجود عدد كافٍ من الأطباء، ويقود هذا بالطبع إلى استسهال الفحص أو التسرع فيه، ما يعني تأخر الحصول على العلاج الناجع. وهناك معاناة أشد لمَن يتقدمون للعلاج على نفقة الدولة، ففضلا عن أن المبالغ المخصصة لها قليلة قياسا إلى المطلوب، فإن تحصيل الخدمة يتأخر جراء أن الفرصة المتاحة لها لا تناسب عدد المتقدمين إليها. ولعل الناظر إلى أماكن الانتظار أمام العيادات، أو في مكان الاستقبال، يكتشف كيف يتعرض كثيرون لأشكال من الإهانة والتسويف والنبذ. فيما يتعرض المجبرون على دخول أقسام الطوارئ إلى سوء معاملة، وبعضهم ترفض المستشفيات استقباله، حتى لو كانت حالته خطرة، إلا بعد إيداع مبالغ محددة في خزينة المستشفى، بعضها لا يكون متوفرا في التو والحال لدى أهل المريض أو المصاب. اتساع الهوة في «الطاقة الصحية» بين منطقة وأخرى، إما بسبب التفاوت في كفاءة الأطباء، أو في الإمكانات اللوجستية للمستشفيات، ما يجبر كثيرا من المواطنين على السفر الطويل إلى المراكز الطبية المتميزة نسبيا لتلقي العلاج، مثل القاهرة وأسيوط والمنصورة والإسكندرية، وفي هذا إرهاق جسدي ونفسي، وعبء مادي للمريض وأهله.

لا نشبه إسبانيا

الفارق بيننا في مصر وإسبانيا، من وجهة نظر محمد بحيري في “الوفد” ليس فارق المسافة والجغرافيا ومياه البحر المتوسط فقط، بل أهم من ذلك فارق كم التراكمات والبناء المؤسسي. وبينما نحن المصريين في شرق البحر المتوسط نعاني من أزمة كهرباء وطاقة طاحنة، فإن إسبانيا التي في غرب البحر الأبيض، تبيع الطاقة بأسعار تقترب من الصفر، بين الساعة 11 صباحا و7 مساء، أي ساعات النهار المشمسة. مصر بلد الشمس، فيها أزمة طاقة، بينما أوروبا في الشمال فيها أزمة تصريف للطاقة. القضية هنا ليست موارد، لأننا بالطبع ننعم بمورد أكبر وهو الشمس التي تحرقنا حرارتها يوميا في هذا الصيف الصعب.. وإنما القضية هي أزمة استغلال موارد. لا تقتصر أزمة تصريف الطاقة على إسبانيا، وإنما تمتد إلى دول وسط وشمال أوروبا ومنها ألمانيا. وعلى الرغم من أن ألمانيا لا تعرف الشمس المتوهجة كما تعرفها مصر وإسبانيا، فإن الألمان يبيعون الطاقة في بعض الأحيان بأسعار جملة «سلبية». هل تصدقون عبارة الأسعار السلبية؟ فهم يستغلون الرياح بدلا من الشمس في توليد الطاقة، وبالتالي فالفائض في بعض الأوقات يباع ليس «ببلاش» وإنما بأقل من ذلك. الأغرب من كل هذا، أن مصر بدأت مشروع طاقتها الشمسية مع المهندس الأمريكي فرانك شومان بتشييد أول محطة في المعادي وكان ذلك عام 1911، بينما أنتجت الطاقة الشمسية في إسبانيا بحلول عام 2015.. أي بفارق 100 عام متأخرة عن مصر. وكما تمتلك إسبانيا سواحل على المتوسط تصلح لمشروعات طاقة الرياح، فإن سواحل مصر على البحر نفسه تتجاوز طول السواحل الإسبانية.

ثروات مهملة

إذا كانت إسبانيا تطل على المحيط الأطلسي وبحري قنطبرية والبوران، فإن مصر لديها شواطئ أطول على ساحل البحر الأحمر، وخليجي السويس والعقبة. إذن الفارق من وجهة نظر محمد بحيري ليس في الجغرافيا، وإنما في التاريخ.. ليس في الثروات وإنما في طريقة استغلال وإدارة الثروات. وبينما نحن نتخبط في «مكلمخانة» على «السوشيال ميديا»، ستجدهم هناك يبحثون خطط رفع مساهمات الطاقة النظيفة في إجمالي إنتاج الطاقة. الأمر لا يقتصر على التخطيط الحكومي فحسب، وإنما في إرادة المجتمعات ككل، واحتشادها خلف هدف واحد هو البناء، وليس التركيز على السلبيات. قبل عامين تقريبا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ينتظر انفجار الشارع في أوروبا بسبب أزمة الطاقة الناشبة مع غزو روسيا لأوكرانيا، واعتماد أوروبا على روسيا في توفير الطاقة.. كان ينتظر أن تخرج الجماهير لإسقاط حكومات أوروبا عبر صندوق الانتخابات، لينتصر على حلف شمال الأطلسي عبر صندوق انتخاباته نفسه وفي عقر داره. لكن أوروبا عبرت أزمتها بالتخطيط العميق، والإرادة الواعية على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والعلمية. وهنا في مصر، بدأت الدولة مشروعا عملاقا للطاقة النووية في الضبعة، والطاقة الشمسية في بنبان في أسوان.. وإن كانت المشروعات جاءت متأخرة فبعضها لظروف سياسية عمرها 70 عاما ومنها، مشروع الطاقة النووية الذي انطلق في خمسينيات القرن الماضي، ولم يتحقق إلا على يد الرئيس السيسي.. وهذه حقيقة تاريخية لا تقبل المزايدة أو الانتقاص، لكن أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي مطلقا.
علامات الانهيار

يقول الله تعالى: «وتلك الأيام نداولها بين الناس».. تشير هذه الآية الكريمة إلى الدنيا التي لا تثبت على حال، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة. فالفرد يبدأ رحلته في الحياة طفلا يافعا يسعى في الحياة تحت رعاية الآخرين، ثم يصير شابا قويا يعتمد عليه من كانوا يرعونه بالأمس، ثم يصير رجلا، ثم شيخا باليا فانيا. كذلك يرى الدكتور محمود خليل في “الوطن”، أن الدول أيضا تمر بالمراحل نفسها، فهي تبدأ نامية، ثم تقوى، وتصل إلى قمة النُّضج، ثم يبدأ منحناها في الهبوط حتى يصل إلى القاع. وإذا كان من الوارد أن يموت الإنسان فجأة، فإن الأمر يختلف بالنسبة للدول، فالإنذار بتضعضُعها يبرق في سمائها تلو الإنذار، لكن لا يكترث به أحد، لأن النهايات عادة ما تقترن بنوع من الخداع، ينكر معه من يظنون أن الدنيا سوف تخلد لهم، أو أنهم خالدون فوق ظهرها علامات النهاية، ويظلون كذلك حتى قبل دقائق من الانهيار، أو حتى تدهمهم لحظة السقوط. قبل سنوات قليلة من انهيار الدولة الأموية، كان الأمويون يخادعون أنفسهم، أمارات وعلامات كثيرة كانت تبرق في سماء حكمهم الذي تواصل لـ90 عاما تؤشر إلى قُرب السقوط، وبدلا من تصحيح مسيرتهم وإقامة المعوج في أدائهم، بادروا إلى الإنكار، ودفنوا رؤوسهم في الرمل مثل النعام، وتركوا كل شيء على حاله حتى استيقظوا على قعقعة الانهيار.

علامات السقوط

المتأمل لرحلة سقوط الدولة الأموية – أو غيرها من الدول – يجد عجبا. كما حدثنا الدكتور محمود خليل الذي يتساءل: لست أدري هل يمكن أن تتّفق أو تختلف معي إذا قلت لك إن أولى علامات السقوط جاءت مع تولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، وهو الرجل الملقب بخامس الخلفاء الراشدين، فقد تولى عمر الحكم قبل ما يقرب من 30 عاما من سقوط الدولة، وشاء الله أن يكشف عورة هذه الدولة التي قامت على مبدأ «الاستبداد بالقوة» و«قهر معارضيها». عمر بن عبد العزيز نفسه كان يقهر معارضيه، وقد فعلها ذات مرة مع خبيب بن عبد الله بن الزبير، حين اعترض على هدم حجرات زوجات النبي، يوم إن كان عمر واليا على المدينة، وأراد توسعة المسجد النبوي، وقال لعمر: ناشدتك الله يا عمر أن تذهب بآية من كتاب الله، تقول: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات)، فأمر به فضُرب مئة سوط، ونضح بالماء البارد، فمات، وكان يوما باردا. فعل حكام بنى أمية السابقون لعمر بن عبد العزيز أكثر من ذلك مع معارضيهم، واستبدوا كثيرا بالقرار، لكنهم لم يكونوا مثل عمر في الاعتراف بأخطائهم، الذي كان يُردّد بعد أن فعل ذلك: من لي بخبيب؟ اعترف عمر بن عبد العزيز أيضا بأخطاء الدولة، التي كان أحد خلفائها، وأنها أخذت الحكم بالغلبة، واستبدت بأمر الناس، لذلك يشير الكثيرون إلى أنه لم يُحدد من يخلفه في الحكم، لأنه لم يكن يقبل بفكرة الملك العضوض (الوراثي). لقد كشف الرجل المسكوت عنه – أو المستور- في مسيرة الدولة.

تكميم الدولار

ما حدث من البنوك المصرية، الأهلي ومصر والقاهرة والتجاري الدولي وباقي البنوك مؤخرا، برفع حدود السحب من البطاقات الائتمانية للمشتريات من الخارج، أو عند استخدامها خارج مصر بنسبة 50%، وكذلك تخفيض رسوم تدبير العملة في الخارج إلى النصف لتصبح 5%، هو ضربة قاصمة للشائعات وأبواق الشر التي لا تكل ولا تمل، على حد رأي عبد المحسن سلامة في “الأهرام” في إطلاق الشائعات والأكاذيب حول الاقتصاد المصري. رفع حدود السحب من بطاقات الائتمان يعني ببساطة قدرة البنوك على تدبير العملة الأجنبية، وعدم وجود مشكلات على الإطلاق في تدبير احتياجات العملاء، بل إنها قامت في الوقت نفسه بتخفيض رسوم تدبير العملة إلى النصف لتصبح 5% بدلا من 10% تيسيرا على العملاء الذين يضطرون إلى استخدام بطاقات الائتمان أثناء تنقلاتهم خارج مصر. المشكلة أن هناك من يستمع إلى الشائعات، وهناك للأسف بعض المواقع تغذي تلك الشائعات، واستغلت عطلة عيد الأضحى المبارك لنشر شائعات حول أسعار الدولار، مع أن قرار تحرير سعر الصرف هذه المرة واضح بالاحتكام إلى مرونة سعر الصرف، وقواعد العرض والطلب، وقد تكون هناك زيادة مؤقتة في السعر، يعقبها انخفاض أو العكس بمرونة كاملة. أعتقد أن الاقتصاد المصري اجتاز «المرحلة الأصعب» خلال الفترة الماضية، وتمت ترجمة ذلك بتوقيع أكبر صفقة استثمارات أجنبية في «رأس الحكمة»، وكذلك توقيع اتفاق صندوق النقد الدولي وبعده البنك الدولي. خلال الأيام القليلة المقبلة، سوف يتم عقد مؤتمر الاستثمار الأوروبي الذي جاء تتويجا لاتفاقية «الشراكة الاستراتيجية» بين الاتحاد الأوروبي ومصر، والتزم خلالها الاتحاد الأوروبى بتقديم مجموعة من المنح والتسهيلات توازي نحو 8.2 مليار دولار، وهو الاتفاق الذي جاء تأكيدا على قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات والأزمات، وتلبية جميع الالتزامات الخارجية والداخلية. مؤتمر الاستثمار الأوروبي يعكس الثقة الكبيرة من الشركاء الأوروبيين في الاقتصاد المصري، وهو ما يؤشر لمرحلة جديدة من التعاون المشترك بين الجانبين، خاصة في مجال الاستثمار بعد أن نجحت الدولة المصرية في أن تكون وجهة آمنة للاستثمارات العالمية وسط ظروف دولية وإقليمية معقدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية